تمرين — مقال جغرافي (20 نقطة) في روح مقال الدورة الرئيسيّة 2023 (شعبة الآداب)
الجغرافيا — الموضوع الثاني: مقال
«لم تصنع الموارد الطبيعيّة وحدها القفزة الاقتصاديّة البرازيليّة: فقد تعاقبت على البلاد منذ ثلاثينات القرن العشرين اختيارات تنمويّة مختلفة، موّلتها في جزء كبير منها رؤوس أموال أجنبيّة.»
- عرّف النماذج التنمويّة التي اعتمدها البرازيل، وبيّن دواعي تبنّي كلّ منها.
- صنّف الموارد الماليّة الأجنبيّة التي لجأ إليها البرازيل، ثمّ أبرز انعكاساتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
مقياس إسناد الأعداد: المعلومات 14 نقطة / المنهجيّة 4 نقاط / اللغة نقطتان.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
Idée : التخطيط معلن في المطلوب، فالجوهر عنصران لا ثلاثة: (أوّلا) النماذج بترتيبها الزمني، لكلّ نموذج تعريفه (فترته وأدواته) ودواعيه؛ (ثانيا) التمويل الأجنبي: تصنيف ثمّ انعكاسات. الخيط الرابط بين العنصرين: القروض أداة النموذج الثاني، والمديونيّة التي خلّفتها هي داعي النموذج الثالث.
المقدمة: يُصنَّف البرازيل ضمن البلدان الصناعيّة الجديدة، وهو من أبرز القوى الصناعيّة في أمريكا اللاتينيّة. غير أنّ هذه المكانة لم تكن حصيلة موارده الطبيعيّة وحدها: فقد تعاقبت عليه منذ ثلاثينات القرن العشرين نماذج تنمويّة جعلت من التصنيع محرّك التنمية، واستعان في تمويلها بموارد ماليّة أجنبيّة ضخمة. فما هي هذه النماذج ولماذا تبنّاها البرازيل؟ وما مصادر التمويل الأجنبي التي اعتمدها، وما انعكاساتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة؟
الجوهر — أوّلا: النماذج التنمويّة ودواعي تبنّيها
- نموذج التصنيع المعوّض للتوريد (من ثلاثينات القرن العشرين إلى سنة 1964): إنتاج السلع المصنّعة التي كان البرازيل يستوردها داخل البلاد، وراء حماية جمركيّة، مع توجيه الاستثمار نحو السوق الوطنيّة. الدولة هي المستثمر الأوّل: مؤسّسات عموميّة في القطاعات القاعديّة (الفولاذ في فولتا ريدوندا، المناجم مع شركة فالي سنة 1942، النفط مع بتروبراس سنة 1953) ومشاريع بنية أساسيّة كبرى (الطرقات، العاصمة الجديدة برازيليا المدشّنة سنة 1960)، اعتمادا على الإمكانيات الذاتيّة دون تعويل كبير على الموارد الماليّة الأجنبيّة. دواعيه: أزمة 1929 التي انهارت معها أسعار البنّ، المنتوج التصديري الأوّل، فتقلّصت العائدات التي كانت تموّل التوريد؛ والرغبة في الحدّ من التبعيّة للخارج وتنويع اقتصاد قائم على زراعة تصديريّة واحدة؛ والتعويل على النموّ لبناء الوحدة الوطنيّة وتقليص الفوارق، ومنها تخلّف الشمال الشرقي.
- نموذج التنمية المتخارج بالتصنيع الحاثّ على التصدير (1964–1985): المنطلق الحقيقي لـ«المعجزة البرازيليّة» (نموّ فاق 10 % سنويّا في المعدّل بين 1968 و1973): انفتاح على رأس المال الخاصّ المحلّي والأجنبي، جلب للشركات عبر القطريّة (السيّارات، الكيمياء، الإلكترونيك)، تشجيع للصادرات المصنّعة وللزراعات التصديريّة التي توفّر العملة الصعبة لتغطية نفقات التصنيع، ومشاريع ضخمة ممّولة بالقروض (سدّ إيتايبو، الطريق عبر الأمازونيّة). دواعيه: حدود النموذج الأوّل: ضيق السوق الداخليّة لضعف المقدرة الشرائيّة لأغلب السكّان، ونقص رؤوس الأموال والتكنولوجيا الضروريّة للصناعات الثقيلة والمتطوّرة، وعجز ميزان المدفوعات؛ وسعي النظام العسكري القائم منذ 1964 إلى نموّ سريع.
- الانفتاح الاقتصادي والإصلاح الهيكلي (منذ 1985): تحرير المبادلات بإزالة الحواجز الجمركيّة، خوصصة المؤسّسات العموميّة (فالي سنة 1997)، مكافحة التضخّم بخطّة «الريال» (1994)، والاندماج الإقليمي في السوق المشتركة لبلدان أمريكا الجنوبيّة (الميركوسور، 1991)؛ ثمّ أُضيف إليه منذ 2003 بعد اجتماعي (برنامج «بولسا فاميليا» لدعم العائلات الفقيرة). دواعيه: أزمة المديونيّة في الثمانينات، إذ أصبح للبرازيل أكبر دين خارجي بين بلدان الجنوب فطلب جدولة ديونه وقَبِل شروط برنامج الإصلاح الهيكلي؛ والتضخّم المفرط الذي أنهك المقدرة الشرائيّة؛ وتسارع العولمة؛ ثمّ حدّة الفقر والتفاوت التي جعلت البعد الاجتماعي ضرورة.
ثانيا: الموارد الماليّة الأجنبيّة: تصنيفها وانعكاساتها
1. التصنيف حسب طبيعة المورد:
- الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة: فروع تبعثها الشركات عبر القطريّة أو حصص تقتنيها في مؤسّسات برازيليّة فتملك سلطة تسييرها (فولكسفاغن وفيات وجنرال موتورز في صناعة السيّارات)؛ تدفّقت خاصّة في ظلّ النموذج المتخارج ثمّ مع خوصصة التسعينات.
- القروض الخارجيّة: من البنوك التجاريّة الدوليّة، ومن المؤسّسات الماليّة المتعدّدة الأطراف (البنك العالمي، صندوق النقد الدولي، بنك التنمية للبلدان الأمريكيّة)، ومن حكومات بلدان الشمال (قروض ثنائيّة)؛ موّلت المشاريع الكبرى والتجهيزات، وكانت الأداة الأساسيّة للنموذج الثاني.
- الاستثمارات في المحفظة: شراء الأجانب لأسهم المؤسّسات البرازيليّة وسنداتها في البورصة، وهي رؤوس أموال سريعة التنقّل تنامت منذ انفتاح التسعينات.
- المساعدات العموميّة للتنمية: هبات وقروض ميسّرة محدودة، لأنّ البرازيل بلد متوسّط الدخل؛ وزنها فيه أضعف بكثير منه في بلدان الساحل الإفريقي.
2. الانعكاسات الاقتصاديّة:
- إيجابيّا: تسريع التصنيع وتنويعه (السيّارات، الكيمياء، الطائرات مع إمبرائر)، ونقل التكنولوجيا وأساليب التسيير، وإنجاز بنية أساسيّة ضخمة (سدود، طرقات، موانئ)، وارتفاع الصادرات المصنّعة التي تجاوزت ثلث مجموع الصادرات (35,1 % سنة 2013).
- سلبيّا: مديونيّة خارجيّة تجاوزت 100 مليار دولار في الثمانينات جعلت البرازيل أكبر مدين في الجنوب، وخدمة دين أثقلت الميزانيّة حتّى علّق البرازيل تسديد فوائد ديونه للبنوك التجاريّة سنة 1987؛ تبعيّة ماليّة وتكنولوجيّة لبلدان الشمال وشركاتها، وتحويل للأرباح إلى الخارج، وسيطرة الشركات عبر القطريّة على فروع كاملة (السيّارات)؛ هشاشة أمام حركة رؤوس الأموال (أزمة العملة سنة 1999)؛ وشروط الإصلاح الهيكلي (خوصصة، تقشّف) التي فرضتها المؤسّسات الماليّة الدائنة.
3. الانعكاسات الاجتماعيّة:
- إيجابيّا: إحداث مواطن شغل في الصناعة والخدمات، ونموّ طبقة وسطى حضريّة، وتحسّن بعض المؤشّرات (التحضّر، التمدرس).
- سلبيّا: تركّز الاستثمارات في الجنوب الشرقي عمّق التفاوت بين «البرازيل المركزي» و«البرازيل الطرفي» وغذّى النزوح الريفي وانتشار أحياء الفافيلا؛ استأثرت الزراعات التصديريّة الكبرى (اللاتيفنديا) بالقروض على حساب صغار الفلاّحين والمزارعين بلا أرض؛ أنهك التضخّم وتقشّف الإصلاح الهيكلي المقدرة الشرائيّة وقلّص النفقات الاجتماعيّة («العشريّة الضائعة» في أمريكا اللاتينيّة خلال الثمانينات)؛ وبقي توزيع الدخل من أكثر توزيعات العالم تفاوتا.
الخاتمة: كان التمويل الخارجي سلاحا ذا حدّين: صنع القفزة في ظلّ النموذج المتخارج، ثمّ فرض عبر أزمة المديونيّة نموذجا جديدا بشروط الدائنين. وقد تراجعت هذه التبعيّة نسبيّا منذ سدّد البرازيل ديونه لصندوق النقد الدولي قبل آجالها سنة 2005، لكنّ رهانه اليوم تحويل النموّ إلى تنمية عادلة تقلّص التفاوت الاجتماعي والمجالي.