مقال — التقابل بين البداية والنهاية في تجارب أبي هريرة
الموضوع (الموضوع الثاني، دورة المراقبة 2015، شعبة الآداب — كما يعيده الإصلاح الرسمي):
«في تجارب أبي هريرة تقابلٌ بين البداية والنهاية يعبّر عن توق الإنسان إلى نحت الكيان ووعيه بحدود قدرته.»
حلّل هذا القول وأبد رأيك فيه استنادا إلى ما درست من رواية «حدّث أبو هريرة قال...» لمحمود المسعدي.
المطلوب: (نصّ الموضوع أعلاه هو نصّ الامتحان كما يعيده الإصلاح؛ أمّا التوجيهات الآتية فمن تأليف هذا التمرين.)
اكتب مقالا أدبيا من مقدّمة وجوهر وخاتمة. في التحليل لا تكتفِ بتسمية مستويات التقابل: اختر تجربة واحدة على الأقلّ ممّا درست، وقابل بين ما يُنتظر في مطلعها وما يؤول إليه منتهاها بشاهد من لفظ الأثر، ثمّ بيّن ما يعبّر عنه هذا التقابل من توق ومن وعي بحدود المنزلة البشرية. وفي النقاش اختبر القول بما في الأثر ممّا لا يخضع للتقابل أو يعكس اتّجاهه. اجعل الخاتمة أفقا لا تكرارا.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
التمهيد والتنزيل والطرح الإشكالي (AR-MAQAL-01):
يُمهَّد بفكرة وثيقة الصلة بالموضوع، من قبيل ما يقترحه إصلاح دورة المراقبة 2015: اهتمام أدب المسعدي بقضايا الوجود الإنساني، أو انفتاح مسيرة البطل في «حدّث أبو هريرة قال...» على قراءات متعدّدة. ثمّ يُبسط الموضوع بلفظه أو بمعناه مع المحافظة على مقوله: تجارب البطل تقوم على تقابل بين بدايتها ونهايتها، وهذا التقابل يعبّر عن توق الإنسان إلى نحت الكيان ووعيه بحدود قدرته. الإشكال: أين يظهر هذا التقابل في تجارب البطل وبأيّ شواهد؟ وكيف يعبّر عن التوق والوعي بالحدود معا؟ وهل التقابل هو ما يفسّر الأثر كلّه أم وجه من وجوهه؟
ضبط مراكز الاهتمام (AR-MAQAL-02):
يقترح الإصلاح ثلاثة مراكز: (1) مظاهر التقابل بين البداية والنهاية في تجارب أبي هريرة. (2) تعبير هذا التقابل عن توق الإنسان إلى نحت كيانه ووعيه بحدود قدرته. (3) إبداء الرأي في الأطروحة. ويُضاف هنا شرط منهجيّ: لكلّ مركز شاهد من لفظ الأثر، ويُنسب ما وراء اللفظ من قراءات إلى صاحبه.
تحليل الأطروحة بالشواهد (AR-MAQAL-03):
يرتّب إصلاح 2015 مظاهر التقابل في أربعة مستويات: البنية الحدثية (الخروج ≠ العودة، الحركة ≠ السكون، الاجتماع ≠ الانفراد، الانتصار ≠ الانكسار)، والأطر (الأرض ≠ السماء، الانفتاح ≠ الانغلاق؛ الفجر ≠ الغروب، الضياء ≠ الظلمة)، والشخصيات (الفرد ≠ العدد، الاتّصال ≠ الانفصال)، والأسلوب (نفَس احتفاليّ ملحميّ ≠ نفَس انهزاميّ مأسويّ في نبرة الخطاب والمعجم والتراكيب والصور). وهذه خريطة لا شواهد، فلا بدّ من تجربة بعينها.
تجربة من لفظ الأثر: في «حديث التعارف في الخمر»، كما طُبع في الموضوع الثالث من الدورة الرئيسية 2021، تروي ريحانة بضمير المتكلّم حالها في المطلع: «ثم كرهت الخمر وعربدته والغناء وما كنت أصنع منه»، وتختم: «ثم رجعت إلى الحانوت وقد طاب مقامي». المكان هو هو (مكة، الحانوت) والحال مختلفة، فالتقابل هنا في الحال لا في المكان. وداخل الحديث تقابل بين ما يُنتظر وما يقع: يقول أبو هريرة لها «إنه ليس فينا إلا حفي بك محب لك»، ثمّ يرفع الزقّ ويصبّه على رأسها ويقول «انظروا ريحانة الخمر»، فتصيح وترتاع وتهمّ باللطم. فالتقابل يُقاس على أقوال وأفعال مرويّة، لا على تسمية «بداية» و«نهاية». وللشاهد حدّه أيضا: حديث واحد ترويه ريحانة عن نفسها، فلا يُنقل حكمه إلى مسيرة البطل كلّها.
تجربة كما يقرؤها الإصلاح: يقابل إصلاح دورة المراقبة 2021 بين «حديث البعث الأوّل» و«البعث الآخر». في الأوّل، بعبارات الإصلاح، إطارٌ طبيعيّ منفتح (الصحراء) متّصل بالفجر، وهو «زمن البدايات»، والبطل فيه «منفعلا بالأحداث والمشهد لا فاعلا فيهما»، مدعوّ بدعوة صديقه التي يسمّيها الإصلاح «حدثا قادحا». وفي الآخر إطارٌ «يتّسم بالارتفاع والعسر» ومرتبط بالغروب «دلالةً على النهاية»، والبطل فيه داعٍ يدعو صديقه أبا المدائن، ويقرأ الإصلاح مشهد الختام مآلا مأسويا ينتهي بموت البطل. من هنا يستخلص الإصلاح تحوّل البطل من مدعوّ إلى داعٍ، ويسمّي علاقة البعثين شكلا دائريا عودا على بدء. وهذه قراءة للأثر كلّه تُنسب إلى الإصلاح بعباراته هو؛ ولا يُنقل هنا من لفظ الرواية شيء، فالشاهد الذي يُكتب في المقال يُؤخذ من الورقة أو من نسخة الأثر التي درسها المترشّح.
ما يعبّر عنه التقابل: يفصّل إصلاح 2015 لكلّ تجربة ثنائيتها: الحسّ (النشوة ≠ الضجر)، والعدد (الحماس ≠ الخيبة)، والدين (الطمأنينة ≠ الحيرة)، والحكمة (العقل ≠ العبث)، ويجعل تردّد البطل بين توقه إلى نحت كيانه ووعيه بحدود قدرته مفسّرا لتعدّد التجارب وتنامي المغامرة. فالتوق في المطالع، والوعي بالحدود في المآلات، وتكرار الطرفين من تجربة إلى أخرى هو ما يجعل التقابل، في قراءة الإصلاح، تعبيرا عن رؤية للفعل الإنساني وحدوده: توقٌ إلى الكمال يقابله إقرار بالعجز عن بلوغه.
النقاش وإبداء الرأي (AR-MAQAL-04):
يُنسَّب القول من ثلاث جهات يفتحها الأثر والإصلاح معا. الأولى: التقابل ليس السمة الوحيدة التي طبعت الرواية؛ يذكر إصلاح 2015 سمات أخرى تنافسه في التفسير: تنوّع روافد الكتابة وأجناسها، وتناسق البناء، والأطر الشرقية الموحّدة، والأسلوب الفصيح الرمزيّ. الثانية: التقابل يضمر حيث تبدأ التجربة بلا توق: يلاحظ الإصلاح نفسه أنّ البطل دخل تجربتي الغيبة والحكمة حائرا متسائلا، فلا مطلعَ احتفاليّا يقابله منتهى مأسويّ؛ ويقول إنّ نهاية كلّ تجربة بداية لأخرى، فتصير النهاية موقعا في المسيرة لا حدّا لها. الثالثة، من لفظ الأثر: اتّجاه التقابل ليس واحدا. في حديث التعارف تسير حال ريحانة من «كرهت» إلى «طاب مقامي»، أي من الضجر إلى الرضا، عكسَ الثنائية التي يرسمها إصلاح 2015 لتجربة الحسّ عند البطل (النشوة ≠ الضجر). فالقول صحيح على مسيرة البطل كما يقرؤها الإصلاح، ولا يصحّ قانونا على كلّ حديث ولا على كلّ شخصية. ويضيف إصلاح 2021 أنّ فشل البطل في تجاربه لا ينفي قيمة الجهد الذي بذله، وأنّ نهاية المغامرة لم تكن فشلا مطلقا؛ وهذا تقويم للنهاية يُنسب إليه، ويجوز اعتماده في الرأي دون أن يُجعل واقعة في النصّ.
التأليف (AR-MAQAL-05):
يتبيّن أنّ التقابل بين البداية والنهاية حاضر في الأثر بنية ودلالة، على حدّ عبارة الإصلاح، لكنّ حضوره يُثبت بشاهد يُقرأ في موضعه ويُنسَّب بما لا يخضع له؛ فهو مدخل إلى رؤية المسعدي لمنزلة الإنسان في الوجود، ويقول الإصلاح نفسه إنّه ليس المدخل الوحيد. ومن هنا يُفتح سؤال أبعد: هل التقابل في النصّ نفسه، أم في طريقتنا في تقطيعه بداية ونهاية؟ وماذا يبقى من الرؤية حين تُقرأ الأحاديث كما وردت، حديثا بعد حديث، لا كما تُرتّب في أطروحة؟