تحليل نصّ من «الشحّاذ» — نصّ الدورة الرئيسيّة 2024 (آداب) بتوجيهات معادة الصياغة
الموضوع الثالث: تحليل النصّ (20 نقطة)
من الفصل الثاني من رواية «الشحّاذ» لنجيب محفوظ. عاد عمر الحمزاوي من زيارة طبيب كان زميله في الدراسة، فوجد زوجته زينب وصديقه مصطفى المنياوي وابنته بثينة في انتظاره:
الوجوه تتطلّع إليه مستفسرة. حتّى قبل أن تردّ تحيّتك.
ما أفظع الضجر، الحموضة التي تفسد العواطف الباقية! ولاحت من ورائهم الشرفة الكبيرة المطلّة على النيل من الدور الرابع. وتبدّى عنق زوجك من طاقة فستانها الأبيض غليظا متين الأساس. واكتظّت وجنتاها بالدهن، وقفت كتمثال ضخم مليء بالثقة والمبادئ. وضاعت عيناها الخضراوان تحت ضغط اللحم المطوّق لهما. أمّا ابتسامتها فما زالت تحتفظ ببراءة رائقة ومحبّة صافية.
– قلبي يحدّثني بأنّ كلّ شيء طيّب..
إلى جانبها وقف مصطفى المنياوي رافعا نحوك وجهه البيضاويّ الشاحب، وعينيه الذابلتين وصلعته التاريخيّة، وقد بدا ضئيلا في نحافته إلى جانب الزوجة المحكمة البناء.
– حدّثنا عن زميل الدراسة، ماذا قال؟ وهل عرفك؟
واعتمدت بثينة بكوعها على كتف تمثال برنزيّ لامرأة باسطة الذراعين في هيئة مرحّبة، وتطلّعت إلى أبيها في تشوّق بعينيها الخضراوين، وهي تكرّر صورة أمّها عندما كانت في الرابعة عشرة، بقامتها الرشيقة، ولكن يبدو أنّها لن تتعملق مع الأيّام ولن تسمح للدهن بأن يغطّي على صفائها. تساءلت بنظرة كما تتفاهم معك كثيرا دون كلام.
وجلسوا جميعا ثمّ قال بهدوء: لا شيء.
هتفت زينب بنبرة جامدة: الحمد لله، طالما قلت إنّك بحاجة إلى الراحة.
فأحنقه انتصارها بلا سبب، وخاطب مصطفى مشيرا إلى زوجته قائلا: هي المسؤولة أوّلا وأخيرا!
ولمّا فرغ من تلخيص رأي الدكتور.. قال مصطفى بحبور: يا له من علاج هو باللعب أشبه! .. ثمّ مستدركا في أسف: لكن الطعام والشراب! .. اللعنة على الزمن..
لِمَ تلعن وأنت لم تُصب بسوء؟ ماذا يفعل المقبل على رحلة غامضة؟ الحائر بين الحبّ والضجر الذي لم يحدّث نفسه بعدُ بطريقة شافية!
وذُكِر الآخر في السجن، حتّى حساسيّة الضمير يدركها الضجر، يوم احترقتَ بلهيب الخطر. لكنّه لم يعترف، وذاب في الظلمات كأن لم يكن، وأنت تمرض في الترف. وتنهض الزوجة رمزا للمطبخ والبنك، فسَل نفسك: ألا يضجر النيل تحتنا؟ (…)
– بابا، هل نستعدّ للسفر؟
– سنمرح كثيرا وسوف أعلّم أختك السباحة كما علّمتك في ما مضى.
– حتّى البراميل!
ها هي أمّك تحاكي البرميل، والأفق يحاكي السجن، والحرّيّة استكنّت وراء الأفق، ولم يبق من أمل إلّا الضمير المعذّب.
نجيب محفوظ، الشحّاذ، مكتبة مصر، ط7، 1982، الفصل 2، ص ص 15–18.
المطلوب: حلّل النصّ تحليلا أدبيّا مسترسلا مستعينا بما يلي:
- ينتقل عمر في المقطع من مراقبة من حوله صامتا ووصفهم إلى مخاطبتهم والتفاعل معهم. تتبّع مراحل هذا الانتقال واستخلص ما يدلّ عليه.
- يحتلّ الوصف مساحة واسعة من النصّ: أجساد الشخصيّات، والأشياء، والمكان. حلّله مبيّنا كيف يصير أداة لتشخيص أزمة البطل.
- تتعدّد أشكال الحوار في النصّ بين كلام مسموع، ونظرة صامتة، وحديث يوجّهه عمر إلى نفسه. وضّح كيف يكشف هذا التعدّد تنامي ضيقه واتّساع الهوّة بينه وبين محيطه.
- هل تجد في أحوال عمر وكلامه في هذا المقطع ما يمهّد لرحلة بحثه عن معنى لحياته؟ علّل رأيك.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: التوجيهات الأربعة برنامج مقال واحد، لا أسئلة يُجاب عنها واحدا بعد آخر: الثلاثة الأولى للتحليل، والرابع للتقييم. ويوزّع إصلاح التحليل الأدبيّ الرسميّ (الدورة الرئيسيّة 2022) النقاط هكذا: المقدّمة 3 (تمهيد 1، تقديم مادّيّ 1، مراكز اهتمام 1)، الجوهر 10 (تفكيك 1، تحليل 6، تقييم 2، تأليف 1)، الخاتمة 2، اللغة 5. وخصوصيّة هذا النصّ أنّ أغلبه وصف يمرّ بعين عمر، فالسؤال الذي يقود التحليل كلّه: من يرى؟ وماذا يكشف ما يراه عن الرائي نفسه؟
المقدّمة (3 ن) — تمهيد بفكرة عامّة لا تحكم على النصّ، ثمّ تقديم مادّيّ (الكاتب، الأثر، موقع المقطع، موضوعه)، ثمّ مراكز الاهتمام تُصاغ من التوجيهات بعبارة المترشّح. مقدّمة ممكنة:
«حين انصرف نجيب محفوظ في ستّينات القرن الماضي إلى الرواية الذهنيّة، لم يعد الوصف عنده زينة تؤثّث المشهد، بل صار طريقا إلى باطن الشخصيّة. والنصّ مقطع من الفصل الثاني من «الشحّاذ»: يعود عمر الحمزاوي من عند طبيب كان زميله في الدراسة، فيلقى زوجته وصديقه وابنته، فيتأمّلهم قبل أن يحادثهم، ثمّ ينسحب في كلامه إلى نفسه. ونتناوله من أربع زوايا: تنامي علاقة عمر بمن حوله من التأمّل إلى التفاعل، ودور الوصف في تشخيص أزمته، وأشكال الحوار وما تكشفه من ضيق وقطيعة، ثمّ ما إذا كانت أحواله وأقواله تمهّد لرحلة بحثه عن المعنى.»
التفكيك (1 ن) — الفكرة: نختار معيار حركة الخطاب بين النظر الصامت والكلام المنطوق، لأنّه يخدم التوجيهين الأوّل والثالث معا، فيأتي المقطع في أربع وحدات:
- من البداية إلى «دون كلام»: الاستقبال والتأمّل: الوجوه تستفسر، وعمر يجيب بالنظر، فيصف زوجته ثمّ صديقه ثمّ ابنته، وتبقى أقوالهم بلا جواب.
- من «وجلسوا جميعا» إلى «اللعنة على الزمن»: المحادثة: جواب مقتضب عن الزيارة، وحنق على زينب، ومزاح مع مصطفى.
- من «لِمَ تلعن» إلى «ألا يضجر النيل تحتنا؟»: الحديث الباطن: أسئلة بلا جواب، وذكرى السجين، وتحويل الزوجة والنيل إلى رموز.
- من «بابا، هل نستعدّ للسفر؟» إلى النهاية: حوار مع بثينة يعقبه صوت داخليّ يختم المقطع.
ويُقبل كلّ معيار وجيه آخر، كمعيار الضمير: خطاب بضمير المخاطَب في مواضع التأمّل («تحيّتك»، «زوجك»، «فسَل نفسك»)، وسرد بضمير الغائب في مواضع الفعل («قال بهدوء»، «فأحنقه»).
التحليل (6 ن)
1) تنامي العلاقة: من التأمّل والوصف إلى المحاورة والتفاعل — الفكرة: نتتبّع المراحل، ثمّ نسأل: هل يقرّب التفاعلُ عمرَ من أهله أم يكشف بعده عنهم؟
يبدأ المقطع وعمر منظور إليه قبل أن يكون ناظرا: «الوجوه تتطلّع إليه مستفسرة». ثمّ ينقلب الضمير في الجملة التالية: «حتّى قبل أن تردّ تحيّتك»، فإذا الراوي يخاطب عمر من داخله، وإذا عمر يردّ على النظر بالنظر. وتتوالى حوله أقوال قصيرة لا يُسمّى قائلوها («قلبي يحدّثني بأنّ كلّ شيء طيّب»، «حدّثنا عن زميل الدراسة، ماذا قال؟ وهل عرفك؟») فلا يجيب عنها، بل يمضي في وصف زوجته، ثمّ صديقه، ثمّ ابنته: علاقة من يتفرّج على أهله من مسافة. ولا يبدأ التفاعل إلّا مع «وجلسوا جميعا»، وأوّل كلمة ينطقها نفيٌ: «لا شيء». ثمّ يتدرّج الكلام: هتاف زينب بانتصارها («الحمد لله، طالما قلت إنّك بحاجة إلى الراحة») يثير في عمر حنقا يعترف السرد بأنّه «بلا سبب»، فيحوّله إلى مزاح موجّه إلى مصطفى يحمل اتّهاما: «هي المسؤولة أوّلا وأخيرا!»؛ ثمّ يلخّص رأي الطبيب فيجيبه مصطفى بمرح: «يا له من علاج هو باللعب أشبه!». وأدفأ تبادل في المقطع حواره مع بثينة: «سنمرح كثيرا وسوف أعلّم أختك السباحة كما علّمتك في ما مضى»، وهو وعد يستند إلى الماضي أكثر ممّا يعيش الحاضر. دلالة هذا التنامي أنّ التفاعل يزداد ولا يقرّب: كلّ مرحلة من الكلام يعقبها انسحاب إلى الداخل، فيُختم المقطع بصوت عمر الباطن لا بكلام أحد من أهله.
2) الوصف ودوره في تشخيص أزمة البطل — الفكرة: الوصف هنا مبأّر بعين عمر، فنسأل عن كلّ صورة ماذا تقول عن الموصوف، ثمّ ماذا تقول عن الواصف.
- الداء قبل الأعراض: يسبق الوصفَ حكمٌ بصيغة التعجّب: «ما أفظع الضجر، الحموضة التي تفسد العواطف الباقية!». فالمقطع يسمّي الداء أوّلا، ثمّ تأتي الصور أعراضا له. والاستعارة دقيقة: الضجر حموضة لا تهدم العاطفة دفعة واحدة بل «تفسد» ما بقي منها، ولفظ «الباقية» يعترف بأنّ شيئا من العاطفة لم يمت بعد.
- زينب: جسد يُرى كتلة وبناء: يُختار من جسد الزوجة ما يوحي بالثقل والصلابة: عنق يبدو «غليظا متين الأساس»، و«اكتظّت وجنتاها بالدهن»، و«وقفت كتمثال ضخم مليء بالثقة والمبادئ»، و«ضاعت عيناها الخضراوان تحت ضغط اللحم المطوّق لهما». معجم البناء («متين الأساس»، ثمّ «الزوجة المحكمة البناء») ومعجم الضغط والإحاطة («ضغط»، «المطوّق») يجعلان الزوجة جدارا، والتشبيه بالتمثال يجمع الضخامة والجمود واليقين. غير أنّ «أمّا» تفتح استدراكا حاسما: «أمّا ابتسامتها فما زالت تحتفظ ببراءة رائقة ومحبّة صافية». فالمرأة لم تفقد محبّتها؛ الذي تغيّر هو العين التي تراها. وهذا جوهر التشخيص: الوصف يدين النظرة قبل أن يدين المنظور إليه.
- مصطفى: صورة ساخرة لصديق ذابل: «وجهه البيضاويّ الشاحب، وعينيه الذابلتين وصلعته التاريخيّة»، و«قد بدا ضئيلا في نحافته إلى جانب الزوجة المحكمة البناء». الشحوب والذبول صفتا إرهاق، ونعت الصلعة بـ«التاريخيّة» سخرية تفضح عينا صارت تتفرّج على أقرب الناس إليها، والمقابلة بين النحافة والضخامة تحوّل المشهد إلى رسم ساخر.
- بثينة: الماضي الذي لم يفسد بعد: تستند إلى «تمثال برنزيّ لامرأة باسطة الذراعين في هيئة مرحّبة»، فيقوم الشيء مقام ترحيب الأسرة: ترحيب لا يتبدّل لأنّه من برونز. ويتكرّر التمثال مرّتين في المقطع، زينب «كتمثال ضخم» والمرأة البرنزيّة المرحّبة، فيغدو البيت معرضا لأجساد جامدة. وبثينة «تكرّر صورة أمّها عندما كانت في الرابعة عشرة»، فيسافر الوصف في الزمن: في وجه الابنة يرى عمر زوجته قبل أن يغطّيها الدهن، ثمّ يتمنّى: «ولكن يبدو أنّها لن تتعملق مع الأيّام ولن تسمح للدهن بأن يغطّي على صفائها». والدهن الذي «يغطّي على صفائها» صورة حسّيّة لما تفعله «الحموضة» بالعواطف: زمن يفسد ما كان صافيا. وبثينة وحدها تُوصف بلا ثقل، ومعها وحدها يتمّ التفاهم «دون كلام».
- المكان: من الشرفة إلى الأفق السجن: «الشرفة الكبيرة المطلّة على النيل من الدور الرابع» علامة يسر وعلوّ، لكنّ النيل نفسه يُستدعى في السؤال الباطن: «ألا يضجر النيل تحتنا؟»، فيمتدّ الضجر من الذات إلى العالم، وهو ما يسمّيه الإصلاح الرسميّ لموضوع آخر عن الرواية (مراقبة 2019) «إسقاط العالم النفسيّ على المحيط الخارجيّ». وقبل ذلك يصرّح الصوت الداخليّ بالرمز: «وتنهض الزوجة رمزا للمطبخ والبنك». ثمّ يبلغ الوصف ذروته في الختام: «ها هي أمّك تحاكي البرميل، والأفق يحاكي السجن، والحرّيّة استكنّت وراء الأفق». وتكرار فعل المحاكاة («تحاكي البرميل»، «يحاكي السجن») يحوّل الوصف إلى معادلات: الزوجة برميل، والأفق، وهو علامة الانفتاح، سجن.
فالوصف في هذا المقطع هو التشخيص الذي لم يقدّمه الطبيب: أعراضه النفور من الثقل والجمود، والسخرية من الأقربين، والإحساس بالسجن؛ وداؤه ضجر يتردّد اسمه في المقطع ثلاث مرّات («ما أفظع الضجر»، «بين الحبّ والضجر»، «يدركها الضجر») ثمّ يصير فعلا يُسند إلى النيل.
3) الحوار بأنواعه: من الضيق إلى القطيعة — الفكرة: نسمّي كلّ شكل من أشكال الحوار، ثمّ نسأل عن نصيب عمر منه وعن وظيفته.
- حوار مسموع مبتور: تصل أقوال الآخرين قصيرة، أغلبها بلا نسبة إلى قائل، كأنّها أصوات تتردّد حول عمر لا محاورون يواجهونه. أمّا كلامه هو فمقتضب نافٍ أو ساخر: «لا شيء»، «هي المسؤولة أوّلا وأخيرا!». والسؤال «ماذا قال؟ وهل عرفك؟» لا يلقى جوابا صريحا.
- كلام ملخَّص: أهمّ ما في الزيارة، رأي الطبيب، لا يُنقل بلفظه: «ولمّا فرغ من تلخيص رأي الدكتور». فيطوي السرد الخطاب الطبّيّ طيّا، ولا يبقى منه إلّا صداه في تعليق مصطفى، كأنّ العلم لا يملك ما يقوله في هذا الداء.
- حوار صامت: «تساءلت بنظرة كما تتفاهم معك كثيرا دون كلام». التفاهم الوحيد في المقطع يمرّ بالعين لا باللسان، ومع بثينة وحدها.
- حوار باطنيّ: يتّسع كلّما ضاق الكلام المنطوق. بعد «اللعنة على الزمن» يأتي سؤال لا يُنطق: «لِمَ تلعن وأنت لم تُصب بسوء؟»، فهو ردّ صامت على مصطفى الذي لم يصبه الداء؛ ثمّ يسائل عمر نفسه بضمير الغائب: «ماذا يفعل المقبل على رحلة غامضة؟»، وبضمير المخاطَب: «فسَل نفسك: ألا يضجر النيل تحتنا؟». والاستفهام الذي لا جواب له والتعجّب («بطريقة شافية!») أسلوبا هذا الحوار، ويورد الإصلاح الرسميّ لمراقبة 2019 عبارة «ماذا يفعل المقبل على رحلة غامضة؟ الحائر بين الحبّ والضجر» شاهدا على الحوار الباطنيّ في الرواية. وتنتقل الكاف في هذا الصوت من مخاطَب إلى آخر: عمر نفسه («وأنت تمرض في الترف»)، ومصطفى في الردّ الصامت، ثمّ بثينة في الجملة الأخيرة («ها هي أمّك تحاكي البرميل»)، فيقول لها في سرّه ما لا يقوله بصوت مسموع.
- ذكرى تقطع الحاضر: «وذُكِر الآخر في السجن»: يستحضر عمر رفيقا سجينا (هو عثمان خليل في الرواية) «لم يعترف، وذاب في الظلمات كأن لم يكن، وأنت تمرض في الترف». والمقابلة بين السجن والترف تضيف إلى الضجر وخز الضمير، وتكشف أنّ القطيعة ليست مع الأسرة وحدها، بل مع ماض «احترقتَ» فيه «بلهيب الخطر».
هكذا تتّسع الهوّة بين مستويي الكلام: كلام منطوق يقصر ويتقنّع بالمزاح، وكلام باطن يطول ويتساءل، حتّى تكون الكلمة الأخيرة للصوت الداخليّ: «ولم يبق من أمل إلّا الضمير المعذّب». وتلك هي القطيعة: عمر حاضر بجسده بين أهله، غائب عنهم بوعيه.
التقييم (2 ن) — الفكرة: التوجيه الرابع يطلب حكما معلّلا: ما الذي يدفع عمر في المقطع نحو البحث؟ وما الذي لا يزال يمسكه؟
- ما يمهّد للرحلة: يسمّي عمر نفسه «المقبل على رحلة غامضة»، ويصف حاله «الحائر بين الحبّ والضجر»، ويعترف بأنّه «لم يحدّث نفسه بعد بطريقة شافية»: الحاجة إلى مساءلة الذات معلنة. ويضع الحرّيّة خارج عالمه («استكنّت وراء الأفق»)، ومن كانت حرّيّته وراء الأفق فلا بدّ أن يخرج إليها. ويضيف ضميره المعذّب بذكرى السجين سؤالا عن معنى حياة تمضي في الترف.
- ما يؤجّلها: الرحلة ما تزال «غامضة»، والسفر الذي تسأل عنه بثينة («هل نستعدّ للسفر؟») سفر أسرة تستعدّ له لا رحلة بحث؛ وعمر ما يزال يؤدّي دور الأب الذي يَعد ابنتيه بالمرح والسباحة، وحنقه على زينب «بلا سبب» يدلّ على أنّه لا يفهم ما به بعد. والأمل الوحيد الذي يسمّيه أمل مُوجِع: «الضمير المعذّب».
- الحكم: في أحوال عمر وأقواله ما يدفعه إلى البحث: نفور من عالم صار ثقيلا جامدا، وسؤال بلا جواب، وحرّيّة موضوعة وراء الأفق. لكنّ المقطع عتبة لا بداية: يشخّص الأزمة ويعلن الرحلة سؤالا، وستحوّل الرواية هذا السؤال إلى تجارب يخوضها عمر بعد أن يهجر عمله وبيته.
التأليف (1 ن): تلتقي المسالك الثلاثة عند نظرة واحدة: العين التي تصف أهلها كتلا وتماثيل هي نفسها التي تنسحب من محادثتهم إلى صوتها الباطن؛ فالوصف والحوار الصامت والحديث إلى النفس ليست أدوات متجاورة، بل وجوه لانشطار واحد. ويجعل محفوظ الشكل نفسه علامة على هذا الانشطار: الضمير يتنقّل بين الغائب الذي يُرى من الخارج والمخاطَب الذي يُكلَّم من الداخل، كما يتنقّل عمر بين حضوره بين أهله وغيابه عنهم.
الخاتمة (2 ن): إجمال (1 ن) في جملة، ثمّ موقف (0.5 ن)، ثمّ أفق (0.5 ن) يفتح سؤالا لم يُطرح. خاتمة ممكنة:
«هكذا يكتب نجيب محفوظ أزمة بطله بالعين قبل أن يكتبها بالحدث: شرفة ونيل وتماثيل وجسد ثقيل تصير كلّها أعراضا لضجر لم يجد له الطبيب اسما. وأرى أنّ قوّة المقطع في أنّه لا يدين زينب ولا مصطفى، بل يدع القارئ يرى أنّ الخلل في العين الناظرة. فهل يكفي أن يغادر عمر هذه الشرفة ليبلغ الحرّيّة التي «استكنّت وراء الأفق»، أم سيحمل سجنه معه أينما ذهب؟»
اللغة (5 ن): سلامة اللغة، وتماسك المقال، وأدوات الربط بين أقسامه، ونقل الشواهد بلفظها من النصّ بين مزدوجين.