مقال — التغريب بين الآلية الفنية والموقف من الواقع
السؤال:
«ليس التغريب في «مغامرة رأس المملوك جابر» مجرّد رؤية فنية قائمة على آليات متنوّعة، بل هو إلى ذلك رؤية فكرية عمادها موقف من الواقع.»
المطلوب:
توسّع في هذا الرأي في مقال أدبي متماسك (مقدّمة وجوهر وخاتمة) معتمدا شواهد دقيقة من مسرحية سعد الله ونوس:
- اضبط آليات التغريب انطلاقا من مواضع محدّدة في المسرحية (إسناد أدوار عدّة إلى الممثّل الواحد، تحوّل وظيفة السيّاف، قيام زمرّد والرجل الرابع من بين الموتى، تضمين حكاية بغداد في حكاية المقهى، إعلان الحكواتي الاستراحة)، وبيّن في كلّ موضع ما الذي يُباعد بين الممثّل والدور أو بين المتفرج والمعروض على الخشبة.
- بيّن الموقف من الواقع الذي تحمله هذه الآليات، مميّزا بين ما يُعرض على الخشبة وما يُنسب إلى الكاتب.
- ناقش القول بأنّ التغريب «يمنع الانفعال» معتمدا على مواضع من المسرحية تشدّ المتفرج (البناء المأسوي، قطع رأس جابر)، ثمّ ألّف بين ذلك في حكم مركّب لا يعيد الأطروحة.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
التمهيد والتنزيل والطرح الإشكالي (AR-MAQAL-01):
يُمهَّد بما يقرّره إصلاح دورة المراقبة 2016: أنّ ونوس استعمل التغريب، مثله مثل برشت، وسيلة لمناقشة القضايا السياسية والاجتماعية، وعدل به عن مسرح عربيّ كادت مواضيعه في ذلك العصر تنحصر في التهريج والإضحاك. ويُنزَّل الموضوع في «مغامرة رأس المملوك جابر»، حيث تُعرض حكاية بغداد داخل مقهى يحكيها الحكواتي لزبائنه. والطرح الإشكالي: إذا كانت آليات التغريب تُباعد بين الممثّل والدور وبين المتفرج والمعروض، فما الموقف من الواقع الذي تُفضي إليه هذه المباعدة؟ وهل تكفي المسافة لتُلغي الانفعال، أم إنّ المسرحية تُبقي على الاثنين معا؟
ضبط مراكز الاهتمام (AR-MAQAL-02):
(1) آليات التغريب في مواضع مسمّاة من المسرحية، وما تُحدثه من مباعدة بين الممثّل والدور وبين المتفرج والمعروض. (2) الموقف من الواقع الذي يقرؤه الإصلاح في هذه الآليات. (3) حدود القول بمنع الانفعال، كما يسجّلها الإصلاح نفسه.
تحليل الأطروحة بالشواهد (AR-MAQAL-03):
المستوى الأوّل هو مباعدة الممثّل عن الدور، ويستشهد له إصلاح 2016 بثلاثة مواضع يسمّيها. أوّلها إسناد أدوار عدّة إلى الممثّل الواحد: فالممثّلان اللذان أدّيا دوري الوزير ومعينه هما نفساهما اللذان أدّيا دوري الخليفة وشقيقه، ثمّ دوري ملك العجم وابنه؛ ويقرأ الإصلاح في ذلك رفعا عن المتفرج لـ«غشاوة الدمج» بين الممثّل شخصا مستقلّا والشخصية التي يتقمّص قناعها. وثانيها تحوّل وظيفة السيّاف لهب من جلّاد لا يعرف الكلام ولا يختصّ إلا بتنفيذ الأوامر إلى معلّق على الأحداث بأسلوب شاعريّ وحامل لجزء من درس المسرحية؛ فالدور الواحد يُؤدّى على غير المعهود. وثالثها قيام الرجل الرابع وزمرّد من بين الموتى في آخر المسرحية وانضمامهما إلى الحكواتي، ويعلّق الإصلاح: قيام الشخصية من الموت يعني أنّ الدور هو الذي مات وليس الممثّل. فتغريب الشخصية، بعبارة الإصلاح، ألّا تتحوّل الشخصية إلى غاية في ذاتها بل تبقى وسيلة لفهم الواقع.
والمستوى الثاني هو المسافة بين المتفرج والمعروض، وشواهده من بناء العرض: تضمين حكاية الخليفة والوزير وأهل بغداد داخل حكاية الزبائن في المقهى، والحكواتي واسطة بين الحاضر والماضي؛ ويقرأ الإصلاح في العودة إلى الماضي والتاريخ تقنية تغريب لأنّها تسمح للمتفرج بأن يتّخذ مسافة بين ما يُعرض أمامه فتمنعه من الانفعال العاطفي وتمكّنه من التفكير. ومنها إعلان الاستراحة، وهو موضع مثبت بلفظه في نصّ المسرحية كما طُبع في سند دورة المراقبة 2015: «الحكواتي: وهنا نستأذن المستمعين الأكارم باستراحة قصيرة نشرب فيها فنجانا من الشاي». والمخاطَبون بلفظ النصّ هم «المستمعون» داخل المقهى، أي الزبائن الممثَّلون؛ أمّا أثر الإعلان في جمهور القاعة فهو ما تقصده الآلية بحسب الإصلاح، لا ما يقيسه النصّ.
أمّا الموقف من الواقع فيقرؤه الإصلاح في ما تجعله هذه الآليات مرئيّا: قضايا سياسية كالصراع على السلطة وتوتّر العلاقة بين الراعي والرعيّة ودور الحاشية والاستقواء بالأجنبي، وقضايا اجتماعية كإدانة السلبية والخنوع والصمت عند الزبائن وأهل بغداد، وتراجع دور المثقّف في شخصية الرجل الرابع، وإدانة الانتهازية والطمع والخيانة في شخصية جابر. ويعدّ الإصلاح الزبائن أنفسهم أقنعة لتشخيص أدوار، فاقدة للهوية، صورة لمجتمع مهمّش. فالموقف يُستخرج من الأدوار والأقنعة المعروضة على الخشبة، وينسبه الإصلاح إلى مشروع ونوس في مسرح التسييس؛ وليس في هذه الشواهد تصريح من الكاتب ولا ردّ فعل مقيس لدى المشاهدين.
النقاش وإبداء الرأي (AR-MAQAL-04):
القول بأنّ التغريب «يمنع الانفعال» يصف ما تقصده الآلية، لا ما يثبت وقوعه. وإصلاح 2016 نفسه يسجّل حدود ذلك في قسم التقويم: فالبنية الحدثية للمسرحية تشبه إلى حدّ بعيد البناء المأسوي في خمس حركات، وكارثتها قطع رأس جابر، وهي بعبارته نهاية مفاجئة للجمهور تفوح منها رائحة الدماء وتبعث على الرعب؛ ويقرّر أنّ حضور الوظيفة التأثيرية يحدّ من التغريب في المسرحية، ويذكر إقرار ونوس بمحدودية تجربة مسرح التسييس. ويبيّن الإصلاح في الوقت نفسه أنّ قطع حبل التعاطف مقصود: في المأساة يشفق المتفرج على البطل ويتعاطف معه، وللحيلولة دون ذلك عمد ونوس إلى إسناد أكثر من دور للممثّل الواحد وإلغاء الستار وتغيير الديكور على مرأى من المتفرجين. فالتنسيب الصحيح ليس أنّ التغريب فشل، ولا أنّه نجح، بل أنّ المسرحية تبني الوظيفتين معا: مواضع تُباعد (تعدّد الأدوار، قيام الموتى، الاستراحة) ومواضع تشدّ (قطع الرأس، دمار بغداد)؛ على أنّ الإصلاح نفسه يدرج تجسيد المشاهد العنيفة على مرأى من الجمهور ومسمعه ضمن تقنيات التغريب، فالموضع الواحد قد يُقرأ في الوجهين ولا يُحسم بجدول من خانتين. وما يفعله المتفرج الحقيقيّ في القاعة بين هاتين الوظيفتين لا يقرّره النصّ ولا الإصلاح؛ فالحكم يقف عند ما بُني في العرض.
التأليف (AR-MAQAL-05):
يتركّب من ذلك حكم مركّب: الوجه الفنّي للتغريب (مباعدة الممثّل عن الدور، وتضمين الحكاية، وقطع الحكي) والوجه الفكريّ (كشف علاقة الحاكم بالمحكوم وسلبية الزبائن وأهل بغداد) وجهان لاختيار واحد، لكنّهما يعملان إلى جانب بناء مأسويّ يشدّ ولا يُبعد. ومن هنا يُفتح أفق آخر: إذا كانت المسافة لا تُلغي الانفعال بل تجاوره، فهل يكون الانفعال المؤطَّر بالمسافة طريقا إلى الموقف لا عائقا دونه؟ سؤال تجيب عنه مواضع أخرى من المسرحية، لا هذا المقال.