مقال أدبي — على منوال الموضوع الأوّل لدورة المراقبة 2023 (آداب)، بصيغة معادة
الموضوع الأوّل: مقال أدبي (20 نقطة) — صيغة معادة لموضوع دورة المراقبة 2023 (آداب)، تحفظ حصره ومطلوبه:
«لم يُنوِّع أبو العلاء المعرّي الرواةَ في قسم الرحلة من «رسالة الغفران» إلّا ليُثير بأصواتهم قضايا الدين والأدب.»
المطلوب: ما رأيك؟ حرّر مقالا أدبيّا متماسك البناء (مقدّمة، جوهر، خاتمة) معتمدا شواهد دقيقة من قسم الرحلة.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: «ما رأيك؟» صيغة «موضوع إبداء الرأي» في جدول الإصلاح الرسميّ (مراقبة 2018)، وتوزيع نقاطه غير توزيع الموضوع التحليليّ: المقدّمة 3 (تمهيد 1، تنزيل الموضوع 1، ضبط محاور الاهتمام 1)، الجوهر 10 (مدخل تحليليّ يساير الأطروحة 2، تقويم بالدحض أو التعديل 6، تأليف 2)، الخاتمة 2 (إجمال 1، موقف 0.5، أفق 0.5)، اللغة 5. فثقل المقال في التقويم لا في شرح الأطروحة.
تفكيك الموضوع قبل التحرير
- المجال: قسم الرحلة من «رسالة الغفران» وحده؛ لا القسم الثاني الذي يردّ فيه المعرّي على رسالة ابن القارح، ولا سيرة الكاتب.
- المكوّن الفنّيّ: تنويع الرواة: راوٍ خارجيّ يسرد عن ابن القارح بضمير الغائب ويتدخّل بالدعاء والتعليق، وابن القارح حين يروي بضمير المتكلّم ما جرى له يوم الحشر، وشخصيّات تروي كيف غُفر لها أو تروي خبرا قديما.
- التركيب: حصر («لم… إلّا») يقصر وظيفة هذا التنويع على غاية واحدة مزدوجة: إثارة القضايا الدينيّة والأدبيّة. والحصر هو موضع النقاش.
- المطلوب: مسايرة محدودة لما يصحّ، ثمّ تعديل يبيّن ما يقصيه الحصر من وظائف؛ لا دحض كامل، ولا توسّع يسلّم بالأطروحة.
المقدّمة (3 ن) — تمهيد يمهّد للمجال دون حكم، ثمّ تنزيل للأطروحة بلفظها أو بمعناها، ثمّ طرح إشكاليّ يعلن مراكز اهتمام الجوهر: وجوه صحّة الأطروحة، ثمّ الوظائف التي يقصيها الحصر. مقدّمة ممكنة:
«لم يكتب أبو العلاء المعرّي رحلته إلى العالم الآخر بصوت واحد، بل وزّع الكلام على راوٍ يحكي عن بطله ويدعو له، وعلى بطل يروي ماضيه، وعلى شعراء وجنّ وقيان يروون أخبارهم. ويرى بعض الدارسين أنّ هذا التنويع لم يكن له من غاية إلّا إثارة قضايا الدين والأدب. فهل تنحصر وظيفة تعدّد الرواة في هذه الإثارة، أم أنّ الأصوات المتعدّدة تبني القصّة وتصنع السخرية وتدرّب القارئ على الموازنة بين الروايات؟ ذلك ما نتناوله بالنظر في وجوه صحّة الأطروحة، ثمّ في الوظائف التي يقصيها حصرها.»
مدخل تحليليّ: مسايرة الأطروحة (2 ن) — الفكرة: نثبت ما يصحّ من الأطروحة بشواهد: كلّ صنف من الرواة يثير فعلا قضايا دينيّة أو أدبيّة.
- الراوي الخارجيّ: يؤطّر النعيم بخطاب دينيّ، كقوله بعد أن تنشأ السحابة التي اشتهاها ابن القارح: «فعزّ إلهنا القديم الذي لا يعجزه تصوير الأماني وتكوين الهواجس من الظنون»؛ فتنفتح مسألة قدرة الله وطبيعة النعيم.
- ابن القارح راويا: حكايته عن الحشر مسرح لقضايا التوبة والشفاعة والإذن: يروي أنّ رضوان ردّه بقوله «أتأمل أن آذن لك بغير إذن من رب العزة؟ هيهات هيهات!»، ويروي كيف ضاع منه الكتاب الذي فيه توبته.
- الشخصيّات الراوية: يسألها ابن القارح بمَ غُفر لها، فتثير أجوبتها قضيّة معايير الغفران: يقول الحطيئة عن بيته في جزاء الخير «سبقني إلى معناه الصالحون، ونظمته ولم أعمل به، فحرمت الأجر عليه». ويثير آخرون قضايا الأدب: الجنّيّ يطعن في ما جمعه المرزبانيّ من شعر الجنّ («إنما ذلك هذيان لا معتمد عليه»)، والقينة أمّ عمرو تشهد بأنّ بيتين يُعرفان لعمرو بن كلثوم قالهما عمرو بن عديّ.
فالأطروحة تصيب في أمر أساسيّ: تعدّد الرواة يجعل كلّ لقاء فرصة لسؤال دينيّ أو أدبيّ.
التقويم: تعديل الأطروحة (6 ن) — الفكرة: لا ننفي الوظيفة المذكورة، بل نبيّن أنّ الحصر يقصي وظائف أخرى تؤدّيها الأصوات نفسها، ونثبت كلّ وظيفة بشاهد.
أ) وظيفة قصصيّة بنائيّة: تعدّد الرواة هو ما يجعل الرحلة تتوالد حكايات: سؤال «بمَ غُفر لك؟» يفتح في كلّ مرّة قصّة مضمَّنة بزمنها وأطرها. وحين يروي ابن القارح ماضيه لا يكتفي بإثارة مسألة، بل يفسّر حدثا: «وشغلت بخطابهم والنظر في حويرهم، فسقط مني الكتاب الذي فيه التوبة». الخصومة الأدبيّة هنا سبب في الحبكة، والرجوع إلى الماضي يفسّر نقصا يعانيه البطل في حاضر الحكاية.
ب) وظيفة هزليّة ساخرة: الراوي المتكلّم يفضح نفسه وهو يحكي: «زينتْ لي النفس الكاذبة أن أنظم أبياتًا في رضوان خازن الجنان»، ثمّ «فقلت لنفسي الكذوب». الضحك يولد من أنّ البطل يروي حيلته وفشلها بلسانه. وتصنع القينة مشهدا مسرحيّا حين تسأل «أتدرون من أنا؟» فيجيب الجمع «لا والله المحمود!» قبل أن تكشف هويّتها.
ج) وظيفة نقديّة اجتماعيّة: يكشف تبرير ابن القارح أمام رضوان عادة التكسّب بالشعر: «وكان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات، فجئتُ بشيء منه إليك لعلك تأذن لي بالدخول». الموضوع هنا سلوك اجتماعيّ، التزلّف لذوي الجاه، أكثر منه قضيّة دينيّة أو أدبيّة مجرّدة.
د) وظيفة عقليّة: تعدّد الروايات يدعو القارئ إلى الموازنة لا إلى التسليم. فبعد خبري زهير وعبيد يقول الراوي: «فإذا سمع الشيخ ما قال ذانك الرجلان طمع في سلامة كثير من أصناف الشعراء»: الطمع غير اليقين، والكثير غير الكلّ. والجنّيّ الذي يطعن في رواية البشر يتباهى بأنّ لقومه «آلاف أوزان ما سمع بها الإنس»، فلا يصير هو نفسه مصدرا لا يُسأل. وحتّى الشاهدة أمّ عمرو تنتهي إلى ترجيح لا إلى جزم: «فلعلّ عمرو بن كلثوم حسّن بهما كلامه». فتعدّد الأصوات يعلّم نسبيّة الرواية، وذلك موقف عقليّ لا مجرّد إثارة لقضيّة.
هـ) وظيفة جماليّة: لكلّ راوٍ لغته: دعاء الراوي الخارجيّ وتسبيحه، واعتراف ابن القارح، وتفاخر الجنّيّ، وحكاية القينة؛ فتعدّد الأصوات تعدّد في الأساليب يمنح النصّ حيويّة ومتعة، ويسمح للكاتب بأن يتوارى خلف شخصيّاته فلا يُنسب إليه كلّ ما تقوله.
فالحصر قاصر: القضايا الدينيّة والأدبيّة حاضرة، لكنّها لا تنفصل عن بناء الحكاية والسخرية ونقد السلوك وتربية الحسّ النقديّ لدى القارئ.
التأليف (2 ن): ليست الوظائف المذكورة بدائل للوظيفة التي تقرّها الأطروحة، بل هي شرطها: فالقضايا الدينيّة والأدبيّة لا تُثار في الرحلة مجرّدة، وإنّما تمرّ عبر حكايات تتوالد ورواة يضحكون ويُضحك منهم، وتصل إلى القارئ روايات متقابلة عليه أن يزنها. فتنويع الرواة طريقة المعرّي في التفكير قصّةً: يعرض المسألة بأصوات كثيرة، ويترك الحكم لمن يقرأ.
الخاتمة (2 ن): إجمال ثمّ موقف ثمّ أفق. خاتمة ممكنة:
«هكذا يتّضح أنّ الرواة في رحلة الغفران يثيرون قضايا الدين والأدب، لكنّهم يبنون الحكاية ويصنعون السخرية ويعلّمون القارئ الموازنة في الآن نفسه. وأرى أنّ قيمة هذا التنويع في أنّه يجعل الحكم ثمرة مقارنة الأصوات لا كلمة يلقيها الكاتب. فهل كان هذا التعدّد وسيلة المعرّي ليقول في زمنه ما لا يستطيع أن يقوله بصوته هو؟»
اللغة (5 ن): سلامة اللغة، وتماسك الأقسام بأدوات ربط واضحة (غير أنّ، في المقابل، وعليه، وهكذا)، ونسبة كلّ شاهد إلى قائله في الرحلة: كلام الشخصيّة ليس بالضرورة موقف الكاتب.