الفكرة: المناعة الثقافيّة ليست خزانة تُغلق على الموروث، بل جهاز حيّ يُنتج ويتجدّد؛ ومن هنا كانت الفاعلية أوّل عوامل التوقّي لا آخرها.
1. المقصود بالفاعلية: أن تكون الجماعة منتجة للثقافة والمعرفة والاقتصاد لا مستهلكة لها فقط: تعليم يُخرّج مبدعين، وبحث علمي، ومشاريع تنمية وطنيّة ذات قدرة تنافسيّة، وإنتاج رمزي (أدب، فنّ، إعلام) يخاطب العصر بلغة الجماعة. أمّا الحفاظ فهو حراسة ما وُرث كما هو. الفرق أنّ الحفاظ يجيب عن سؤال «ماذا كنّا؟» بينما تجيب الفاعليّة عن سؤال «ماذا نقدّم اليوم؟».
2. لماذا لا يكفي الحفاظ: الفكرة: الهويّة التي لا تُنتج تُستهلك. الجماعة التي تكتفي بالمحافظة على لغتها وقيمها دون أن تنتج بها علما وفنّا وسلعا تجد أبناءها يتعلّمون بلغة غيرها ويستهلكون صور غيرها، فتصبح عناصر الهويّة شعارات للمناسبات بينما تصنع الحياة اليوميّة ثقافة أخرى؛ هذا هو الاستلاب: أن تُفكّر بأدوات غيرك وأنت تحسب نفسك محافظا. مثاله الواقعي أنّ اللغة التي لا تُنتج بها المعرفة العلميّة تتراجع في الجامعة ثمّ في الشارع مهما احتفلنا بها.
3. النقاش: الاعتراض صحيح جزئيّا: فاعليّة تقتصر على استنساخ نماذج الإنتاج والاستهلاك الوافدة تُدخل الجماعة في التنميط من الباب الخلفي، فتصبح «منتجة» لما يُذيبها. لهذا لا تُفصل الفاعليّة عن العاملَين الآخرَين: تثبيت عناصر الهويّة يمنح الإنتاج مرجعيّته، والانفتاح الواعي يمنحه أدواته وجمهوره. فالموقف أنّ الفاعليّة شرط المناعة إذا كانت إنتاجا من الذات لا نسخا عنها، وتلك هي المناعة الذاتيّة المحقّقة لا المستوردة. ويبقى السؤال عمليّا: بأيّ سياسات تعليميّة وتنمويّة تتحوّل الجماعة من الحفاظ إلى الإنتاج؟