مقال تدريبي أصلي — الموروث والمتعة ومعنى الوجود
الموضوع: استلهم توفيق الحكيم التراث الشرقي في شهرزاد، وأعاد بناءه في صيغة مسرحية تجمع المتعة الفنية إلى تصوير سعي الإنسان لإدراك معنى وجوده. حلل هذا الرأي وأبد رأيك فيه بشواهد محددة.
موضوع مؤلف يستلهم مجال الموضوع الثاني لباكالوريا 2017، ولا يدعي نقل صيغته الرسمية.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
يوحي حضور أسماء مثل شهريار وشهرزاد بالعودة إلى الحكاية المعروفة، غير أن التعرف على الأسماء لا يكفي لتفسير أثر مسرحي جديد. يدعونا الموضوع إلى الانتقال من العناصر التي تصل العمل بالموروث إلى الوظائف التي اكتسبتها في بنائه، ثم إلى صلة المتعة الفنية بالبحث عن معنى الوجود. ويكون إبداء الرأي بتقدير مدى استيعاب هذه القراءة لمسار المسرحية.
لا تنحصر الصلة بالموروث في الأسماء. يذكر الإصلاح الأدبي البيداء وخدر شهرزاد وسيف الجلاد ضمن العلامات ذات المرجعية الشرقية. تحمل هذه العناصر إمكانات متباينة: فضاء مفتوح للارتحال، وحيز داخلي للعلاقة الخاصة، وأداة تستحضر سلطة العقاب. يتيح اجتماعها بناء عالم يمكن تعرف بعض ملامحه، لكن وجودها وحده لا يثبت تجديدا فنيا؛ إذ يلزم النظر في كيفية تحويل المكان والأداة إلى عناصر في وضع مسرحي، لا إلى قائمة زينة تراثية.
هنا تظهر أهمية الصياغة الركحية التي يبرزها إصلاح 2017. فالإضاءة تؤطر الزمان، وتنظيم حركة الممثلين يحدد علاقتهم بالفضاء، وتبين الإيماءات والانفعالات كيفية أداء الموقف. يصبح المكان بذلك وضعا يعيش فيه الشخص ويتحرك، بدلا من اسم يمر في خبر. كما تجعل الإشارة الانفعال مادة للأداء: ليس ذكر الشعور مماثلا لرؤية كيف يظهر على صاحبه. ومن هذا الانتقال إلى التوقيت والحركة والتعبير الجسدي تأتي إمكانات المتعة الفنية، بالتعاون مع الحوار لا باستبداله.
ويتصل هذا التحويل بسعي الإنسان إلى المعنى. فالمسرحية لا تكتفي بإعادة مغامرة داخل إطار شرقي؛ إنها تجعل الرحيل والاستقرار والتجربة اختيارات يختبر أصحابها حدودها. ويذكر الإصلاح محاولة شهريار إجراء اختبار على جسد آدمي داخل دن السمسم: ينتقل طلب المعرفة هنا إلى فعل غريب له وسيلة مادية، فلا يبقى تصورا يشرح في كلام. نقرأ الحادثة في سياق البحث المأزوم، ولا نقدمها تجربة علمية صحيحة أو برهانا على امتلاك المعرفة. هكذا يكتسب الموروث وظيفة في مساءلة الاختيار الإنساني ومآله.
غير أن تصوير السعي وحده لا يستوعب كل ما يبرزه المسار. فالنهاية الفاجعة لقمر، التي يذكرها الإصلاح، تجعل التعلق والالتزام موضع نظر من جهة الكلفة والنتيجة أيضا. لا يكفي أن نصف الشخص بأنه يبحث عن معنى، ثم نهمل ما تؤدي إليه علاقاته. لذلك أرى الرأي وجيها، ويزداد دقة إذا شمل نتائج السعي وحدوده. إن بناء المادة الموروثة في أفعال وفضاءات وانفعالات يجعل الدلالة حدثا له تبعات؛ ومن هذا الاتصال تنشأ وحدة المتعة الفكرية والشكل المسرحي.