مقال — اختلاف الفضاءات الركحية والتقاؤها في نقد الواقع
السؤال:
«اختلفت الفضاءات الركحية في «مغامرة رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس غير أنّها التقت في نقد الواقع وبناء الوعي بتغييره.»
المطلوب:
حلّل هذا الرأي وأبد موقفك منه في مقال أدبي متماسك معتمدا شواهد دقيقة ممّا درست:
- اضبط الفضاءين الركحيين الكبيرين في المسرحية، فضاء المقهى الذي يحكي فيه الحكواتي لزبائنه، وفضاء بغداد الذي تجري فيه الحكاية المحكيّة، وقارن بينهما بثلاثة معايير مستقلّة: موقع كلّ منهما من الحكاية (إطار يُحكى فيه أم حكاية تُحكى)، وطبيعة أمكنته وأثاثه (مكان واحد ثابت أم أمكنة متعدّدة متغيّرة؛ مكان مغلق يُمثَّل على الخشبة أم مكان منفتح يُكتفى فيه بالحكي)، ونمط تقديم أحداثه (كلام وطلب حكي وتعليق، أم فعل يُروى على لسان الحكواتي حينا ويُمثَّل حوارا بإشارات ركحية حينا آخر). واحذر أن تجعل السرد كلّه في المقهى والحوار كلّه في بغداد.
- بيّن كيف يلتقي الفضاءان في نقد الواقع وبناء الوعي بتغييره انطلاقا من مواضع محدّدة: ما يقوله أهل بغداد وجابر عن السلطة والفقر والانتهازية، وإصرار الحكواتي على حكاية جابر ورفضه سيرة الظاهر، وتدخّل الزبائن تعليقا على ما يجري في بغداد، وخطاب الحكواتي التعليمي في الخاتمة، وعبور الشخصيات بين الركحين في اللوحات الأخيرة. وميّز في كلّ موضع بين ما هو نقد للواقع وما هو بناء للوعي بتغييره.
- قوّم القول: هل اختلاف الفضاءات هو الأداة الوحيدة لهذه الوظيفة؟ وهل يبلغ بناء الوعي مقصده في كلّ المواضع، أم ينقلب في بعضها تلقينا لوعي جاهز؟ عيّن الموضع الذي تحكم به واستدلّ عليه من المسرحية. ثمّ ألّف بين ذلك في حكم مركّب يفتح أفقا ولا يعيد الأطروحة.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
التمهيد والتنزيل والطرح الإشكالي (AR-MAQAL-01):
يُمهَّد بما يقترحه إصلاح دورة المراقبة 2021 مدخلا: اقتران مسرح التسييس عند ونوس بتجريب أشكال مسرحية جديدة، وأهمّية الفضاءات الركحية في مسرح ونوس عامّة وفي مسرح التسييس خاصّة. ويُنزَّل الموضوع بلفظه: اختلفت الفضاءات الركحية في «مغامرة رأس المملوك جابر» غير أنّها التقت في نقد الواقع وبناء الوعي بتغييره. ويلاحظ الإصلاح أنّ المعطى جملتان تربطهما أداة الاستدراك «غير أنّ»، وأنّ العلاقة بين الحكمين تحيل على صلة المستوى الفنّي (الفضاءات الركحية) بوظيفته (نقد الواقع وبناء الوعي بالتغيير)، فيطرح هذا الوصل قضية الفصل أو الوصل بين العنصرين، ويقتضي التدقيق في تمييز نقد الواقع من بناء الوعي والتغيير. والطرح الإشكالي: بأيّ معايير يختلف الفضاءان الركحيان في المسرحية؟ وكيف يلتقي فضاءان مختلفان في وظيفة واحدة؟ وهل الاختلاف بينهما هو الذي يصنع هذه الوظيفة، أم تعضده تقنيات أخرى ويقصر عنها في بعض المواطن؟
ضبط مراكز الاهتمام (AR-MAQAL-02):
(1) اختلاف الفضاءين الركحيين بمعايير مستقلّة: موقع كلّ فضاء من الحكاية، وأمكنته وأثاثه، ونمط تقديم أحداثه وشخصياته. (2) التقاؤهما في نقد الواقع (السياسي والاجتماعي والقيمي والفكري) وفي بناء الوعي بتغييره (استفزازا وإيقاظا واستنفارا وتدريبا). (3) تنسيب القول: تنافذ الفضاءين، والتقنيات الأخرى، وانزلاق بناء الوعي إلى تلقينه.
تحليل الأطروحة بالشواهد (AR-MAQAL-03):
أوّلا، الاختلاف. يعدّد إصلاح 2021 أمكنة المسرحية (المقهى، قصر الخليفة، قصر الوزير، بيت الزوجين، أمام الفرن، قصر ملك العجم...) ثمّ يصنّفها إلى فضاءين ركحيين كبيرين يسمّيهما الفضاء الخارجي (المقهى) والفضاء الداخلي (فضاء التاريخ)؛ فالمعيار الأوّل في التصنيف هو موقع الفضاء من الحكاية: المقهى فضاء الحكي، وبغداد فضاء المحكيّ، والحكواتي بعبارة الإصلاح شخصية فاصلة واصلة بين الفضاءين المتنافذين. وعلى هذا المعيار تُبنى بقيّة الفروق. فالمقهى، كما يصفه الإصلاح، مقهى شعبيّ يحيل إلى انتماء جغرافيّ حضاريّ (الوطن العربي) وتاريخيّ (العصر الحديث) واجتماعيّ (الطبقات المسحوقة المهمّشة)؛ أثاثه واقعيّ (كراسٍ، طاولات، نرجيلة، صواني الشاي والقهوة، راديو عتيق) وثابت لا يتغيّر على امتداد المسرحية، ويقرأ الإصلاح في ثباته ثبات الواقع وسكونه؛ وبسيط خالٍ من عناصر الإبهار. وأحداثه قولية قائمة أساسا على فعل الحكي، متكرّرة (طلب الحكي، الحكي، الإنصات، التعليق)؛ وشخصياته محدودة ثابتة: الحكواتي العمّ مؤنس، والخادم، وزبائن مرقّمون بلا أسماء ولا سمات مميّزة، تتراوح علاقاتهم بين الاختلاف مع الحكواتي والائتلاف في ما بينهم. أمّا فضاء التاريخ فأمكنته مرجعية مستمدّة من الواقع التاريخي، متعدّدة (قصر الخليفة، ديوان الوزير، غرفة لهب، بيت الزوجين، شوارع بغداد، البراري، الفيافي، بلاد العجم)، وأثاثه متنوّع غير ثابت يتغيّر بتغيّر المكان (الأثاث واللباس والأدوات)؛ وأحداثه فعلية متنوّعة (صراع مسلّح، رحلة، قتل) نامية مترابطة متصاعدة؛ وشخصياته منها غير محدّدة (رجل 1، رجل 2) ومنها مسمّاة تحيل إلى مرجعية تاريخية مع تحوير في التسمية يخرجها، بعبارة الإصلاح، من فضاء الواقع التاريخي إلى فضاء المتخيّل الفنّي.
وهنا يلزم التدقيق في معيارين يُخلَط بينهما وبين موقع الحكاية. المعيار الثاني هو انفتاح المكان وانغلاقه، والإصلاح لا يجعله فرقا بين المقهى وبغداد، بل تنوّعا داخل فضاء التاريخ نفسه: فيه فضاء مغلق قابل للعرض كقصر الخليفة وديوان الوزير، وفيه فضاء منفتح غير قابل للعرض يُقدَّم بالحكي كالفيافي والبراري. وما يسمّيه الإصلاح انفتاحا في المقهى ليس انفتاح المكان، بل انفتاح الفضاء على فضاء آخر هو فضاء العرض الداخلي، أي التنافذ بين الفضاءين، ويعدّه اختيارا جماليا يتناسب مع رؤية جديدة للمسرح ووظيفته. والمعيار الثالث هو نمط التقديم: فالمقهى قوليّ، لكنّ فضاء التاريخ ليس مرويّا كلّه، ففيه ما يُمثَّل حوارا وفيه ما يُروى. ويشهد على ذلك نصّ المسرحية كما طُبع في سند دورة المراقبة 2015: يفتتح الحكواتي مشهد القصر سردا («وقاد الوزير مملوكه جابر حتى أجلسه على الكرسي العالي») ثمّ ينتقل المشهد نفسه إلى حوار ممثَّل بين الوزير والحلّاق وجابر مصحوب بإشارات ركحية («الوزير: (منفعلا) هذا الرأس له قدره عندي»)؛ ويقسّم إصلاح دورة المراقبة 2015 هذا النصّ وفق تنوّع الأركاح إلى ركح أوّل في قصر الوزير هو مشهد حلاقة رأس جابر والكتابة عليه، وركح ثانٍ هو المقهى ومواقف زبائنه، ويذكر أنّ الحوار يطوّر الحبكة بطريقتين: مصاحبة الفعل الذي يدور فوق الركح، ورواية الفعل الذي يدور بعيدا عن الركح. فالثنائية «مقهى حاضر مفتوح حواريّ / بغداد ماضية مغلقة مرويّة» تخلط المعايير الثلاثة؛ والصحيح أنّ الفضاءين يختلفان بموقعهما من الحكاية، ثمّ يتنوّع كلّ منهما في أمكنته ونمط تقديمه.
ثانيا، الالتقاء. يقرّر الإصلاح أنّ الركحين، رغم اختلافهما، التقيا في نقد الواقع وبناء الوعي بتغييره، ويفرّق بين الأمرين. فنقد الواقع يقرؤه في ما تقوله شخصيات فضاء التاريخ: تعرية الواقع السياسي (الصراع على السلطة: دسائس وفتن وتناحر وظلم الرعيّة)، وتشخيص الواقع الاجتماعي (الصراع الطبقي والفقر والجوع والخصاصة)، وكشف الواقع القيمي (الإفلاس الأخلاقي والانتهازية والوصولية)، وتشريح الواقع الفكري (استلاب الوعي والاستقالة والحياد السلبي والاستسلام للواقع)؛ ويستشهد لكلّ وجه بكلام من المسرحية ينسبه إلى أهل بغداد وإلى جابر بصفحات الكتاب المدرسي، وهو كلام لا يُنقل هنا لأنّه لا يرد في سند مطبوع محقّق في المتناول. أمّا بناء الوعي بتغييره فيقرؤه الإصلاح في آليات موزّعة على الفضاءين وعلى ما بينهما: استفزاز الوعي، إذ لا يقوم الحكواتي بوظيفة الإلهاء والتسلية بل يستفزّ وعي المتفرّج بالإصرار على سرد الحكايا الحزينة ويمتنع عن حكي قصّة الظاهر بيبرس رغم إلحاح الزبائن؛ وإيقاظه بمنع الإيهام بآليات التغريب؛ واستنفاره بخطاب الحكواتي التوجيهي التعليمي في الخاتمة؛ وبناؤه بتنافذ الأركاح وانفتاحها وجدل المساحات والمواقع المتصارعة إظهارا للمفارقات، ويذكر الإصلاح هنا انبعاث الموتى بين الأحياء وتوجيههم الخطاب إلى الجمهور مباشرة؛ وتشريح الواقع بتقطيع الأحداث وتبئيرها في ركح التاريخ تأسيسا للوعي بأزمة الراهن؛ وتعميقه بتدريب الناس على تغيير ما بأنفسهم وتخطّي عتبة الخوف، ويستشهد له بقول الرجل الرابع في ضرورة السؤال عن سبب الخلاف؛ وتدريب الجمهور على المشاركة في الشأن العامّ بتدخّل الزبائن من فضاء المقهى تعليقا على ما يجري في فضاء التاريخ، ويقرأ الإصلاح في ذلك إخراج المتفرّج من سلبيته. ويختصر الإصلاح الالتقاء في أنّ الركحين يلتقيان في جدل هدم وبناء: هدم الوعي الزائف بتشريح الواقع ونقده، وبناء وعي حقيقيّ حرّ بناءً ذاتيا بدل تلقينه. ويُلاحظ في هذه القائمة أمران: أنّ نقد الواقع يُقرأ في المقام الأوّل من كلام فضاء التاريخ نفسه لا من تعليق المقهى عليه، وأنّ الآليات التي تصل بين الفضاءين (التنافذ، والتقطيع والتبئير، والتقابل بين ثبات المقهى وتغيّر بغداد) تعمل من غير تعليق مباشر. وأمّا لفظ «المتفرّج» و«الجمهور» في هذه القراءات فلفظ الإصلاح؛ والمكتوب في النصّ تدخّل الزبائن الممثَّلين، فيُقرأ الأثر ممّا بُني في العرض.
النقاش وإبداء الرأي (AR-MAQAL-04):
يُنسَّب القول من داخل ما يسجّله إصلاح 2021 في قسم إبداء الرأي. أوّلا، الاختلاف لا ينفي التفاعل: فالأركاح رغم اختلافها متنافذة متفاعلة لا سيّما في اللوحات الأخيرة، ويذكر الإصلاح انضمام الحكواتي إلى ركح التاريخ ويستشهد له بإشارة ركحية من آخر المسرحية يرويها بلفظه (ظهور زمرّد في الطرف الآخر ومناولة الحكواتي إيّاها رأس المملوك جابر)؛ فالحدّ بين فضاء الحكي وفضاء المحكيّ حدّ يُعبَر لا جدار، ويصير لفظ «الاختلاف» في الأطروحة أدقّ ممّا يوحي به: اختلاف في الموقع والأمكنة ونمط التقديم، لا انفصال. ثانيا، اختلاف الأركاح وتنافذها لم يكن التقنية الدرامية الوحيدة التي وظّفها ونوس في نقد الواقع وبناء الوعي؛ فإلى جانبه التناوب بين الحكي والفرجة، وتنويع الحوارية، وتنويع الشخصيات. وهذا يحدّ من الأطروحة إن فُهمت على أنّ الفضاءات وحدها تصنع الوظيفة. ثالثا، وهو أهمّ الحدود عند الإصلاح، أنّ اختلاف الأركاح خرج في بعض المواطن عن بناء الوعي إلى تلقين وعي جاهز، أي من مسرح التسييس إلى المسرح السياسي؛ فالوظيفة الثانية من وظيفتي الالتقاء (بناء الوعي) هي التي تتعرّض للانزلاق لا الأولى (نقد الواقع). ولا يعيّن إصلاح 2021 هذه المواطن، فتعيينها من عمل المترشّح وعليه أن يستدلّ على ما يعيّنه؛ ومن المواضع التي يسجّل فيها إصلاح رسميّ آخر حدّا قريبا منه خاتمةُ العرض: يذكر إصلاح دورة المراقبة 2022 أنّ حضور الطابع التعليمي المباشر، لا سيّما في خاتمة العرض، حدَّ من دور الفرجة في بناء الوعي بقضايا الواقع. على أنّ إصلاح 2021 نفسه يعدّ خطاب الحكواتي التوجيهي التعليمي استنفارا للوعي، أي يقرؤه في وجهه الإيجابي؛ فالموضع الواحد يُقرأ قراءتين في إصلاحين، ولا يُحمل حكم أحدهما على الآخر. ويُلاحظ أنّ هذا الحدّ غير ما يُقال أحيانا من أنّ المشاهد التي لا يعلّق عليها المقهى يضعف فيها الأثر النقدي؛ فالإصلاح يقرأ نقد الواقع في كلام بغداد نفسه، ويصل بين الفضاءين بالتقطيع والتبئير والتقابل من غير تعليق، فغياب التعليق المباشر لا يُثبت ضعف الأثر، والذي يسجّله الإصلاح حدّا هو زيادة التوجيه المباشر لا نقصانه.
التأليف (AR-MAQAL-05):
يتركّب ممّا سبق حكم يوافق الإصلاح في أنّ اختلاف الأركاح كان أداة ونوس الفنّية في نقد الواقع وبناء الوعي بتغييره، وأنّ تنويع الأركاح وتنافذها عضدتهما تقنيات فنّية أخرى في تحقيق أهداف مسرح التسييس؛ ويقيّده بأنّ الاختلاف الذي يصنع الوظيفة هو اختلاف الموقع من الحكاية مع التنافذ، لا ثنائية مغلق ومفتوح ولا ثنائية سرد وحوار. ويُجمل الإصلاح ذلك في تنزيل تقنية اختلاف الأركاح ضمن رؤية جمالية للمسرح تخرج المتفرّج من التقبّل السلبي إلى التفاعل الحرّ والمشاركة، ويفتح موقفه على المضامين النقدية والمقاصد التسييسية ومدى قدرة المسرحية على الإمتاع. ومن هنا الأفق الذي يقترحه الإصلاح نفسه، مسرح التسييس بين تشكيل النصّ وصناعة الفرجة: إذا كان النصّ يبني الفضاءين ويصل بينهما، فأيّ قسط من التقاء الركحين يُصنع في العرض، بالإخراج والأداء، لا في النصّ وحده؟