مقال — مقوّمات الكتابة الروائية حاملةً لرؤية الأدب والإنسان
الموضوع (الموضوع الثاني، الدورة الرئيسية 2022، شعبة الآداب — كما يعيده الإصلاح الرسمي):
«حمل المسعدي مقوّمات الكتابة الروائية في «حدّث أبو هريرة قال...» رؤيته للأدب والإنسان.»
توسّع في هذا الرأي معتمدا شواهد دقيقة ممّا درست.
المطلوب: (نصّ الموضوع أعلاه هو نصّ الامتحان كما يعيده الإصلاح؛ أمّا التوجيهات الآتية فمن تأليف هذا التمرين.)
اكتب مقالا أدبيا من مقدّمة وجوهر وخاتمة. في التحليل اختر ثلاثة مقوّمات على الأقلّ من مقوّمات الكتابة في الأثر (من قبيل: صيغة السند والمتن، تعدّد الرواة وأنواعهم، اللغة الواحدة للشخصيات والرواة، نظام السرد، التسمية والرمز، العتبات)، وعالج كلّ مقوّم في ثلاث مراحل: لفظه المطبوع في حديث درسته (كحديث التعارف في الخمر الذي ترويه ريحانة)، ثمّ ما يفعله هذا المقوّم في القراءة، ثمّ الرؤية التي يُقرأ حاملا لها في الأدب أو في الإنسان (الكيان) أو فيهما معا. واشترط على نفسك في مقوّم واحد على الأقلّ أن تذكر له نتيجتين مسنودتين مختلفتين لا نتيجة واحدة. والموضوع يطلب التوسّع لا المناقشة؛ فإن أبديت رأيا فليكن في حدود الفعل «حمل»: ما الذي يحمله الشكل بشاهد، وما الذي يُقرأ فيه ويُنسب إلى قارئه، وما الذي تضيفه مسألة الأصالة والمعاصرة إذا قُرئت جدلا داخل المقوّم الواحد لا قائمتين متجاورتين. اجعل الخاتمة أفقا لا تكرارا.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
التمهيد والتنزيل والطرح الإشكالي (AR-MAQAL-01):
يُمهَّد بفكرة وثيقة الصلة بالموضوع، من قبيل ما يقترحه إصلاح الدورة الرئيسية 2022: منزلة «حدّث أبو هريرة قال...» من اتّجاهات الرواية العربية الحديثة، أو اهتمام المسعدي في مؤلّفاته بالتفكير في قضايا الإنسان والأدب. ثمّ يُنزَّل الموضوع بلفظه أو بمعناه: المقوّمات الروائية في الأثر حاملةٌ لرؤية الكاتب للأدب وللإنسان. الإشكال: ما المقوّمات التي تقوم عليها الكتابة في هذا الأثر، وبأيّ شواهد تُثبت؟ وكيف «يحمل» شكلٌ رؤيةً: هل يحملها بما يفعله في القراءة، أم بما يقرؤه فيه القارئ، أم بما يُنقل عن الكاتب من قول؟ وهل يحمل المقوّم الواحد رؤية واحدة أم يسمح بأكثر منها؟
ضبط مراكز الاهتمام (AR-MAQAL-02):
مراكز اهتمام الموضوع كما يضبطها إصلاح 2022 اثنان: (1) المقوّمات الروائية الحاملة لرؤية المسعدي للأدب وللإنسان، في مستوى الخطاب (العتبات، اللغة والأسلوب، نظام الحديث، الرؤية، نظام السرد) وفي مستوى الخبر (الأحداث، الشخصيات، الإطار). (2) رؤية المسعدي للأدب وللإنسان كما عبّرت عنها هذه المقوّمات. ويُضاف شرط منهجيّ يحكم المركزين: لكلّ مقوّم ثلاث طبقات تُفصل بلفظها، ما يفعله المقوّم في نصّ مطبوع، وما يقرؤه فيه الإصلاح أو النقّاد، وما يُنقل عن الكاتب قولا؛ ولا تُنقل طبقة إلى أخرى بلا قرينة.
تحليل الأطروحة بالشواهد (AR-MAQAL-03):
خريطة الإصلاح للمقوّمات: يرتّب إصلاح 2022 مقوّمات الكتابة في مستويين. في مستوى الخطاب: العتبات (عنوان الرواية وعناوين الأحاديث، والإهداء، والتمهيد الذي خصّ به الكاتب القارئ، والتصدير الخارجيّ وتصديرات الأحاديث)، ويقرأ فيها هيمنة هاجسين جماليّين هما التأصيل والتحديث؛ واللغة والأسلوب (إفادة من النصّ القرآني تضمينا ومحاكاة، وتوظيف نصّ شعريّ، واستلهام النصوص السردية التراثية من مقامات وأخبار وأحاديث ونوادر، واستثمار معجم فلسفيّ غربيّ)، ويستخلص منها لغة واحدة لكلّ الشخصيات والرواة تتّسم بالشعرية والفصاحة والمتانة، وأسلوبا في القصّ فيه ما يذكّر بطرائق الناثرين القدامى وما يختلف عنها في آن؛ ونظام الحديث (ثنائية السند والمتن استحضارا لبنية الأحاديث والأخبار، ومتن متشعّب: قصّة داخل قصّة ودائرة في دائرة أوسع)؛ والرؤية (تعديد الرواة، وتعدّد أنواعهم من راوٍ غريب عن الحكاية إلى راوٍ مشارك في الأحداث، وتنوّع زوايا النظر)؛ ونظام السرد (بنية متقطّعة لا تخضع أحيانا لمنطق التتابع الزمني أو التسلسل السببي، وسرد غير خطّيّ، وحبكة فكرية لا حدثية). وفي مستوى الخبر: أفعال مادية محدودة وأفعال فكرية متنوّعة، وتسمية تراثية معتّقة يجعلها الإصلاح تأصيلا مزدوجا للأدب (الرواية) والإنسان (الكيان)، ورمزية الشخصيات، وإطار مكانيّ وزمانيّ. وهذه خريطة تُنسب إلى الإصلاح؛ ولا يقوم المقال بخريطة بل بمقوّم يُقرأ في لفظه، وبما يفعله، وبما يُقرأ فيه.
المقوّم الأوّل، صيغة السند والمتن، في حديث مطبوع: يفتتح «حديث التعارف في الخمر»، كما طُبع في الموضوع الثالث من الدورة الرئيسية 2021، بسند «حدثت ريحانة قالت:» ثمّ يبدأ المتن «كنت في مكة». وما يفعله هذا المقوّم في القراءة شيئان مسنودان معا. الأوّل أنّه يُسند الخبر إلى شخصية تشارك فيه، فلا يبلغ القارئ إلا ما بلغها: الضيف «رجل لم أكن أعرفه»، واسمه يصلها من امرأة الحيّ («نزل بنا الليلة أبو هريرة»)، وحاله تصفها ممّا ترى («فرأيته سكران»). والثاني أنّه يضع الحكاية في صيغة الخبر المرويّ بإسناده، وهي الصيغة التي يقرأ فيها الإصلاح استحضار بنية الأحاديث والأخبار. ومن هذين الفعلين تُقرأ رؤيتان لا رؤية واحدة: في الأدب، تأصيلٌ يجعل الشكل القديم قالبا لحكاية جديدة، وهو ما يسمّيه الإصلاح؛ وفي الإنسان، أنّ الحكاية الواحدة، أي مسيرة البطل، تُروى على ألسنة رواة متعدّدين فلا يملك أحد منهم روايتها كاملة، وهو ما يقرؤه الإصلاح قولا للتعدّد في الإنسان. فالمقوّم الواحد يحمل هنا رؤيتين مسنودتين، وليس في النصّ ولا في الإصلاح ما يحصره في إحداهما.
المقوّم الثاني، اللغة الواحدة: تروي ريحانة، وهي بحسب شرح الورقة سبيّة نشأت في حيّ الأنمار، وبحسب متن الحديث صاحبة حانوت بمكة، بالعبارة نفسها التي يتكلّم بها الجميع: «فلاح لي وراء جبل دخان كلا دخان»، «فقمت كالوالهة فسعيت». فالواقعة النصية أنّ اللغة لا تتغيّر بتغيّر مقام المتكلّم؛ ويصوغ الإصلاح ذلك: لغة واحدة لكلّ الشخصيات والرواة. وما يُقرأ في هذه الواقعة أكثر من نتيجة: يقرأ الإصلاح فيها تطويع الأشكال التراثية والغربية والأساليب القديمة والحديثة لمعالجة قضايا الإنسان المعاصر، أي رؤية في الأدب هي الأصالة؛ ويصحّ أن يُقرأ فيها أيضا أنّ الشخصيات لا تتمايز بكلامها بل بما تفعله وبما تعلمه، فيصير تعدّد الرواة تعدّدَ زوايا لا تعدّدَ لهجات، وهي رؤية في الإنسان. أمّا القول إنّ لغة يومية كانت ستنزل بالمغامرة إلى مستوى الحادثة فحكم على نصّ غير موجود، لا يقوله الإصلاح ولا يسنده الأثر.
المقوّم الثالث، نظام السرد: داخل حديث التعارف يتّصل السرد بأدوات ترتيب صريحة (فلمّا، الفاء، ثمّ): «فلما كنت في بعض ليالي هدني أرق. فخرجت أريد المدينة. فسرت راجلة حتى ذهب بعض يومي». ويصف الإصلاح بنية الأثر كلّه بأنّها متقطّعة لا تخضع أحيانا لمنطق التتابع الزمني أو التسلسل السببي، وأنّ السرد غير خطّيّ (السبق والرجع)، وأنّ الحبكة فكرية لا حدثية وهي أنسب للأدب الذهني كما فهمه المسعدي. فالحديث الواحد متّصل الترتيب، والقول بالتقطّع قول في علاقة الأحاديث بعضها ببعض يُنسب إلى الإصلاح ولا يُثبته حديث واحد ولا ينفيه؛ والرؤية التي تُقرأ هنا رؤية في الأدب: أدبٌ ذهنيّ، وهذه عبارة الإصلاح في تسمية فهم الكاتب، لا عبارة في الأثر.
الرؤية كما يعرضها الإصلاح: يستخلص إصلاح 2022 رؤية للأدب على ثلاثة أركان: الأدب حرّية (شكل فنيّ طريف منغرس في تربة القديم آخذ بناصية الحديث في غير التزام بقالب أو نموذج)، والأدب أصالة (إيمان الكاتب بقدرة الأشكال التراثية المحيّنة على التعبير عن قضايا الإنسان المعاصرة؛ وينقل الإصلاح عن المسعدي قولا معناه أنّه لا يرى أطرف من «جدّة القديم»)، والأدب التزام (ينقل عنه أنّ الالتزام في الأدب التزامٌ بجوهريّ الشؤون وانصرافٌ عن بهرج اللفظ والصنعة، وأنّ الأدب رسالة الإنسان إلى الإنسان، وأنّ الأدب مأساة). ورؤية للإنسان تُقرأ في شخصية البطل: الحرّ المسؤول، والفاعل القويّ، والمتعدّد جسدا وروحا وعددا وعقلا، المؤمن الراكن ثمّ القلق الحائر ثمّ الباحث عن الحقيقة. وهذه الأقوال المنسوبة إلى الكاتب ينقلها الإصلاح عن كتاباته؛ وهذا التمرين ينقل معناها منسوبا إلى الإصلاح ولا يُثبت لفظها، لأنّ الذي في هذا التمرين نصّ الإصلاح لا نصوص الكاتب. أمّا رؤية الإنسان فتُقرأ في الشخصية، ويصف الإصلاح البطل بأنّه «الأنا الثانية للمسعدي»، وهو وصف يُعرض منسوبا: ما يفعله أبو هريرة معطى نصيّ، وما يراه الكاتب في الإنسان دعوى تحتاج إلى قوله هو.
النقاش وإبداء الرأي (AR-MAQAL-04):
يطلب الموضوع التوسّع لا المناقشة، ولا يفرد إصلاح 2022 بابا لإبداء الرأي؛ وإنّما يختم بموقفٍ (أنّ رؤية المسعدي الفكرية وجّهت مآلات تجارب البطل، تجربة الجماعة مثالا) وبأفقٍ يبقيه سؤالا: رمزية الرواية الذهنية ومدى وضوح رؤية الأديب فيها. فالرأي الذي يسمح به الموضوع يقع في حدود الفعل «حمل»، ويأخذ صورة التنسيب. الشكل يحمل الرؤية حين تتوفّر ثلاثة شروط: مقوّم مطبوع يُثبت أثره في القراءة، وقراءة تُنسب إلى صاحبها، ورؤية للكاتب تُسند إلى قول منقول عنه أو تُكتب استنتاجا مسمّى. ولا يحملها حين يُحوَّل الفعل إلى «يوجب»: فعبارة الإصلاح في نظام الحديث أنّ تشعّب البنى يناسب تشعّب قضية الإنسان في تعدّده، والمناسبة غير الضرورة؛ فتعدّد الرواة يناسب القول إنّ الإنسان لا يُدرَك من موقع واحد، لكنّ راويا واحدا يستطيع أن يقول ذلك، ورواةً كثيرين يستطيعون أن يقولوا غيره، والذي يحسم هو ما يُقرأ في النصّ لا عدد الرواة. ومن هنا يُنسَّب أيضا ما يُقال في الأصالة والمعاصرة: يقرّر إصلاح 2022 في تأليفه أنّ رؤية المسعدي للأدب وللإنسان في روايته لا تقوم على تجاور التجذير والتحديث أو تعاقبهما، بل هي مشيدة على جدلهما وتدافعهما، ومن هنا الحيرة والتردّد. فالمقال الذي يعدّ عنصرين من القديم وعنصرين من الحديث يخالف الإصلاح الذي يستشهد به؛ والأوجه أن يُقرأ الجدل في المقوّم الواحد: سندٌ صيغته صيغة الأخبار القديمة، والخبر الذي يفتتحه خبر امرأة تروي عن نفسها أقداحا شربتها ومأدبةً وجسدا يُحمل؛ فالقديم والحديث هنا في الصيغة ومحمولها معا، لا في قائمتين. وتحكم النقاش قاعدتان. الأولى: الشخصية غير الكاتب، فما يفعله أبو هريرة أو تحكيه ريحانة معطى نصيّ، وما «يراه المسعدي» في الإنسان قول يُنقل عنه بمصدره أو قراءة تُنسب إلى قارئها. الثانية: صعوبة الأثر أو طرافته ليست دليلا على قصد؛ يقول الإصلاح إنّ الرواية تجربة طريفة شكلا وجريئة مضمونا في مساءلة الإنسان عن وجوده ودوره في الكون، وهذا حكم على الأثر، لا على نيّة كاتبه.
التأليف (AR-MAQAL-05):
يتبيّن أنّ مقوّمات الكتابة في الأثر تحمل الرؤية بقدر ما يُثبت لها من أثر في نصّ مطبوع، وأنّ المقوّم الواحد يحمل أكثر من نتيجة مسنودة، وأنّ الانتقال من الشكل إلى رؤية الكاتب يمرّ بقول منقول عنه أو بقراءة مسمّاة. ويؤلّف إصلاح 2022 ذلك في عبارة «مشروع فكريّ أُفرغ في رؤية فنية»، وهي صيغة مركبة تجمع الشكل بالمعنى وتصلح مذهبا للمقال إذا نُسبت. ويبقى أفقٌ يفتحه الإصلاح نفسه حين يجعل مدى وضوح رؤية الأديب في روايته سؤالا لا حكما: إذا كان المقوّم الواحد يسمح بقراءتين، فهل الرؤية في الشكل أم في القراءة التي تجعل قراءاته تأتلف؟ وماذا يبقى من «الأصالة» إذا قُرئ السند القديم بما يحمله من خبر جديد، لا بصيغته وحدها؟