تمرين — تحليل نص: أين يشتغل المبدع في ثقافة تقوم على الوحي؟
النص (مبنيّ لأغراض التمرين، غير منسوب):
«لا يستقيم الحديث عن الإبداع في ثقافة تقوم على الوحي؛ فالمطلوب من صاحبها أن يتّبع لا أن يبتدئ، وأن يتلقّى لا أن يقترح. ومن هنا كان كلّ ابتكار فيها محفوفا بالتهمة: إن جاء في العبادة سُمّي ابتداعا مذموما، وإن جاء في غيرها حُمل عليه وقيس به. فالمبدع فيها إمّا أن يخرج عليها وإمّا أن يصمت، وليس له مجال ثالث.»
المطلوب: حلّل النص تحليلا مسترسلا مستعينا بالأسئلة التالية:
- ما أطروحة الكاتب في علاقة الإبداع بالاتّباع، وعلى أيّ مقدّمات بناها؟
- بيّن، من خلال النص ومكتسباتك، كيف يفصل المنظور الإسلامي بين مجال يُتلقّى فيه ما ورد به الوحي ومجال يُدعى فيه الإنسان إلى الابتكار والتجديد، وما موقع الصنائع ووسائل العيش وتدبير الحياة من هذا الفصل.
- إلى أيّ مدى يصحّ قوله إنّ المبدع «ليس له مجال ثالث»؟ نسّب رأي الكاتب وابنِ موقفك.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
تمهيد وتقديم النص (المقدمة): يتنزّل النص ضمن مبحث الإبداع من منظور إسلامي، في سياق سؤال متكرّر عن حظّ المسلم اليوم من الفعل المنتج للثقافة. يعرض الكاتب أطروحة حادّة مؤدّاها أنّ ثقافة تقوم على الوحي لا تترك للمبدع مجالا، ومشغله الرئيس: هل يُلغي الاتّباع فيما ورد به الوحي إمكان الابتكار في سائر مجالات الحياة؟ وتُعالج المسألة في ثلاث خطوات: أطروحة الكاتب ومقدّماتها، ثمّ قسمة المجالات في المنظور الإسلامي، ثمّ تنسيب القول وبناء موقف. (النص مبنيّ لأغراض التمرين وغير منسوب، فلا مجال هنا لذكر صاحبه والأثر الذي انتُخب منه، وهو ما تقتضيه المقدمة في النصوص الحقيقية.)
التحليل — 1. الأطروحة ومقدّماتها: من خلال النص، الأطروحة أنّ الإبداع والاتّباع نقيضان لا يجتمعان، ونتيجتها المعلنة حصر المبدع بين الخروج والصمت. وهي تقوم على مقدّمتين ضمنيّتين لم يصرّح بهما الكاتب: الأولى أنّ الوحي يستغرق بالتفصيل كلّ مجالات الفعل الإنساني، فلا يبقى بعده موضع لاقتراح؛ والثانية أنّ حكم الابتداع في العبادة يُعمَّم على كلّ جديد في غيرها. ولذلك فإنّ الخلل في المقدّمتين لا في الاستنتاج: لو صحّ أنّ مجالا واحدا يستغرق الفعل كلّه لصحّ ما انتهى إليه.
التحليل — 2. مجالان لا مجال واحد: التلقّي مطلوب في العبادة لأنّها صلة تعبّدية لا يُبتكر فيها العبد صيغة لنفسه؛ أمّا مجال الحياة — الصنائع ووسائل العيش والتدبير والمعارف والفنون — فمجال مفتوح، بل مطلوب فيه الفعل: الإبداع مطلب إسلامي تضافرت نصوص عديدة على الحثّ عليه، والإسلام يدعو إلى توظيف الطاقات البشرية توظيفا لائقا. ومن شواهد ذلك أنّ الإبداع يُعرَّف في مقاييس الإصلاح بتطوير الصنائع ووسائل العيش وبناء الحضارة، لا بالخروج على المتلقَّى. وبهذا الفصل يسقط التعميم الذي بنى عليه الكاتب: ما كان في العبادة تلقّيا لا يُقاس عليه ما كان في الصنعة كسبا، لأنّ حكم الأوّل مبناه التعبّد وحكم الثاني مبناه النفع ودفع الضرر. ويظهر هنا المجال الذي لم يره الكاتب: التجديد في وسائل خدمة ما يُتلقّى — تعليمه وتبليغه وتيسيره — وهو مجال ابتكار واسع لا يمسّ المتلقَّى في ذاته.
النقاش — تنسيب القول وبيان حدوده: يصحّ في كلام الكاتب تنبيهه إلى واقع قائم: الخوف من التهمة معوّق حقيقي للفعل المبدع، والمبالغة في تقديس إبداعات الأجيال السابقة تجعل كلّ جديد مشبوها، وهذه من معوّقات الإبداع التي يقتضي الفعل المبدع التحرّر منها. غير أنّ حدوده ثلاثة: أوّلها أنّه حوّل عارضا تاريخيّا — جمود أقوام في طور من أطوارهم — إلى حكم بنيوي على ثقافة بأسرها؛ وثانيها أنّه خلط بين القيد المانع والضابط الموجّه، والإبداع فعل مسؤول تؤطّره ضوابط، والضابط يوجّه الفعل ولا يُلغيه؛ وثالثها أنّه استدلّ بحال المتديّنين على حكم الدين، وهو انتقال من الواقع إلى المبدأ لا يستقيم. والموقف الذي ينتهي إليه التحليل أنّ أمام المبدع مجالا ثالثا هو مجال عمارة الحياة، وأنّ سدّه ليس من الاتّباع في شيء بل من الجمود الذي يعطّل الاتّباع نفسه، إذ يحرمه من الوسائل التي تخدمه.
الخاتمة: انتهى العمل إلى أنّ خطأ النص في مقدّمة مسكوت عنها لا في منطقه، وأنّ التمييز بين ما يُتلقّى وما يُبتكر هو الذي يفتح للمبدع مجاله من غير خروج ولا صمت. ويبقى السؤال مفتوحا على آفاق أخرى: بأيّ شروط تُخرّج مؤسّسات التعليم اليوم من يُحسن هذا التمييز، فلا يُعطّل الأوّل خوفا ولا يخاف الثاني تهمة؟