مقال — بين مغامرة الكيان ورهانات المجتمع
الموضوع (الموضوع الثاني، دورة المراقبة 2016، شعبة الآداب — كما يعيده الإصلاح الرسمي):
«تناول المسعدي في «حدّث أبو هريرة قال...» مسيرة تحرّر الإنسان ومغامرته في أبعاد الكيان ووعيه بمنزلته في الوجود، وانصرف عن تناول رهانات المجتمع في عصره.»
ما رأيك؟
المطلوب: (نصّ الموضوع أعلاه هو نصّ الامتحان كما يعيده الإصلاح؛ أمّا التوجيهات الآتية فمن تأليف هذا التمرين.)
اكتب مقالا أدبيا من مقدّمة وجوهر وخاتمة. في التحليل ميّز جملتي المعطى: الأولى تُثبت مسيرةً ومغامرةً ووعيا، والثانية تنفي تناول رهانات المجتمع؛ ولكلّ جملة شاهد من الأثر يُقرأ في لفظه. ثمّ اختر حديثا واحدا يظهر فيه أبو هريرة بين جماعة، وصف ما يقوله النصّ في علاقة الفرد بالجماعة فيه، وبيّن أيّ قراءة اجتماعية يسمح بها ذلك الحديث في حدود عالم الرواية، وأيّ قراءة تحتاج إلى قرينة من خارجه. وفي إبداء الرأي اختر بين الإضافة والتنسيب والدحض الجزئيّ أو الكلّيّ كما يعرضها الإصلاح، وعلّل اختيارك. اجعل الخاتمة أفقا لا تكرارا.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
التمهيد والتنزيل والطرح الإشكالي (AR-MAQAL-01):
يُمهَّد بفكرة وثيقة الصلة بالموضوع، من قبيل ما يقترحه إصلاح دورة المراقبة 2016: مركزية الإنسان في أدب المسعدي، أو اهتمام النقّاد بموقفه من الإنسان في «حدّث أبو هريرة قال...»، أو تصارع الرؤى الفلسفية في كتاباته. ثمّ يُنزَّل نصّ المعطى بلفظه أو بمعناه مع المحافظة على المعنى: جملتان فعليّتان مثبتتان تقوم بينهما، كما يلاحظ الإصلاح، مقابلة دلالية رغم التوافق التركيبيّ؛ تُثبت الأولى مسيرة تحرّر ومغامرة في أبعاد الكيان ووعيا بالمنزلة، وتنفي الثانية تناول رهانات المجتمع. الإشكال: أين تظهر مسيرة التحرّر ومغامرة الكيان في الأثر وبأيّ شواهد؟ وهل غياب الوظيفة التسجيلية والنقدية المباشرة، على حدّ تعبير الإصلاح، يعني غياب البعد الاجتماعي من الرواية؟ وما الذي يفصل بين جماعةٍ يخوض البطل تجربتها في النصّ ومجتمعٍ عاش فيه الكاتب؟
ضبط مراكز الاهتمام (AR-MAQAL-02):
يقترح الإصلاح ثلاثة مراكز: (1) وجوه انصراف المسعدي إلى قضايا تحرّر الإنسان ومغامرته في أبعاد كيانه ووعيه بمنزلته في الوجود. (2) وجوه انصرافه عن تناول رهانات المجتمع في عصره. (3) إبداء الرأي، ويحدّده الإصلاح تقويما بالإضافة أو بالتنسيب أو بدحض المعطى جزئيا أو كلّيا مع التعليل. ويُضاف شرط منهجيّ يحكم المراكز الثلاثة: التمييز في كلّ فقرة بين ثلاث طبقات، ما يقوله لفظ الأثر، وما يقرؤه فيه الإصلاح أو النقّاد، وما يُنسب إلى الكاتب نفسه من موقف أو اعتقاد؛ فلا تُنقل طبقة إلى أخرى بلا قرينة.
تحليل الأطروحة بالشواهد (AR-MAQAL-03):
الجملة الأولى في قراءة الإصلاح: يفصّل إصلاح 2016 وجوه الانصراف إلى قضايا تحرّر الإنسان في ثلاثة محاور: سعي الإنسان إلى التحرّر من جملة من القيود (المجتمع، والمكان، والجسد والحسّ واللذّة)، ومغامرته في أبعاد كيانه عبر تجارب أربع (الحسّ مع ريحانة، والجماعة مع العدد، والدين في الدير، والحكمة)، ثمّ وعيه بمنزلته في الوجود. ويصف الإصلاح تجربة الحسّ تجربة داخلية باءت بالفشل ارتدّ عنها البطل حسيرا، وتجربة الجماعة امتدادا أفقيا خارجيا انتهى بالكفر بالجماعة، وتجربة الدين امتدادا عموديا، وتجربة الحكمة خوضا في مسائل مجرّدة أشرفت بالبطل على تخوم الجنون. وهذه خريطة للأثر كلّه تُنسب إلى الإصلاح؛ ولا يقوم مقال بخريطة، بل بشاهد يُقرأ في موضعه.
شاهد من لفظ الأثر على المغامرة في أبعاد الكيان: في «حديث التعارف في الخمر»، كما طُبع في الموضوع الثالث من الدورة الرئيسية 2021، لا يظهر أبو هريرة إلا من خلال ما ترويه ريحانة: رجل لم تكن تعرفه، اجتمع إليه رجال الحيّ «وهو يحدثهم ويضحك ضحكا كثيرا»، ثمّ طعام «صفف على بساط» وقوم «يأكلون ويشربون»، ثمّ زقّ يُرفع ويُصبّ. وقوله لها «فنحن نشرب ونحب من يشرب» هو أقصى ما يقوله هذا الحديث عن مذهبه. فبُعد الحسّ الذي يسمّيه الإصلاح مطبوعٌ هنا أفعالا وأقوالا؛ أمّا كونه طورا في مغامرة كيان وفشلا ارتدّ عنه البطل فقراءة للمسيرة كلّها تُعرض منسوبة إلى الإصلاح، لأنّ هذا الحديث لا يذكر مآل التجربة عند أبي هريرة، وإنّما يذكر مآلها عند ريحانة وحدها («وقد طاب مقامي»).
الجملة الثانية والإطار: يقول الإصلاح إنّ مدار الجملة الثانية غياب البعد الاجتماعي في الرواية، أي عدم تقصّد الرواية وكاتبها الوظائف التسجيلية والنقدية الإصلاحية. ويُختبر ذلك أوّلا في الإطار. فالنصّ المطبوع يسمّي أماكن لها مرجع معروف: «كنت في مكة»، «والكعبة على كثب»، «فخرجت أريد المدينة»، ويسمّي إلى جانبها حيّا لا مرجع له خارج الحكاية (حيّ الأنمار). ويقرأ إصلاح الدورة الرئيسية 2022 أمكنة الرواية «فضاءات تومئ إلى شبه الجزيرة العربية في لحظة تاريخية غابرة»، وزمنها العامّ زمنا تأطيريّا «يشير إلى سياق حضاريّ قديم»، ويجعل في الوقت نفسه من النور والظلمة والفجر رموزا. فالقول إنّ المكان رمز لا يلغي أنّ له مرجعا جغرافيا وتاريخيا مسمّى؛ والذي يسنده النصّ والإصلاح معا هو أنّ هذا المرجع ليس مجتمع الكاتب في عصره، لا أنّ الرواية بلا تاريخ ولا جغرافيا. ومن هنا يصحّ من الجملة الثانية شقّ محدود: الرواية لا تسجّل واقع عصرها تسجيلا مباشرا.
الجملة الثانية والجماعة، في حديث مطبوع: المأدبة في حديث التعارف جماعةٌ صغيرة يظهر فيها الفرد بين قوم: يصيح أحد رجال الحيّ بريحانة «حسب الأنمار لبيد» ويقوم يريدها «وقد أخذ منه الخمر»، فيقوم له أبو هريرة ويمنعها عنه ويقول للرجال «دعوا الجارية تشرب»، ثمّ يصبّ الزقّ على رأسها «فانطلق أصحابه يضحكون مني»، وينتهي المجلس بقولها «وقام عنا الرجال». ما يسمح به هذا الحديث من قراءة اجتماعية محدود وواضح: علاقات مكانة لها لفظها في النصّ وفي شرحه المطبوع («الجارية» في كلام أبي هريرة، وسبيّة أنقذها لبيد واحتالت عليه ليعتقها ثمّ غادرت الحيّ في الحاشية)، وضيافة على تحفّظ («فأكرموني على انقباض فيهم»)، وضيفٌ نزل بالحيّ تلك الليلة يمنع رجلا من أهله ويأمر الباقين ولا يذكر النصّ اعتراضا بعد أمره، وجماعة تضحك من امرأة صُبّ الزقّ على رأسها. وكلّ ذلك داخل عالم الحكاية ومن زاوية راوية مشاركة. أمّا ما لا يسمح به الحديث فهو الانتقال من هذه العلاقات إلى «رهانات المجتمع في عصر المسعدي»: فالنصّ لا يؤرّخ جماعته ولا يسمّي مجتمعا معاصرا للكاتب، والانتقال يحتاج إلى جسر من خارجه، قولٍ موثّق للكاتب أو مرجعٍ تاريخيّ يُتعرَّف عليه في الأثر، وليس في الورقة ولا في الإصلاحات ما يقيمه.
الجملة الثانية والجماعة، في قراءة الإصلاح لتجربة العدد: يبني إصلاح 2016 وجوه الانصراف عن رهانات المجتمع على تجربة الجماعة كما يقرؤها: البطل «كان الفاعل، بينما كان الجماعة مفعولا بهم قادهم قيادة الرأس للأعضاء دون استشارة أو تشريك في القرار»، و«لم يدخل أبو هريرة تجربة الجماعة بغاية غيرية بل لغاية ذاتية هي ملء الكيان»، وانتهت التجربة بالكفر بالجماعة بعد ما لاحظه فيها من استسلام وتواكل وعدائية. ويقرأ إصلاح دورة المراقبة 2022 علاقة الفرد بالجماعة عند المسعدي على صيغة «الجماعة من أجل الفرد». فالمفارقة أنّ الشاهد الذي يستعمله الإصلاح ليثبت الانصراف عن المجتمع هو نفسه شاهد على حضور مسألة اجتماعية في صلب الرواية: علاقة قائد بمقودين. ولا يُنقل هنا من لفظ حديث العدد شيء، فليس منه نصّ مطبوع في هذا التمرين، والشاهد يُؤخذ من نسخة الأثر التي درسها المترشّح.
النقاش وإبداء الرأي (AR-MAQAL-04):
يحدّد الإصلاح صور التقويم: إضافة، أو تنسيب، أو دحض جزئيّ أو كلّيّ، مع التعليل؛ ولكلّ صورة شرطها. التنسيب هو ما يختاره الإصلاح نفسه في باب التأليف: «لم يهمل المسعدي شواغل مجتمعه وإنّما تناولها تناولا مجرّدا»، وتعليله أنّ مسألة الفرد والجماعة حاضرة في التجارب بوصفها سؤالا عامّا لا تسجيلا لواقع؛ ويسنده ما تقدّم: علاقة القائد بالجماعة في تجربة العدد كما يقرؤها الإصلاح، وعلاقات المكانة والضيافة والأمر في المأدبة المطبوعة. الإضافة أن يُقال إنّ المعطى ضيّق معنى «رهانات المجتمع» حين قصرها على التسجيل والنقد الإصلاحيّ؛ ويقترح الإصلاح صيغة لذلك: إنزال مفهوم الالتزام في التفكير في قضايا الإنسان ومنزلته في الوجود، فيصير الاهتمام برهانات المجتمع منضويا تحت مفهوم عامّ للالتزام. وهي إضافة مشروعة بشرط أن تبقى في حدود المفهوم ولا تُحوَّل إلى واقعة في النصّ. الدحض الجزئيّ يحتاج إلى أكثر ممّا في أيدينا: يعرض الإصلاح في باب الرأي أنّ اهتمام المسعدي بشواغل مجتمعه السياسية يظهر في إشارته إلى أهمية الزعامات السياسية في توعية الجماهير، وأنّ المسعدي يؤمن بأنّ إعادة بناء المجتمع تقتضي بناء إنسان جديد؛ وهذان حكمان على اعتقاد الكاتب يعرضهما الإصلاح في باب الرأي ولا يذكر لهما سندا: لا قولا موثّقا للكاتب ولا إشارة مؤرّخة في الأثر. فيُذكران منسوبين إلى الإصلاح، ويُبنى عليهما رأي لا واقعة.
وتحكم النقاش كلّه قاعدتان. الأولى: الشخصية غير الكاتب. يصف إصلاح 2022 البطل بأنّه «الأنا الثانية للمسعدي»، ويقرأ إصلاح 2016 موقف أبي هريرة من الجماعة في ضوء نيتشه وسارتر وهوبز؛ وكلاهما قراءة تُعرض منسوبة: ما يفعله أبو هريرة بجماعته معطى نصيّ، وما يعتقده المسعدي في المجتمع دعوى تحتاج إلى مصدرها. الثانية: تعدّد الجماعات في الرواية يجعل الجماعة موضوعا، ولا يجعلها مجتمعا بعينه؛ فالحكم على «الجماعة» يمرّ بالشاهد، والحكم على «عصره» يمرّ بجسر تاريخيّ، ولكلّ حكم طريقه.
التأليف (AR-MAQAL-05):
يتبيّن أنّ الجملة الأولى من المعطى تصحّ بشواهدها، وأنّ الجملة الثانية تصحّ في معنى ضيّق هو انتفاء التسجيل المباشر لواقع العصر، وتُنسَّب فيما عدا ذلك، لأنّ الأثر يجعل من علاقة الفرد بالجماعة موضوعا يُختبر في التجارب ويُروى في الأحاديث. ويختم إصلاح 2016 بأنّ رؤية المسعدي للإنسان تقوم على الكونيّ الذي يختزن الخصوصيّ، وأنّ المقابلة بين الكونيّ والخصوصيّ لا تساعد على تبيّن مفهوم الالتزام عنده؛ وهو أفق يجوز تبنّيه بوصفه رأيا. ويبقى سؤال يفتحه المقال: إذا كان الجسر بين جماعات الرواية ومجتمع الكاتب لا يبنيه النصّ، فمن يبنيه، القارئ في عصره أم المؤرّخ للكاتب؟ وهل يُقاس التزام الأثر بما يسجّله من عصره أم بما يفتحه من أسئلة لقرّائه في كلّ عصر؟