باكالوريا 2015، رئيسية الآداب — الموضوع الثالث
النص الرسمي، منقول بصياغة مقروءة روجعت على صفحات الموضوع؛ التشكيل والترقيم موحدان:
خبّرني الحزاميّ عن خليل أخيه أنّه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا مصباح ويفرغ قربة في قناني ولا يصبّ إستارا واحدا فعل. ولو حكى لي الحزاميّ هذا الصنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه كان عجبي أقلّ. فأمّا من تعوّد أن يفعل مثل ذلك وهو يبصر فما أشدّ عليه أن يفعله وهو مغمض العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا أغمض عينيه فهو عندي عجب، وإن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السنّور والفأر. وإنّ هذا عندي عجب آخر، وغرائب الدنيا كثيرة عند كلّ من كان كلفا بتعرافها، وكان له في العلم أصل وكان بينه وبين التبيّن نسب.
وأكثر الناس لا تجدهم عند سماع الغرائب إلاّ في حالتين: إمّا في حال إعراض عن التبيّن وإهمال للنفس، وإمّا في حال تكذيب وإنكار (...) ثمّ يرى بعضهم أنّ له بذلك التكذيب فضيلة، وأنّ ذلك باب من التوقّي وجنس من استعظام الكذب، وإنّه لم يكن كذلك إلاّ من شدّة الرغبة في الصدق (...) والحقّ الذي أمر الله تعالى به ورغّب فيه وحثّ عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض واستحال، والآخر ما امتنع في الطبيعة وخرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين البابين وجرى عليه حكم الجواز فالتدبير في ذلك التثبّت وأن يكون الحقّ في ذلك هو ضالّتك والصدق هو بغيتك.
الجاحظ: الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة 1965، ط 2، ج 3، ص ص 237–239.
شروح مساعدة مختصرة من شروح الموضوع:
قناني: قوارير؛ إستار: وعاء كيل لمقدار قليل جدا من السوائل؛ كلف: مولع؛ تعراف: كثرة المعرفة؛ التبين: التأمل وبذل الجهد في الفهم؛ تناقض: ذكر أمرين لا يمكن اجتماعهما عقلا في شيء واحد؛ استحال: كان وجوده غير ممكن عقلا؛ ما امتنع في الطبيعة: ما تعذر وقوعه بالنظر إلى خصائص تكوينه وحدود طاقته؛ الجواز: الإمكان.
المطلوب الرسمي:
حلّل النصّ تحليلا مسترسلا مستعينا بما يلي:
- في بناء النصّ تدرّج: بيّنه وتبيّن انطلاقا منه طريقة الجاحظ في إرساء المنزع العقليّ لدى قرّائه.
- ما نوع الخبر الذي تناوله الجاحظ في هذا النصّ؟ ولماذا اهتمّ به في سياق استعراضه لمصادر المعرفة؟
- ما الجانب الذي فحصه الجاحظ في الخبر؟ وما حكمه على ما جاء فيه؟
- لماذا عرض الجاحظ موقفي أكثر الناس من هذا النوع من الأخبار؟
- ما هي المعايير التي اقترحها الجاحظ لتقييم محتويات الأخبار؟ وماذا تستخلص من ذلك عمّا قدّم لثقافة عصره؟
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
ينقل الجاحظ في هذا المقطع من الحيوان خبرا عجيبا، ثم يحول قراءته إلى تدريب على التعامل مع الأخبار. يبدأ النص برواية الحزامي عن أخيه خليل، وينتهي بتوجيه المخاطب إلى طلب الحق والتثبت. بين الطرفين يتدرج من حالة مخصوصة إلى مواقف الناس ثم إلى معايير عامة؛ فيغدو سرد العجيب مدخلا إلى فحص المعرفة الحاصلة بالنقل.
يمكن تقسيم النص إلى خبر ينتهي عند «فعل»، ثم استدلال يتفرع إلى تقليب وجوه العجب، ونقد مواقف الناس، وصياغة المعايير. وجه هذا التقسيم تغير الوظيفة: الحادثة تعرض مادة النظر، وما يليها يشرح كيف ننظر فيها. ويمكن اقتراح تقسيم آخر مبرر؛ عدد المقاطع ليس هو غاية التحليل، بل الكشف عن الانتقال من الجزئي إلى العام.
يقوم الخبر على سند قصير، الحزامي عن أخيه، ومتن يصف دخول البيت ليلا بلا مصباح وإفراغ القربة في القناني دون انسكاب. عبارة «متى شاء» تمنح الرواية معنى قدرة متكررة، لا نجاح عارض لمرة واحدة. غير أن الجاحظ لا يروي هنا أنه شاهد الفعل أو اختبر صاحبه؛ إنه يهتم أساسا بمحتوى الخبر وإمكان تفسيره. وتتبدل درجة تعجبه لو صدر العمل عمن فقد البصر مبكرا واعتاده، أو من مبصر أغمض عينيه، أو ممن يفترض أنه يرى في الظلمة. هذه أوجه افتراضية لا نتائج تجربة، ووجه الشبه بالسنور والفأر مقصور في عبارته على الرؤية في الظلمة، لا مماثلة كاملة بين الإنسان والحيوان.
وتكشف صياغة الشرط هذا التقليب: «لو» تستحضر حالة للمقارنة، و«إن» تفرع احتمالين مختلفين، بينما يعود «عندي» ليحدد درجة التقييم الشخصي. يحافظ الكاتب على التعجب دون أن يجعله تكذيبا. لذلك اختار الخبر العجيب من الأخبار المنقولة: إنه يضع القارئ أمام امتحان معرفي تتضح فيه صعوبة الفصل بين ما يثير الدهشة وما يستحيل وقوعه.
ثم ينتقل إلى أكثر الناس، فيقابل الإعراض عن التبين بالتكذيب والإنكار. الحصر في حالتين يصوغ نقدا لسلوكين يغلقان البحث، مع عناية خاصة بمن يظن الإنكار فضيلة لأنه يخشى الكذب. تكشف هذه العناية أن حسن القصد الأخلاقي لا يكفي لسلامة الحكم. ويستدعي الكاتب طلب الحق الذي أمر الله به ليصل بين القيمة التي يحتج بها المنكر وواجب التثبت الذي أهمله؛ فالحجاج يناقش المخاطب داخل مرجعيته، لا خارجها.
تحدد الخاتمة معيارين لرد الخبر: التناقض والاستحالة العقلية، ثم الامتناع بالنظر إلى طبيعة الشيء وطاقته. وما خرج منهما وجب التثبت فيه؛ فالجواز ليس مرادفا للصدق. تتمثل الإضافة في نقل الحكم من سرعة الاستجابة إلى معيار معلن وطريقة بحث. وقيمة النص التعليمية أنه يجعل القارئ يتابع نشوء القاعدة من فحص الحكاية، لا يحفظ القاعدة منفصلة عنها. لكن المثال لا يثبت قدرة خليل، كما أن تقدير حدود الطبيعة يحتاج إلى معرفة قابلة للتدقيق، فلا يصح أن نسمي كل مخالفة للمألوف استحالة. بذلك يعلمنا النص ضبط الحكم، ويترك تحقيق الواقعة عملا لم ينجزه هذا السرد.