تمرين — مقال: هل حفظ اللغة الوطنية شرط من شروط المناعة الثقافية؟
القولة (مبنيّة لأغراض التمرين، غير منسوبة):
«حفظ اللغة الوطنية ترف ثقافي في زمن السرعة؛ فالهوية الحضارية محفوظة في الدين والقيم، أمّا اللغة فأداة يُؤخذ منها ما ينفع ويُترك ما عَسُر، ولا خوف على الثقافات المحلية من أن تفكّر بلسان غيرها.»
المطلوب:
حلّل هذا القول وناقشه: إلى أيّ مدى تصحّ قسمة عناصر الهوية إلى جوهر محفوظ وأداة قابلة للاستبدال؟ وما موقع اللغة من عوامل التوقي التي تتوقى بها الثقافات المحلية؟
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
تمهيد وصياغة الإشكالية (المقدمة): تتنزّل المسألة في سياق الجدل حول ما يُصيب عناصر الهوية من تهديد حين تتّسع دائرة التبادل الثقافي، وحول ما يُحفظ منها وما يُترك. تقوم القولة على قسمة صريحة: دين وقيم هي الجوهر، ولغة هي الأداة. والإشكالية المركزية: هل تُقسَم عناصر الهوية إلى جوهر محفوظ وأداة قابلة للاستبدال، أم أنّ اللغة من الجوهر نفسه؟ وتتفرّع إلى ثلاثة أسئلة: بأيّ معنى تكون اللغة أداة فيصحّ ما تقوله القولة؟ وبأيّ معنى تكون عنصر هوية فيسقط؟ وما موقعها من عوامل التوقي التي تُبنى بها المناعة الثقافية؟
التحليل — 1. ما يصحّ في القولة: للقولة وجه صحيح لا ينبغي إهماله: اللغة أداة تواصل فعلا، وتعلّم ألسنة العلم مطلب لا يُنازع فيه، ومن انكفأ على لسانه وحده حرم نفسه ممّا تُنتجه الإنسانية من معرفة. والانفتاح الواعي عامل من عوامل التوقي لا نقيض لها، ومن شواهد ذلك أنّ مقاييس الإصلاح تعدّ من المطلوب بيان ما يمكن استثماره من أدوات فعّالة تدفع لخير الإنسانية. فليس المطلوب إذن لسانا واحدا مغلقا، ومن قرأ القولة على أنّها دعوة إلى ترجمة كلّ شيء وقطع الصلة بلغات العلم فقد ردّ ما لم تقله.
التحليل — 2. اللغة عنصر هوية لا وعاء محايد: غير أنّ القسمة نفسها هي موضع النظر. فحين تُذكر مواطن التهديد في المجال الثقافي تُذكر عناصر الهوية مجتمعة: الدين واللغة والقيم، فاللغة معدودة في الجوهر لا في الأدوات. وتعليل ذلك أنّ اللغة ليست وعاء محايدا يُنقل فيه أيّ مضمون: بها يُتلقّى الدين ويُفهم نصّه، وبها تُصاغ القيم وتُورَّث الأمثال والأحكام، وبها يُفكّر الناشئ قبل أن يُترجم. ومن شواهد الواقع أنّ من فقد لسانه لم يفقد أداة بل فقد صلته بما كُتب به: يصير موروثه محتاجا إلى وسيط ليصل إليه، فتضعف الصلة جيلا بعد جيل. ولذلك عُدّ تجذير الناشئة في المحيط الثقافي المحلي من أسباب المناعة الثقافية، والتجذير لا يقوم بغير لسان يُتقن. ثمّ إنّ قول القولة «ولا خوف على الثقافات المحلية من أن تفكّر بلسان غيرها» يفترض أنّ التفكير يبقى هو هو مهما تغيّر اللسان، وهذا ما يكذّبه ما يصحب تراجع اللسان من شعور بالدونية: من ربط النجاح بلسان غيره أنزل لسانه منزلة الأدنى، وهذا خلاف تنمية شعور الثقة في الذات، وهو مدخل الاستلاب لا مجرّد تغيير أداة.
النقاش — تنسيب القول وبيان حدوده: يُثمَّن في القولة رفضها الانكفاء ووعيها بأنّ العصر لا يُدخل بلسان واحد؛ وهذا حدّ صحيح يحمي من قراءة تجعل المناعة الثقافية انغلاقا. لكنّ حدودها ثلاثة: أوّلها أنّها خلطت بين تعلّم لغات أخرى — وهو زيادة — وبين استبدال اللغة الوطنية في التفكير والتعليم والحياة العامة، وهو نقصان؛ وثانيها أنّها فصلت الدين والقيم عن اللغة فصلا لا يقوم، إذ لا يُتلقّى الأوّلان إلّا بها؛ وثالثها أنّها قاست الهوية بالمضمون وحده وأغفلت أنّ الانتماء يُبنى بالممارسة اليومية، فمن لم يستعمل لسانه في مواضع القيمة لم ينفعه إقراره به. والموقف المعلّل: اللغة عنصر هوية وأداة معا، وهي في عوامل التوقي عامل مزدوج — بها يقع التجذير، وبها يقع الإنتاج حين تُستعمل في العلم والصنعة؛ فالمطلوب لا حفظها في المتاحف ولا استبدالها، بل جعلها لغة إنتاج يُكتب بها ويُترجَم إليها.
الخاتمة: انتهى العمل إلى أنّ قسمة القولة بين جوهر وأداة قسمة غير مستقيمة، وأنّ اللغة تُحفظ باستعمالها في مواضع القيمة لا بالدفاع عنها في الخطب. ويبقى الأفق مفتوحا على سؤال آخر: بأيّ شروط تصير اللغة الوطنية لغة علم وصنعة لا لغة امتحان، حتّى يكون تعلّم غيرها زيادة في القدرة لا بديلا عن الذات؟