التمرين — سؤال مقاليّ في روح السؤال الأوّل من دورة المراقبة 2016
السؤال الأوّل (12 نقطة):
جاء في ميثاق أوتاوا لتعزيز الصحّة، الذي صدر سنة 1986 عن المؤتمر الدوليّ الأوّل لتعزيز الصحّة، وقد شاركت منظّمة الصحّة العالميّة في تنظيمه بأوتاوا (كندا):
« الصحّة موردٌ للحياة اليوميّة، لا غايةٌ للعيش؛ وهي مفهوم إيجابيّ يُبرز الموارد الاجتماعيّة والشخصيّة، كما يُبرز القدرات البدنيّة. »
انطلاقا من هذا القول، أبرز دور النشاط البدنيّ والرياضيّ في تعزيز كلّ صنف من هذه القدرات والموارد، مدعّما إجابتك بأمثلة من حياة التلميذ والرياضيّ والمواطن.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: اقرأ القول قبل أن تكتب: هو يعدّد ثلاثة أصناف — قدرات بدنيّة، وموارد شخصيّة (نفسيّة وذهنيّة)، وموارد اجتماعيّة — ويضيف فكرة رابعة: الصحّة وسيلة لحياة يوميّة كاملة لا هدف في ذاتها. «أبرز دور…» تطلب إذن محورا لكلّ صنف، وفي كلّ محور آليّة (كيف يؤثّر النشاط؟) ثمّ أثرا ثمّ مثالا، ثمّ محورا قصيرا يربط المستويات ويضع شروط الفائدة. وهي البنية نفسها التي يطلبها سؤال مراقبة 2016 حين يعطي تعريف المنظّمة بمستوياته الثلاثة (الجسديّ والذهنيّ والاجتماعيّ). يوزّع مقياس الإصلاح الرسميّ لسنة 2011 عشر نقاط هكذا: مقدّمة 1، جوهر 7، خاتمة 2؛ وعلى 12 نقطة يبقى الجوهر هو ما يصنع العدد.
المقدمة: ظلّت الصحّة طويلا تُعرَّف بالسلب: أن يكون الإنسان غير مريض. وقد قلبت منظّمة الصحّة العالميّة هذه النظرة منذ دستورها سنة 1946، حين جعلت الصحّة سلامة بدنيّة ونفسيّة واجتماعيّة كاملة، وهو التعريف الذي أكّده إعلان ألما آتا سنة 1978؛ ثمّ خطا ميثاق أوتاوا خطوة أخرى حين جعلها موردا نستعمله كلّ يوم، يقوم على قدرات الجسد وعلى موارد الفرد الداخليّة وعلى علاقاته بغيره. والنشاط البدنيّ والرياضيّ من الوسائل القليلة التي تنمّي هذه الأصناف الثلاثة معا وبكلفة زهيدة. فكيف يتجلّى دوره في كلّ صنف منها؟ وبأيّ شروط يؤدّيه؟
الجوهر:
1. القدرات البدنيّة: جسد يحمل صاحبه في يومه. الفكرة: لا تكتب «الرياضة تقوّي الجسم»: سمِّ الجهاز، ثمّ ما تغيّره فيه الممارسة المنتظمة، ثمّ ما يربحه صاحبه في حياته اليوميّة أو المرض الذي يتّقيه.
- القلب والدورة الدمويّة والتنفّس: مع التدريب المنتظم يكبر حجم الدم الذي يدفعه القلب في كلّ نبضة، فينخفض نبض الراحة ويؤدّي القلب العمل نفسه بجهد أقلّ؛ وتتحسّن قدرة العضلات على استعمال الأكسجين، فيصعد الممارس الدرج أو يلحق بالحافلة دون أن يلهث. ويساهم النشاط المنتظم أيضا في خفض ضغط الدم المرتفع.
- العضلات والعظام والمفاصل: الصدمات الخفيفة التي تتلقّاها العظام في الجري والقفز والألعاب الجماعيّة تحفّزها على تكثيف بنيتها، وأثر ذلك أكبر في الطفولة والمراهقة حين تُبنى الكتلة العظميّة التي ستحمل الإنسان طوال عمره؛ وتقوية عضلات الظهر والبطن تحفظ القوام وتقي من آلام الظهر التي يولّدها الجلوس الطويل.
- الوقاية من الأمراض غير السارية: العضلة التي تشتغل تستهلك سكّر الدم وتحسّن استجابة الجسم للأنسولين، والنشاط يساعد على ضبط الوزن؛ ولذلك يقلّل الانتظام من خطر السكّري من النوع الثاني والسمنة وأمراض القلب والشرايين وبعض أنواع السرطان كسرطان القولون. وتوصي منظّمة الصحّة العالميّة في إرشاداتها لسنة 2020 البالغين بما بين 150 و300 دقيقة في الأسبوع من نشاط معتدل الشدّة، والأطفال والمراهقين بستّين دقيقة في اليوم في المعدّل.
- الاستقلاليّة: عند المسنّ يحفظ المشي وتمارين التوازن والقوّة قدرته على قضاء حاجاته بنفسه ويقلّل خطر السقوط؛ وهذا معنى «المورد للحياة اليوميّة» في أوضح صوره.
2. الموارد الشخصيّة: نفس متوازنة وذهن حاضر. الفكرة: الموارد الشخصيّة هي ما يملكه الفرد في داخله ليواجه يومه؛ فصّلها إلى ثلاثة: التوازن الانفعاليّ، والقدرات الذهنيّة، وصورة الذات.
- التوازن الانفعاليّ: يرافق الجهدَ إفرازُ الإندورفينات وتغيّرٌ في نشاط موادّ دماغيّة كالسيروتونين والدوبامين، فيخرج الممارس من الحصّة أهدأ ممّا دخلها؛ والممارسة المنتظمة تخفّف القلق والتوتّر، ويُعتمد النشاط البدنيّ اليوم وسيلة مساعدة في الوقاية من الاكتئاب وفي علاج حالاته الخفيفة والمتوسّطة. وهو فوق ذلك يحسّن النوم، والنوم الجيّد بدوره مورد للمزاج.
- القدرات الذهنيّة: يتحسّن تدفّق الدم إلى الدماغ، وتربط دراسات كثيرة النشاط المنتظم بتركيز وذاكرة أفضل لدى التلاميذ؛ ويتعلّم لاعب كرة السلّة أو اليد أن يقرأ الموقف ويقرّر في جزء من الثانية.
- صورة الذات: بلوغ هدف صغير — أوّل كيلومتر يُقطع دون توقّف، أوّل حركة تُتقن — يبني الثقة بالنفس؛ والمنافسة تعلّم تقبّل الخسارة والتحكّم في الغضب ومواجهة الضغط، وهي مهارات يحملها التلميذ إلى الامتحان والشابّ إلى العمل.
3. الموارد الاجتماعيّة: شبكة تسند الفرد. الفكرة: المورد الاجتماعيّ هو ما يأتي الفرد من غيره: انتماء، وعلاقات، وقواعد مشتركة. بيّن كيف يصنعه الملعب.
- الانتماء: يمنح الفريق والجمعيّة الرياضيّة الطفل والمراهق مكانا ومجموعة وهويّة؛ وتجمع تظاهرات «الرياضة للجميع» وسباقات المدن ودورات الأحياء أعمارا وفئات لا تلتقي في غيرها.
- تعلّم العيش المشترك: احترام القاعدة والحكم والخصم، والتعاون وتقاسم الأدوار في الرياضات الجماعيّة، تمارين على المواطنة قبل أن تكون تمارين رياضيّة.
- الوقاية من العزلة والانحراف: وقت منظّم في النادي يحلّ محلّ الفراغ والشاشات وصحبة السوء؛ والرياضة المكيّفة تكسر عزلة ذوي الإعاقة، ولنا في ما يحقّقه الرياضيّون التونسيّون من ذوي الإعاقة في الألعاب البارالمبيّة مثال على ما تمنحه الرياضة من مكانة واعتراف.
4. مستويات مترابطة وفائدة مشروطة. الفكرة: القول يرى الصحّة كلّا إيجابيّا واحدا؛ فبيّن أنّ المستويات تتغذّى بعضها من بعض، ثمّ أنّ الفائدة ليست آليّة.
- الترابط: المراهق الذي يتخلّص من وزنه الزائد بالممارسة يكسب لياقة، وصورة أفضل عن نفسه، وجرأة على الانضمام إلى فريق كان يتجنّبه: مكسب بدنيّ صار موردا شخصيّا ثمّ اجتماعيّا.
- الشروط: الانتظام أهمّ من الشدّة؛ والتدرّج والاعتدال يقيان من الإصابات والإرهاق اللذين يقلبان الفائدة؛ ويُضاف إليهما فحص طبّيّ قبل الممارسة التنافسيّة، وتأطير كفء، وغذاء متوازن ونوم كاف، ورفض المنشّطات التي تحوّل وسيلة الصحّة إلى خطر عليها.
الخاتمة: إذا كانت الصحّة موردا للحياة اليوميّة، فالنشاط البدنيّ ليس ترفا يخصّ الأبطال بل استثمار يوميّ في هذا المورد. ولذلك ينبغي أن يُعامَل في تونس على أنّه جزء من السياسة الصحّيّة: حصّة تربية بدنيّة لا تُلغى في أيّ مؤسّسة تربويّة، وملاعب قرب ومسالك للمشي في كلّ حيّ وجهة، وطبيب يوجّه مرضى السكّري وضغط الدم إلى برامج نشاط مؤطّرة كما يوجّههم إلى الدواء.