مقال — مقوّمات الفرجة سبيلا إلى توعية الجمهور
السؤال:
«حرص ونوس على تنويع مقوّمات الفرجة في مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر»، وجعله سبيلا إلى توعية الجمهور بقضايا واقعه.»
المطلوب:
حلّل هذا القول وأبد رأيك فيه في مقال أدبي متماسك معتمدا شواهد دقيقة ممّا درست:
- اضبط مظاهر تنويع مقوّمات الفرجة انطلاقا من مواضع محدّدة في المسرحية (تناوب حكي الحكواتي والتمثيل على الركح، توزّع الفضاءات بين الخشبة والصالة، الحركة الإيمائية في حلق الرأس وقطعه، حوار الحكواتي والزبائن بالعامّية وحوار أهل بغداد بالفصيح).
- بيّن ما الذي جُعلت هذه المقوّمات سبيلا إليه من توعية الجمهور بقضايا واقعه، وحدّد في كلّ شاهد تسوقه من المسرحية من يبلغه هذا الأثر: الزبائن الممثَّلون على خشبة المقهى، أم المتفرّجون في القاعة، أم جمهور غير معيّن يشملهما.
- قوّم القول: ما الذي يحدّ من دور الفرجة في بناء الوعي، وما الفرق بين وظيفة مقصودة وأثر متحقّق؟ ثمّ ألّف بين ذلك في حكم مركّب يفتح أفقا ولا يعيد الأطروحة.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
التمهيد والتنزيل والطرح الإشكالي (AR-MAQAL-01):
يُمهَّد بما يقترحه إصلاح دورة المراقبة 2022 مدخلا: أهمّية مقوّمات الفرجة في المسرح، ومحورية الجمهور في مشروع ونوس المسرحي. ويُنزَّل الموضوع بلفظه: حرص ونوس في «مغامرة رأس المملوك جابر» على تنويع مقوّمات الفرجة وجعله سبيلا إلى توعية الجمهور بقضايا واقعه. والطرح الإشكالي: ما مظاهر هذا التنويع في المسرحية؟ وكيف تصير الفرجة سبيلا إلى التوعية، ومن الجمهور الذي تُوجَّه إليه: الزبائن الممثَّلون في المقهى أم المتفرّجون في القاعة؟ ثمّ هل تكفي الوسيلة لضمان أثرها؟
ضبط مراكز الاهتمام (AR-MAQAL-02):
(1) مظاهر حرص ونوس على تنويع مقوّمات الفرجة، من مواضع مسمّاة. (2) تجلّيات توعية الجمهور بقضايا واقعه كما يقرؤها الإصلاح، مع الوقوف عند من يسمّيه الإصلاح في كلّ تجلّ. (3) تنسيب القول: حدود دور الفرجة في بناء الوعي، والفرق بين الوظيفة المقصودة والأثر المتحقّق.
تحليل الأطروحة بالشواهد (AR-MAQAL-03):
أوّلا، مظاهر التنويع كما يجردها إصلاح 2022 في بنية المسرحية: التناوب بين المحكيّ في خطاب الحكواتي والمرئيّ في التمثيل على الركح، أي المسرح داخل المسرح؛ وتنويع تقنيات الحكي بكسر الخطّية والتشويق والوقف؛ وتنويع مسارات الصراع بين الحكواتي والزبائن، وبين الخليفة والوزير، وبين أهالي بغداد والحاكم؛ وتنويع الفضاءات الركحية بين الخشبة والصالة، مع حمل الممثّلين أنفسهم لقطع الديكور؛ وتنويع الإضاءة والموسيقى؛ وتنويع الحركة، من الحركة المادّية إلى الحركة النفسية إلى الحركة الإيمائية التي يذكر لها الإصلاح حلق رأس المملوك وقطع رأس جابر أمام المتفرّجين؛ وتنويع الشخصيات بين فردية وجماعية، ومتعيّنة وغير متعيّنة؛ وتنويع صيغ الحوار بين المونولوج والثنائي والجماعي، ولغته بالمزاوجة بين الفصيح في خطاب أهالي بغداد والعامّية في خطاب الزبائن. ومن نصّ المسرحية كما طُبع في سند دورة المراقبة 2015 شاهد على أوّل هذه المظاهر وآخرها: يسرد الحكواتي «وقاد الوزير مملوكه جابر حتى أجلسه على الكرسي العالي» ثمّ يتحوّل السرد إلى حوار ممثَّل بين الوزير والحلاق وجابر؛ وبعد الاستراحة يعترض الزبون الثالث بقوله: «لا بأس بهذه الحكايات.. ولكن بيني وبينك أين هي من سيرة الظاهر!»، وهو من خطاب الزبائن الذي يجعله الإصلاح موضع العامّية في مقابل الفصيح في خطاب أهالي بغداد. ويلاحظ الإصلاح أنّ ونوس تعمّد ترك «ثغرات» في النصّ تتكفّل الرؤية الإخراجية باستكمالها بحسب طبيعة الجمهور وظروف العرض، ويقرأ في ذلك تأكيدا على أهمّية الجمهور طرفا أساسيا في العرض.
ثانيا، تجلّيات التوعية كما يقرؤها الإصلاح نفسه، وفي كلّ تجلّ يُسمّى الجمهور المعنيّ. الأوّل خلق حوار بين الصالة والخشبة يتيح للجمهور بناء وعي متبصّر بالواقع؛ فالمسرح عند ونوس، بعبارة الإصلاح، حدث جماعيّ لا يكتفي فيه الجمهور بالتقبّل السلبي بل ينخرط في العرض بالتعليق والمشاركة. والتعليق والمشاركة المكتوبان في النصّ هما تعليق الزبائن الممثَّلين ومشاركتهم؛ فالنموذج معروض على الخشبة، والإصلاح يسمّي طرفي هذا الحوار: الصالة والخشبة. الثاني تخييب أفق انتظار الزبائن الذين يريدون قصّة الظاهر بيبرس، باختيار الحكواتي أمثولة المملوك جابر؛ ويقرأ الإصلاح في ذلك دفع الجمهور إلى مواجهة واقعه ورفض الهروب إلى زمن البطولات الزائفة، بحكم التماثل الذي يذكره بين زمن الحكي بعد هزيمة 1967 وزمن سقوط بغداد. الثالث دفع الجمهور إلى الربط بين الأسباب والنتائج: الاستبداد والفتن وعلاقة الحاشية بالحاكم والاستعانة بالأجنبي من جهة، والفقر والجوع وقيم الجبن والخنوع والانتهازية من جهة أخرى. الرابع بناء الوعي بأسباب الأزمة وسبل مواجهتها عبر شخصيات يعدّها الإصلاح أقنعة، كالحكواتي والرجل الرابع، وعبر الدعوة إلى البطولة الجماعية في الخطاب التعليمي المباشر الذي يختم العرض، عوضا عن الخلاص الفردي الذي تمثّله النهاية التراجيدية للمملوك جابر؛ وهذا ما يسمّيه الإصلاح مسرح التسييس.
النقاش وإبداء الرأي (AR-MAQAL-04):
يُنسَّب القول من داخل ما يسجّله الإصلاح في قسم إبداء الرأي، لا من نظرية عامّة. أوّلا، حضور الطابع التعليمي المباشر، لا سيّما في خاتمة العرض، حدّ بعبارة الإصلاح من دور الفرجة في بناء الوعي بقضايا الواقع؛ فالدرس حين يُقال مباشرة يقع خارج ما تصنعه الفرجة بوسائلها. ثانيا، نهوض مقوّمات الفرجة بدورها في دفع الجمهور إلى تأمّل واقعه لا يحجب استمرار حضور تقاليد المسرح الكلاسيكي، كالنهاية التراجيدية وانفعال الزبائن بالمآل المأساوي لجابر، ممّا قد يصرف الجمهور عن تعقّل واقعه. ثالثا، يورد الإصلاح ضمن وجوه التنسيب القول بفشل «المغامرة» في بناء وعي عقليّ وإخفاق ونوس في حمل الجمهور على الخروج من سلبيته، مستندا إلى إصرار الزبائن في خاتمة العرض على سماع قصّة الظاهر بيبرس. وهنا يلزم التدقيق في لفظ «الجمهور»: الشاهد الذي يستند إليه هذا الوجه أثر معروض على الخشبة، فالزبائن الذين ما زالوا يطلبون الظاهر شخصيات مكتوبة، وإصرارهم جزء من المسرحية لا نتيجة لها؛ أمّا المتفرّج في القاعة فالنصّ لا يروي ما فعله، والإصلاح نفسه يُرجع اكتمال العرض إلى رؤية إخراجية تتغيّر بحسب طبيعة الجمهور وظروف العرض. فالقول إنّ ونوس «جعل» الفرجة سبيلا إلى التوعية قول عن وظيفة مقصودة تُقرأ من بناء العرض، والقول إنّه أخفق في إخراج الجمهور من سلبيته قول عن أثر لا يُثبت منه النصّ إلا ما عُرض على الخشبة. وليس في هذا التنسيب تعارض بين الفرجة والتوعية: فالإصلاح يقرّر أنّ الالتزام ببناء الوعي بقضايا الواقع في المسرحية لا يتعارض مع مقتضيات الفرجة والإمتاع، والمقوّم الواحد قد يُمتع ويوعّي معا.
التأليف (AR-MAQAL-05):
يتركّب ممّا سبق حكم يقرّ بالتناسب الذي يسجّله الإصلاح بين مقوّمات الفرجة في المسرحية ومقاصد توظيفها في مسرح التسييس، ويقيّده بحدّين: أنّ الوسيلة تُقرأ من البناء، وأنّ الأثر لا يُقرأ من النصّ إلا على الزبائن الممثَّلين. ويختم الإصلاح بموقف يتجاوز النصّ إلى المتقبّل: أنّ غياب الشروط الثقافية والاجتماعية لدى الجمهور حال دون تفاعله مع خطاب مسرح التسييس؛ وهو حكم على جمهور حقيقيّ لا تحمله المسرحية وحدها. ومن هنا يُفتح الأفق الذي يقترحه الإصلاح نفسه: هل يقدر مشروع ونوس المسرحي على خلق جمالية تقبّل جديدة، وبأيّ شروط في القاعة لا على الخشبة؟