تحليل مسترسل — الموضوع الثالث، دورة المراقبة 2015: مشهد الحلاقة والاستراحة
النص (من «مغامرة رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس كما طُبع في الموضوع الثالث، دورة المراقبة 2015، شعبة الآداب — نسخة محقّقة بصريا من الأصل المطبوع؛ علامات الحذف «(...)» من المطبوع):
الحكواتي: وقاد الوزير مملوكه جابر حتى أجلسه على الكرسي العالي، فاستقام ظهره فوقه، وامتلأ بالزهو (...)
فتح الحلاق حقيبته، أخرج موسى له بريق ومعه مسنه الجلدي. وراح يسن الموسى (...) ولما صار ذا حد يفري الحديد تناول الحلاق برقة رأس المملوك جابر. فارتخت عضلات رقبته، واستسلم هادئا بينما سرت في العينين نشوة كالحلم.
الوزير: (منفعلا) هذا الرأس له قدره عندي.. أريدك بارعا كما عرفتك. احلق الشعر من الجذور، من أعمق منابته.. أريد أن يصبح رأس مملوكي جابر أكثر نعومة من خدود العذارى.
الحلاق: (منحنيا في طقسية) سمعا وطاعة (...)
جابر: أرتعش من السعادة، إذ يسبغ مولاي على رأسي الوضيع هذا الاهتمام.
الوزير: رأسك يساوي مملكة يا جابر.. (...)
(يركع جابر بحركة بطيئة ووجهه للجمهور، بحيث تبدو واضحة كل الانفعالات التي يمكن أن تعبره. يأتي الوزير بكرسي منخفض، ويجلس خلف جابر واضعا الدواة قربه، يمسح مرة أخرى على الرأس الذي يلمع تحت الأضواء. ثم يغطس ريشته بالدواة ويبدأ في الكتابة. عندما يضع الريشة على رأس جابر تتقلص ملامحه تحت تأثير الوخزة، لكنه يتحمل، وتخفق عيناه)..
جابر: (ووجهه يتقلص) آه ليت مولاي يختار من الكلمات ألينها وأكثرها إيجازا..
الوزير: انتظر.. انتظر.. هي جملة أخيرة وننتهي..
(يكتب الوزير جملة جديدة، وينقبض وجه جابر من الألم)..
جابر: (وهو ينهض) هل يشرفني مولاي الآن بمعرفة الجهة التي سأحمل إليها رسالتي؟
الوزير: ليس الآن، ستعرف في ما بعد.. (...)
الحكواتي: وهنا نستأذن المستمعين الأكارم باستراحة قصيرة نشرب فيها فنجانا من الشاي، طبعا من يشاء الخروج لقضاء حاجة يستطيع الخروج، ومن يشاء البقاء يمكنه أن يبقى (تنفر من بين الزبائن تعليقات وردود فعل سريعة..)
زبون 1: لا.. بالله عليك كمل...
(يعود جو المقهى إلى التراخي والفوضى، كلام.. وتعليقات.. وصياح على أبي محمد الذي تنشط حركته الآن. بعض الزبائن يستغل الاستراحة للخروج قليلا من المقهى).. (...)
زبون 1: ولد بهذه العياقة، يخرج من ألف مصيدة بسلام.. بالله يا عم مؤنس عجل.. أنا أقول إن شأنا كبيرا ينتظر هذا المملوك، فما رأيك؟
الحكواتي: اصبروا.. اصبروا هي دقائق وتعرفون بقية الحكاية.. (...)
زبون 3: ما دام العم مؤنس يطلب استراحة افتح لنا الراديو (...)
(أبو محمد يفتح الراديو..).
صوت المذيع: وفي الساعة السابعة من مساء اليوم عقد اجتماع هام بالقصر الجمهوري حضره السادة الوزراء
زبون 1: غير المحطة يا أبا محمد..
زبون 4: دعونا نسمع نشرة الأخبار.
زبون 1: بلا أخبار ووجع قلب.
زبون 2: ابحث عن أغنية تبل الريق.. (...)
(يد أبي محمد تحرك المؤشر بحثا عن أغنية.. ينبثق صوت أم كلثوم في أغنية "الحب كده"..)
أصوات زبائن: - أيوه يا سلام.
(يستقر المؤشر على المحطة، ويتوضح غناء أم كلثوم، وهي تكرر "الحب كده" العم مؤنس يرقب الزبائن، ويهز رأسه بينما يشرب الشاي بهدوء. تستمر الأغنية بضع دقائق هي تقريبا فترة الاستراحة. ومن حين إلى حين نسمع آهة "يا سلام").
بعد الاستراحة
(...)
زبون 1: لنسمع إذن بقية الحكاية.
زبون 3: لا بأس بهذه الحكايات.. ولكن بيني وبينك أين هي من سيرة الظاهر! تلك حكاية تملأ الدماغ فعلا.
زبون 2: حلفتك بالله يا عم مؤنس لماذا تتدلل علينا بسيرة الظاهر؟
الحكواتي: العم مؤنس لا يعرف الدلال، ولكنه يعرف جيدا ترتيب الحكايات في كتابه.
زبون 2: تبالغ في الحرص على الترتيب وكأنه تنزيل حكيم.
الحكواتي: لن نفهم أيام الظاهر، إلا إذا فهمنا ما تقدمها من أوضاع وأزمان، لا تنسوا أن التاريخ متسلسل.
سعد الله ونوس، مغامرة رأس المملوك جابر، دار الآداب، بيروت، ط 8، 2008، ص ص 112-122.
المطلوب (الأسئلة الأربعة كما طُبعت في الموضوع):
حلل النص تحليلا مسترسلا مستعينا بالأسئلة التالية:
- بم تفسر تناوب السرد والحوار في هذا المشهد من المسرحية؟
- ما الوظائف التي اضطلع بها الحكواتي في النص؟
- ادرس رمزية الرأس في النص مبينا أهميته في تنامي الفعل الدرامي.
- تبين مظاهر التسييس في النص وادرسها مبديا رأيك فيها.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
تفكيك البناء والتدرّج (AR-TAHLIL-01):
يقبل النصّ تقسيما وفق تنوّع الأركاح إلى مقطعين، وهو التقسيم الذي يعتمده إصلاح دورة المراقبة 2015 ويجيز معه معيارا آخر بشرط الوجاهة. المقطع الأوّل من أوّل النصّ إلى قول الوزير «ستعرف في ما بعد»: ركحه قصر الوزير، ومداره حلاقة رأس جابر والكتابة عليه؛ ويتدرّج من سرد على لسان الحكواتي بصيغة الماضي («وقاد الوزير»، «فتح الحلاق») إلى حوار ممثَّل بإشارات ركحية بين الوزير والحلّاق ثمّ بين الوزير وجابر، وينغلق على سؤال جابر عن جهة الرسالة وجواب الوزير بتأجيل المعرفة. والمقطع الثاني بقيّة النصّ: ركحه المقهى، ومداره مواقف الزبائن؛ ويتدرّج من إعلان الحكواتي الاستراحة إلى ردودهم أثناءها (طلب الإكمال، الراديو، نشرة الأخبار، الأغنية) ثمّ إلى ما «بعد الاستراحة» من مطالبة بسيرة الظاهر وردّ الحكواتي بترتيب الحكايات وتسلسل التاريخ. ويحمل المطبوع علامات حذف «(...)» في مواضع، فالتدرّج يُوصف هنا كما طُبع المقطع لا كما جاء في المسرحية كاملة.
الخصائص الفنية والأساليب (AR-TAHLIL-02):
في المقطع الأوّل يتناوب السرد والحوار. للسرد إطار (شخصيات: الوزير وجابر والحلّاق؛ مكان تدلّ عليه قرائن الكرسي العالي وأدوات الحلّاق؛ زمن ماضٍ تتوالى فيه الأفعال) ومضمون يتقابل فيه فعل الوزير («قاد»، «أجلسه») واستسلام جابر («فارتخت عضلات رقبته، واستسلم هادئا»)؛ ويقرأ الإصلاح في هذا التقابل سلطة تُخضع الفرد والجسد، ويعدّ الحلّاق أداة للسلطة. ووظيفة هذا السرد التمهيد للحوار؛ ويعدّه الإصلاح تعبيرا عن اختيار فنّي يميّز مسرح ونوس، هو مسرح الحكواتي. ثمّ الحوار: أطرافه الوزير والحلّاق ثمّ الوزير وجابر، والوزير مهيمن عليه كمّا وتوجيها، يأمر («احلق الشعر من الجذور») ويقدّر («هذا الرأس له قدره عندي»، «رأسك يساوي مملكة») ويؤجّل («ليس الآن»)؛ ويجمع كلامه سجلّين يسمّيهما الإصلاح العاطفة والمنفعة: رقّة العبارة («أكثر نعومة من خدود العذارى») ومنفعة الرأس صفحةً للرسالة. والإشارات الركحية يصفها الإصلاح بالتفاوت الكمّي، وهي تتخلّل الحوار فتكشف النفسي («منفعلا»، «تتقلص ملامحه»، «وينقبض وجه جابر من الألم») والمادّي («منحنيا في طقسية»، الكرسي المنخفض، الدواة والريشة)، وتجسّم الفعل: الكتابة على الرأس فعل يُرى على الخشبة لا يُروى. وفي المقطع الثاني يتحوّل الحوار: أطرافه الحكواتي وزبائن مرقّمون، وعباراته قصيرة عفوية تميل إلى العامّية («كمل»، «عجل»، «تبل الريق»، «وجع قلب»)، ويدخله صوت ثالث هو الراديو بنشرة أخبار وأغنية. وبهذا يُفسَّر التناوب: السرد يحمل ما يُمهَّد به ويُروى، والحوار يجسّم ما يُصنع بالرأس ثمّ ما يُقال في المقهى، والحكواتي يصل بينهما. أمّا وظائفه كما يثبتها النصّ بلفظه فهي أنّه يروي ما يجري في القصر؛ ويعلن الاستراحة ويحدّد مدّتها («هي دقائق»)؛ ويخاطب بلفظه «المستمعين الأكارم» وهم زبائن المقهى الممثَّلون، ويسمعه في الوقت نفسه جمهور القاعة؛ ويردّ على إلحاح الزبون الأوّل بلا إسكات ولا استجابة («اصبروا.. اصبروا»)؛ ويرقب زبائنه في الاستراحة بإشارة ركحية («يرقب الزبائن، ويهز رأسه»)؛ ويضبط ترتيب الحكايات ويرفض تقديم سيرة الظاهر؛ ويختم بجملة تعليمية مباشرة عن تسلسل التاريخ. ويسمّي الإصلاح ذلك تحكّما في إيقاع الحكي وتحوّلا في خطابه من السرد غير المباشر إلى الخطاب التعليمي المباشر.
القضايا والدلالات (AR-TAHLIL-03):
رمزية الرأس: الرأس محور المقطع الأوّل قولا وفعلا. قولا يقدّره الوزير («له قدره عندي»، «يساوي مملكة») ويحقّره صاحبه («رأسي الوضيع»)؛ وفعلا يُحلق «من الجذور» ويُمسح ويُكتب عليه ويلمع «تحت الأضواء». فهو جسد يُخضَع وصفحة تُستعمل في آن؛ ويقرأ الإصلاح في محوريّته رمزية تسخيره لخدمة السلطان، وفي ما بين أقوال الوزير وأفعاله تقابلا بين الظاهر والباطن. وأهمّيته في تنامي الفعل الدرامي أنّه صار يحمل رسالة لا يعرف حاملها جهتها («ليس الآن، ستعرف في ما بعد»)، فينعقد بالرأس توقّعٌ يتجاوز المقطع، ويتردّد صداه في المقهى في تنبّؤ الزبون الأوّل بشأن كبير ينتظر المملوك. مظاهر التسييس: في القصر تُعرض علاقة سلطة على الخشبة: أمر وطاعة («سمعا وطاعة»)، وامتنان الخاضع («أرتعش من السعادة»)، وتصرّف في جسد الآخر. وفي المقهى يتقابل الواقع السياسي والحكاية: نشرة أخبار عن اجتماع بالقصر الجمهوري يطلب الزبون الأوّل تغييرها («بلا أخبار ووجع قلب») ويطلب الرابع سماعها، وتغلب الأغنية؛ ويقرأ الإصلاح في ردود الزبائن مواقف انفعالية غالبة (مواصلة الاستمتاع بالحكي والموسيقى والانصراف عن الواقع السياسي) وموقفا عقليا واعيا يعبّر عنه الزبون الرابع لكنّه صوت معزول. وأمّا الحكواتي فيربط الحكاية بالتاريخ ربطا صريحا في جملته الأخيرة («لن نفهم أيام الظاهر، إلا إذا فهمنا ما تقدمها من أوضاع وأزمان»)؛ ويقرأ الإصلاح في إصراره على حكاية جابر رغم إلحاحهم على قصّة الظاهر تخييبا لأفق انتظارهم؛ ويجعل في موضع آخر إعلانَه الاستراحة إرادةً منه أن تكون مجالا لتدبّر الحدث التاريخي وتوعية زبائنه بواقعهم.
الرأي والتقويم (AR-TAHLIL-04):
يُقوَّم النصّ على مستويين. فنّيا، يجعل تناوب السرد والحوار وتنوّع الأركاح الحكواتي ضابطا للانتقال بين القصر والمقهى، ويعدّ الإصلاح مراوحة النصّ بين الركحين دليلا على محورية دوره، ويرى فيه سعيا من ونوس إلى آفاق تجريبية تختلف عن المسرح الكلاسيكي. وفكريا، يذهب الإصلاح إلى أنّ خطاب الحكواتي هو صوت ونوس الذي يسرّب عبره مواقفه من التاريخ بما هو حركة وسيرورة ومن الإنسان بما هو وعي ضدّ أشكال التسلّط؛ وهذه قراءة في مقصد الكاتب تُنسب إلى الإصلاح، وما يثبته النصّ بلفظه أنّ الحكواتي وحده في المقطع هو من يتكلّم عن التاريخ بوصفه سلسلة وعن ترتيب لا يُخلّ به. والرأي المؤسَّس أنّ التسييس في هذا المقطع يُبنى عرضا قبل أن يُقال: علاقة السلطة تُمثَّل في القصر بلا تعليق، والانصراف عن الأخبار يُعرض في المقهى بلا حكم، ولا يصرّح الحكواتي بالربط بين الحكاية والتاريخ إلا في جملته الأخيرة كما طُبع المقطع. وحدّ هذا التقويم أنّ المقطع منقول بحذف، وأنّ ما بعد الجملة الأخيرة ليس فيه. فيبقى سؤال يفتحه المقطع نفسه: هل تكفي جملة تعليمية واحدة لتحويل فرجة ممتعة إلى وعي، أم أنّ الوعي المقصود يُترك للعرض ولمن يشاهده؟