الفكرة: الحالة تضع القول بأنّ كلّ قيد حدّ للإبداع، والقول بأنّ الإبداع فعل مسؤول تؤطّره ضوابط، وجها لوجه في واقعة واحدة. والنقاش لا يختار بينهما اعتباطا بل يبيّن أنّ لفظ «القيد» يحمل معنيين.
1. تثمين قول المنتِج: الفكرة: خشية المبدعين من المنع خشية مبنيّة على تجربة لا على مبالغة. المنع الخارجيّ خطر من حيث المبدأ لثلاثة أسباب: أنّه يسبق العمل فيحكم عليه قبل أن يُرى؛ وأنّه يُمارَس بيد جهة لها مصالحها، فيسهل أن تُسمّى مصلحتُها قيمةً؛ وأنّه يتوسّع بطبعه، إذ ما مُنع لسبب وجيه يصير سابقة يُقاس عليها ما هو أقلّ وجاهة. يُضاف إلى ذلك أثره غير المنظور: الرقابة الذاتيّة، إذ يتجنّب المبدع ما يظنّ أنّه قد يُمنع، فيضيق الإبداع قبل أن يُمنع منه شيء. ولهذا كان قول المنتِج تحذيرا في محلّه.
2. حدود قوله: الفكرة: المعيار الفاصل هو الجهة التي يحميها المنع: الإنسان أم صاحب السلطة. المنع الذي يحمي الكرامة الإنسانيّة يقف عند الإضرار المحدّد بالغير — التحريض على إيذاء جماعة بعينها — ويستوي فيه القريب والبعيد، والحاكم والمحكوم، ويمكن التحقّق منه بوصف منضبط. أمّا المنع الذي يحمي سلطة أو رأيا سائدا فعلامته أنّه لا يُحدّد ضررا واقعا على أحد، بل يُحدّد رأيا لا يُقال، وأنّه يُطبَّق على المخالف دون الموافق، وأنّ الضرر المزعوم فيه هو انزعاج صاحب السلطة. وجمع الاثنين تحت اسم «القيد» مغالطة لفظيّة: الأوّل يشترك مع الإبداع في غايته، إذ كلاهما يقصد نفع الإنسان، والثاني يناقض الإبداع في غايته لأنّه يقصد بقاء السائد. ولذلك فإنّ من يرفض الأوّل باسم رفض الثاني يخدم الثاني من حيث لا يشعر، إذ يجعل كلّ نقاش في المسؤوليّة ضربا من الرقابة.
3. الموقف: الفكرة: الضابط القيميّ ليس سلطة خارجة عن الإبداع بل شرط في تعريفه. الإبداع في المنظور الإسلاميّ فعل غائيّ يقصد إصلاح حال البشريّة وتنمية الحسّ الجماليّ، فإذا صار قصده إهانة إنسان أو الدعوة إلى إيذائه لم يكن إبداعا ناقصا بل فعلا من جنس آخر يستعير أدوات الفنّ. فالضابط هنا يحمي الفعل من أن يفقد اسمه، كما تحمي قواعدُ اللعبة اللعبةَ لا أن تلغيها. ولا يعني هذا تسليم سلطة المنع لمن شاء: المعيار المذكور في النقطة السابقة يبقى شرطا على المانع نفسه.
الخاتمة: انتهى النقاش إلى أنّ «القيد» في القولة اسم مشترك بين ما يخنق الفعل الإبداعيّ وما يحفظ غايته، وأنّ الخلط بينهما هو الذي يجعل كلّ حديث عن المسؤوليّة يبدو دعوة إلى الرقابة. ويبقى سؤال مفتوح: أيّ جهة تملك من الحياد ما يؤهّلها لتطبيق هذا المعيار، حتّى لا يصير المعيار الصحيح ذريعة في يد من يخشى الجديد؟