موضوع في مستوى اختبار البكالوريا — مقال تاريخي
الموضوع: شكّلت التحوّلات التي أفرزتها الحرب العالميّة الثانية على الصعيد الدولي منعرجا في مسار الحركة الوطنيّة التونسيّة إلى موفّى جويلية 1954.
- بيّن كيف أضعفت الحرب مكانة فرنسا الاستعماريّة وكيف فُتحت المسألة التونسيّة على الرأي العام الدولي.
- وضّح تطوّر العمل الوطني في مستوى الهياكل والتحالفات بين 1945 و1954.
- أبرز تدرّج المطالب وتنوّع أشكال النضال إلى غاية إعلان قرطاج.
مقياس إسناد الأعداد: المعلومات: 14 نقطة / المنهجيّة: 4 نقاط / اللغة: نقطتان.
التزم بالتخطيط المعلن في المطلوب، ووظّف الوقائع والتواريخ في خدمة العناصر لا في سرد مسترسل.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
المقدّمة
خرجت فرنسا من الحرب العالميّة الثانية منتصرة شكلا ومنهكة فعلا، بينما تحوّلت البلاد التونسيّة بين نوفمبر 1942 وماي 1943 إلى ساحة معارك بين قوّات المحور والحلفاء. في هذا السياق تغيّرت موازين القوى في العالم وبرزت منابر دوليّة وإقليميّة تساند حقّ الشعوب في تقرير مصيرها. فكيف أضعفت هذه الظرفيّة سلط الحماية وفتحت المسألة التونسيّة على الخارج؟ وكيف تطوّر العمل الوطني تنظيما وتحالفات؟ وإلى أيّ حدّ تدرّجت المطالب وتنوّعت أشكال النضال إلى موفّى جويلية 1954؟
I — ظرفيّة دوليّة أضعفت فرنسا وفتحت المسألة التونسيّة على الخارج
1) فرنسا المنكسرة تفقد هيبتها. أدّى الغزو الألماني لفرنسا في جوان 1940 واحتلال معظم ترابها إلى انهيار صورة "القوّة التي لا تُقهر" لدى سكّان المستعمرات. وحين تحوّلت البلاد التونسيّة نفسها إلى مسرح للمعارك بين نوفمبر 1942 وماي 1943، اكتشف التونسيّون عجز الدولة الحاميّة عن حماية ما تدّعي حمايته، وهو ما وظّفته الدعاية المحوريّة التي وعدت الشعوب المستعمَرة بالخلاص.
2) بروز العملاقين ومناهضتهما المعلنة للاستعمار القديم. خرجت الولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتحاد السوفياتي أقوى طرفين في العلاقات الدوليّة. وقد أعلنت الولايات المتّحدة مساندتها لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها منذ ميثاق الأطلسي (أوت 1941)، فيما ساند الاتحاد السوفياتي حركات التحرّر لدواعي إيديولوجيّة وفي نطاق صراعه مع المعسكر الغربي. وهكذا صار الاستعمار القديم موضوع إدانة من القطبين معا.
3) منابر دوليّة وإقليميّة للتدويل. أتاح ميثاق هيئة الأمم المتّحدة (1945) وقيام جامعة الدول العربيّة (مارس 1945) للوطنيّين التونسيّين إطارا لعرض قضيّتهم. ومن القاهرة نشط مكتب المغرب العربي، وتنقّل الحبيب بورقيبة في الشرق وفي أوروبا وأمريكا للتعريف بالقضيّة، إلى أن عُرضت المسألة التونسيّة على مجلس الأمن سنة 1952.
II — عمل وطني أوسع تنظيما وأمتن تحالفات
1) إعادة بناء الحزب وتوحيد الصفّ. عاد الزعماء من السجون والمنافي وأُعيد بناء هياكل الحزب الحرّ الدستوري الجديد، وتوّج ذلك بمؤتمر ليلة القدر في 23 أوت 1946 الذي جمع مختلف التيّارات (القديم والجديد، الزيتونيّون، أعضاء من المجلس الكبير) على مطلب واحد.
2) ميلاد منظّمات وطنيّة مساندة. تأسّس الاتحاد العام التونسي للشغل في جانفي 1946 بقيادة فرحات حشّاد، وتكوّن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، ثمّ الاتحاد العام للفلاحة التونسيّة والاتحاد العام لطلبة تونس (1952). صار العمل الوطني بذلك يستند إلى قاعدة اجتماعيّة منظّمة، عمّاليّة وحرفيّة وفلاحيّة وطلاّبيّة، لا إلى حزب وحيد.
3) تحالف الحزب والنقابة. أعطى التقاء الحركة الوطنيّة بالحركة النقابيّة للنضال بعدا اجتماعيّا واقتصاديّا، وجعل الإضراب سلاحا سياسيّا، كما منح القضيّة التونسيّة صدى في المنظّمات النقابيّة العالميّة.
III — من الإصلاح إلى الاستقلال: تدرّج المطالب وتنوّع أشكال النضال
1) سقف المطالب يرتفع. انتقل المطلب من الإصلاحات ومن مشروع الحكم الذاتي إلى الاستقلال التام: نصّت لائحة مؤتمر ليلة القدر (1946) صراحة على استرجاع الاستقلال التام وعلى الانضمام إلى جامعة الدول العربيّة وإلى هيئة الأمم المتّحدة.
2) تجربة التفاوض وحدودها. فتحت حكومة محمّد شنيق (أوت 1950) مسار مفاوضات حول مراحل الحكم الذاتي، غير أنّ الردّ الفرنسي في 15 ديسمبر 1951 أعاد النظر في مبدأ السيادة التونسيّة، وجاء تعيين دي هوتكلوك مقيما عاما إيذانا بسياسة القوّة.
3) التصعيد. انطلقت المقاومة المسلّحة (الفلاّڤة) من جانفي 1952 وتوسّعت الإضرابات والمظاهرات، واغتيل فرحات حشّاد في 5 ديسمبر 1952 فتحوّل إلى رمز يتجاوز حدود البلاد. أمام كلفة القمع وتزامن الأزمة مع الجزائر والهند الصينيّة، أعلن منداس فرانس بقرطاج في 31 جويلية 1954 اعتراف فرنسا بالاستقلال الداخلي.
الخاتمة
لم تكن الظرفيّة الدوليّة سببا كافيا: فقد أضعفت فرنسا وفتحت أبواب التدويل، لكنّ الذي حوّل هذا الهامش إلى مكسب هو قدرة الحركة الوطنيّة على تنظيم قاعدة اجتماعيّة واسعة وعلى المزاوجة بين التفاوض والضغط. ويبقى السؤال مفتوحا على ما بعد جويلية 1954: هل كان الاستقلال الداخلي محطّة نحو الاستقلال التام أم تنازلا؟ وهو الخلاف الذي فجّر الصراع البورقيبي-اليوسفي غداة اتفاقيّات 3 جوان 1955.