موضوع في مستوى اختبار البكالوريا — دراسة نص تاريخي
الموضوع الأوّل: دراسة نصّ — العالم بعد الحرب في نظر رجل دولة أوروبي (1948)
«مرّت ثلاث سنوات على انتصارنا المشترك، اكتشفت خلالها أوروبا والعالم حقائق قاسية. لقد قلبت الحرب التي انتهت لتوّها وضع قارّتنا ونفوذها رأسا على عقب: خسرنا جزءا كبيرا من ثروتنا الوطنيّة، ودُمّرت منشآتنا، وصارت أراضينا ذاتها ميدانا للتنافس بين غيرنا. ولن يكون في وسع قارّة بهذا الانهيار أن تحتفظ طويلا بسلطتها على شعوب ما وراء البحار. لقد اعتدنا منذ زمن طويل على قارّة أوروبيّة متوازنة تتنافس داخلها خمس أو ستّ قوى عظمى، وقد كانت هي التي تحكم العالم بثرواتها وأساطيلها وإشعاعها. أمّا اليوم فقد تغيّر المشهد كلّه: يظهر عالمنا في شكل كتلتين عظيمتين تسعيان إلى التوسّع، كتلة غربيّة وكتلة شرقيّة، تقودهما دوافع ومصالح متضاربة جوهريّا واتجاهات إيديولوجيّة متباينة. إنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتحاد السوفياتي متنافسان بالضرورة إن لم يتحوّلا يوما إلى خصمين، خاصّة وأنّ التطوّر التقني قد اختصر المسافات فتعدّدت نقاط التماسّ بينهما، كما أنّ اختراع وسائل التدمير الرهيبة من شأنه أن يوتّر علاقتهما ويجعلها مصدر قلق شديد للجميع.»
المصدر: نصّ مُعاد صياغته لأغراض التمرين على منوال خطب رجال الدولة الأوروبيّين في أواخر الأربعينات؛ ليس وثيقة رسميّة.
أدرس النصّ معتمدا على الأسئلة التالية، في إطار نشأة القطبيّة الثنائيّة والحرب الباردة:
- عرّف بصاحب هذا النوع من النصوص واستخرج إشكاليّة النصّ.
- بيّن، بالاعتماد على النصّ، خصائص الوضع الدولي غداة الحرب العالميّة الثانية.
- عرّف بـ«الكتلتين العظيمتين» المشار إليهما في النصّ.
- اشرح أسباب الصراع بين هاتين الكتلتين في الفترة المذكورة، وبيّن لماذا اتّخذ شكل حرب باردة.
تقع الإجابة عن كلّ سؤال على حدة، لا في شكل تحرير مسترسل.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
السؤال 1 — التعريف بالكاتب وإشكاليّة النصّ
النصّ من صنف خطب رجال الدولة الأوروبيّين في أواخر الأربعينات، أي شخصيّات قادت بلدانها أثناء الحرب ووجدت نفسها بعدها أمام أوروبا منهارة الوزن. أمّا الإشكاليّة فهي: كيف انتقل العالم من نظام قائم على تنافس قوى أوروبيّة عديدة إلى نظام ثنائي القطبيّة تتقاسمه كتلتان، وما الذي يجعل هذا النظام الجديد مصدر توتّر دائم؟
السؤال 2 — خصائص الوضع الدولي غداة الحرب
- تراجع مكانة أوروبا: «خسرنا جزءا كبيرا من ثروتنا الوطنيّة ودُمّرت منشآتنا». خرجت القارّة مدمّرة اقتصاديّا ومثقلة بالديون، وفقدت وزنها السياسي بعد أن كانت مركز القرار العالمي.
- تصدّع النفوذ الاستعماري: يقرّ النصّ بأنّه «لن يكون في وسع قارّة بهذا الانهيار أن تحتفظ طويلا بسلطتها على شعوب ما وراء البحار». هنا يُعلن ضمنيّا أفق تصفية الاستعمار.
- بروز قوّتين عظميين: انتقل مركز الثقل إلى خارج أوروبا، إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتحاد السوفياتي، فصار العالم «كتلتين عظيمتين».
- عالم مسلّح ومتقارب: «التطوّر التقني قد اختصر المسافات» و«اختراع وسائل التدمير الرهيبة»: أي بروز السلاح النووي وتعدّد نقاط الاحتكاك، وهو ما يجعل التوتّر بنيويّا لا عرضيّا.
السؤال 3 — التعريف بالكتلتين
الكتلة الغربيّة بزعامة الولايات المتّحدة الأمريكيّة: تقوم على الليبراليّة الاقتصاديّة والديمقراطيّة البرلمانيّة والتعدّديّة الحزبيّة، تدعمها آليّات اقتصاديّة (مشروع مارشال) وعسكريّة (حلف شمال الأطلسي)، وتضمّ أساسا بلدان أوروبا الغربيّة.
الكتلة الشرقيّة بزعامة الاتحاد السوفياتي: تقوم على الاشتراكيّة والاقتصاد الموجّه والحزب الواحد، وتؤطّرها الديمقراطيّات الشعبيّة في أوروبا الشرقيّة، مع آليّات مقابلة على المستويين الاقتصادي والعسكري. وينتظم العالم بينهما في ما يُعرف بالاستقطاب الثنائي.
السؤال 4 — أسباب الصراع بين الكتلتين
أوّلا سبب إيديولوجي: يشير النصّ إلى «اتجاهات إيديولوجيّة متباينة». فالنموذج الليبرالي والنموذج الاشتراكي لا يتنازعان مصالح فحسب، بل يتنازعان تعريف الشرعيّة نفسها، وكلّ منهما يقدّم نفسه مشروعا عالميّا.
ثانيا سبب جغراسياسي: «كتلتان تسعيان إلى التوسّع». تحوّل التحالف الظرفي أثناء الحرب إلى تنافس على مناطق النفوذ فور زوال العدوّ المشترك، وظهرت أولى بوادر الخلاف حول مصير أوروبا الوسطى والشرقيّة ومصير ألمانيا.
ثالثا سبب تقني-عسكري: «التطوّر التقني قد اختصر المسافات فتعدّدت نقاط التماسّ» و«وسائل التدمير الرهيبة». امتلاك السلاح النووي جعل المواجهة المباشرة مكلفة إلى حدّ الاستحالة، فاتّخذ الصراع شكل حرب باردة: ضغط اقتصادي، أحلاف، دعاية، وأزمات محلّيّة بالوكالة.
تقييم الوثيقة
أهمّيّة النصّ أنّه تشخيص من داخل أوروبا للحظة فقدانها المركزيّة، وهو يستبق تصفية الاستعمار قبل وقوعها. أمّا حدوده فمزدوجة: نظرة أوروبيّة تختزل العالم في الكتلتين وتغفل الشعوب المستعمَرة بوصفها فاعلا، وخطاب سياسي يسعى إلى تعبئة الرأي العام لا إلى التحليل المحايد. لذلك يُقرأ إلى جانب وثائق صادرة عن الطرف الآخر وعن بلدان الجنوب.