مقال أدبيّ — على منوال الموضوع الأوّل لدورة المراقبة 2026 (آداب)، بصيغة معادة
الموضوع الأوّل: مقال أدبيّ (20 نقطة) — أثر مقرّر: المنزع العقليّ (الجاحظ)
«تناول الجاحظ في «الحيوان» و«الرسائل» عالم الحيوان وأحوال الناس ومسائل الاعتقاد، وجعل العقل ميزانا يزن به ما يُروى له وما يراه بعينه.»
المطلوب: حلّل هذا القول وأبدِ رأيك فيه، في مقال أدبيّ متماسك البناء (مقدّمة، جوهر، خاتمة)، معتمدا شواهد دقيقة من الأثرين.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: «حلّل… وأبدِ رأيك» من صنف المواضيع التي تجمعها شبكة الإصلاح الرسميّة (مراقبة 2019) مع «إلى أيّ مدى» و«إلى أيّ حدّ»: المقدّمة 3 (تمهيد 1، بسط الموضوع 1، مراكز الاهتمام 1)، والجوهر 10 (تحليل 5، ثمّ إبداء الرأي أو تنسيب القول 3، ثمّ تأليف 2)، والخاتمة 2 (إجمال 1، موقف 0.5، أفق 0.5)، واللغة 5. فالتحليل هو الثقل، والرأي قسم قائم بذاته لكنّه أقصر.
تفكيك الموضوع قبل التحرير
- المجال: «الحيوان» و«الرسائل» معا. مقال يقتصر على أحدهما ناقص الشواهد، وقد نبّه إصلاح مراقبة 2015 إلى أن تشمل الأمثلة ظواهر من الطبيعة والمجتمع.
- المكوّن الأوّل — مجالات النظر: عالم الحيوان (الطبيعة)، وأحوال الناس (المجتمع والسلطة والأخلاق)، ومسائل الاعتقاد.
- المكوّن الثاني — العقل ميزانا: يزن «ما يُروى له»، أي الخبر في سنده ومتنه، و«ما يراه بعينه»، أي المعاينة والتجربة. فالقول يضع الرواية والمشاهدة كلتيهما تحت حكم العقل.
- التركيب: حكم تقريريّ لا حصر فيه؛ فالرأي تنسيب أو تعديل أو إضافة، لا دحض للأطروحة كلّها.
المقدّمة (3 ن) — تمهيد لا يحكم، ثمّ بسط للقول بلفظه أو بمعناه، ثمّ طرح إشكاليّ يعلن مراكز الاهتمام. مقدّمة ممكنة:
«ازدهر تدوين المعارف في القرن الثالث للهجرة، وتقاطرت على الكتّاب أخبار الرواة وأقوال المتكلّمين وكتب اليونان المترجمة، فصار السؤال عن طريقة قبولها سؤال عصر. وفي هذا السياق كتب الجاحظ «الحيوان» و«الرسائل»، ويرى بعض الدارسين أنّه تناول فيهما عالم الحيوان وأحوال الناس ومسائل الاعتقاد، وجعل العقل ميزانا يزن به ما يُروى له وما يراه بعينه. فما المجالات التي انفتح عليها نظره؟ وكيف يعمل ميزان العقل في الخبر وفي المشاهدة؟ وهل كان هذا الميزان يحكم كلّ ما كتب؟»
التحليل (5 ن)
أ) مجالات النظر: من الحيوان إلى الناس والاعتقاد — الفكرة: لا تُعدَّد المجالات قائمةً، بل يُبيَّن أنّ النظر الذي يتناول الحيوان هو نفسه الذي يتناول الناس.
- عالم الحيوان: يصف في «الحيوان» طباع الحيوان وحيله، كحيّة «تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد»، ويجمع في ذلك ما رآه وما سمعه وما قرأه. فالحيوان عنده مادّة معرفة تُطلب من مصادر شتّى، لا عجائب تُروى للتسلية وحدها.
- أحوال الناس: في «الرسائل» يروي أنّ الحسن حضر أميرا «قد أفرط في عقوبة بعض المذنبين، فكلّمه فلم يحفل بكلامه، وخوّفه فلم يتّعظ بزجره»؛ فالخبر يطرح مسألة السلطة وحدود النصح أمامها. وفي «الحيوان» يؤسّس الاجتماع على حاجة لا على مصادفة: «ثمّ اعلم، رحمك الله تعالى، أنّ حاجة بعض الناس إلى بعض، صفة لازمة في طبائعهم، وخلقة قائمة في جواهرهم».
- مسائل الاعتقاد: يزن الفرق بعضها ببعض ويختار الوسط: «فلم نفرط إفراط الخوارج، ولم نقصّر تقصير المرجئة، ودين الله بين المقصّر والمغالي».
ب) العقل ميزانا لما يُروى — الفكرة: الخبر يوزن من جهتين: من نقله، وما يقوله.
- نقد الناقل: يحذّر من الثقة بصاحب المكانة إذا لم يستند إلى رواية: «لا تسترسلوا إلى كثير من المفسّرين، فإنّ كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير أساس».
- الشكّ طريقا إلى اليقين: يقول في «الحيوان»: «فاعرف مواضع الشكّ وحالاته الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له». فالشكّ مشروط بما يوجبه، وغايته يقين أثبت، لا الإنكار لذاته.
- القياس: يردّ على من زعم أنّ قوما «صاروا أسخياء لضعف عقولهم» بمدّ الدعوى إلى لازمها: «وينبغي في هذا القياس أن يكون أوفر الناس عقلا وأكثر الناس علما أبخل الناس بخلا وأقلّهم خيرا». واللازم مردود، فتسقط الدعوى.
ج) العقل ميزانا لما يُرى — الفكرة: حيث تمكن المشاهدة لا يكتفي بالسماع.
- المعاينة: «وليس يشفيني إلّا المعاينة»، و«كلّ قول يكذّبه العيان فهو أفحش خطإ وأسخف مذهب».
- التجربة: زعم الناس أنّ الحيّة تكره ريح السذاب والشيح، فامتحن الزعم بنفسه: «وأمّا أنا فقد ألقيت على رأسها وأنفها من السذاب ما غمرها، فلم أجد على ما قالوا دليلا». دعوى، ثمّ إجراء محسوس، ثمّ نتيجة مصوغة بحذر: «لم أجد دليلا»، لا «كذبوا».
تأليف مرحليّ: تصيب الأطروحة في جوهرها: مجالات النظر متنوّعة، والميزان واحد يمرّ بالناقل والمتن والمشاهدة، والعقل الذي يمتحن زعما في الحيّة بالتجربة هو الذي يمتحن زعما في السخاء بالقياس.
إبداء الرأي: تنسيب القول (3 ن) — الفكرة: لا نهدم ما أثبته التحليل؛ نقيس حدود «الميزان»: هل ينصبه الجاحظ لكلّ خبر؟ وهل هو عقل خالص؟
- ميزان لا يُنصب لكلّ خبر: كثير من الأخبار يُنقل بصيغة «زعموا» و«زعم لي» دون حكم معلن، والتجربة تبقى فرديّة: حيّة واحدة لا تبني قانونا، وإن احتاط الجاحظ في صياغة نتيجته. وهو يقرّ بأنّ الخبر الذي «يحمله الرجل والرجلان» إنّما يُصدَّق «بحسن الظنّ بالمخبر والثقة بعدالته»؛ فالثقة بالأشخاص جزء من الميزان نفسه. ومن هنا ما سجّله إصلاح مراقبة 2015 من «تسليم الجاحظ ببعض الأخبار والمرويّات دون تمحيص أو تثبّت».
- عقل داخل مرجعيّة: الموقف الوسط بين الخوارج والمرجئة يكشف أنّ العقل يعمل في إطار مذهب يدافع عنه هو الاعتزال؛ فهو أداة فحص وأداة احتجاج معا، يُستدلّ به على عظمة الخالق كما يُمتحن به الخبر.
- إضافة — عقل يكتب أدبا: يعي الجاحظ أنّ الكلام يتلوّن بمقامه: «لكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء». فالنادرة والاستطراد والإمتاع جزء من مشروعه، يستبقي بها القارئ، لكنّها تُضعف الترتيب والتبويب فيتفرّق الاستدلال بين الحكايات.
التأليف (2 ن): ليس الميزان العقليّ عند الجاحظ جهازا يُطبَّق على كلّ مرويّ، بل موقف يعلّمه قارئه: أن يعرف متى يشكّ ومتى يصدّق، وأن يطلب المعاينة حيث تمكن. لذلك يجتمع في كتابيه الخبر الذي لم يُفحص والخبر الذي امتُحن، والحجّة والنادرة؛ فالعقل لا يلغي الموسوعة، بل يرتّب علاقة القارئ بها.
الخاتمة (2 ن): إجمال ثمّ موقف ثمّ أفق. خاتمة ممكنة:
«انفتح نظر الجاحظ على الحيوان والناس والعقيدة، وحكّم العقل في الرواية والمشاهدة، وإن ظلّ ميزانه موصولا بثقة في الرواة، وبمذهب يدافع عنه، وبكتابة تحبّ الاستطراد. وأرى أنّ قيمته في تربية القارئ على السؤال أكثر منها في نتائج تجاربه. فهل يكفي أن نتعلّم الشكّ لنبني معرفة، أم يحتاج الشكّ إلى أدوات تحقّق جماعيّة لم يعرفها عصر الجاحظ؟»
اللغة (5 ن): سلامة اللغة، وأدوات ربط تُظهر الانتقال من التحليل إلى الرأي (غير أنّ، في المقابل، وعليه، وهكذا)، ونسبة كلّ شاهد إلى أثره: الخبر الذي يرويه الجاحظ عن غيره ليس بالضرورة حكمه.