الموضوع الثاني — تحليل نصّ (على منوال الموضوع الثاني لدورتي 2021 و2024؛ نصّ من إعداد مسار)
يختار المترشّح أحد الموضوعين؛ والمعروض هنا الموضوع الثاني: تحليل نصّ في الإبداع وضوابطه (2 س، 20 ن).
النصّ (من إعداد مسار على منوال نصوص الموضوع الثاني، غير منسوب إلى مؤلّف):
«ليس أيسر على المسلم اليوم من أن يُلقي تبعة تأخّره على غيره: على المستعمر الذي نهب، وعلى السوق التي تُغرقه بما لا يصنع، وعلى أنظمة لم تترك له مجالا. وفي بعض ذلك حقّ لا يُنكر، غير أنّ هذه الشكوى الدائمة صارت هي نفسها عائقا، لأنّها تُعفي صاحبها من السؤال عمّا بيده هو. فالمعوّقات التي تشدّه إلى الوراء تسكن ذاته قبل أن تحيط به: ذاكرة تحتمي بأمجاد الأسلاف فتكتفي بالافتخار بما صنعوا عن الإضافة إليه، وخوف من الخطأ يجعل الجواب الجاهز أسلم من المحاولة، وعادة في الاستهلاك توهمه أنّ من اقتنى أحدث ما صُنع قد شارك في صنعه. ومن اجتمعت فيه هذه الخلال قعد عن المنافسة، ورضي بأن يعيش على ما ينتجه سواه، ثمّ دافع عن قعوده بأنّه وفاء للأصل أو حكمة في زمن صعب.
وأحسب أنّ المخرج يبدأ من استعادة روح السؤال. فالإبداع لا يولد من الاطمئنان إلى ما هو قائم، بل من قلق يسأل: لماذا كان هذا هكذا؟ وهل يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؟ وما أكثر ما دعا القرآن إلى النظر والتدبّر والسير في الأرض، وما أكثر ما عاب على أقوام أنّهم وجدوا آباءهم على أمّة فهم على آثارهم مقتدون. ولم يكن ما بلغه أسلافنا في الحساب والطبّ والفلك إلّا ثمرة أسئلة طرحوها على ما ورثوه وعلى ما تلقّوه من الأمم قبلهم، فلم يقفوا عند النقل، بل أضافوا ونقدوا وصحّحوا. فالسؤال هو الذي يحوّل الموروث من سقف يُحتمى به إلى أرض يُبنى عليها، ويحوّل ما نأخذه عن غيرنا من بضاعة تُستهلك إلى معرفة تُهضم ثمّ يُزاد عليها. وبذلك وحده يعود المسلم فاعلا في دورة الحضارة لا متفرّجا عليها.
فإذا استعاد المسلم روح السؤال استعاد معها قدرته على الابتكار والتجديد، ولم يبق بينه وبين الإسهام في صنع الحضارة إلّا أن يجرؤ على السؤال. على أنّ السؤال لا يُثمر في كلّ أرض: فمن يُعاقَب على سؤاله يتعلّم الصمت، ومن يسأل ولا يجد من يصبر معه على الجواب يبقى سؤاله صيحة في فراغ.»
حلّل النصّ تحليلا مسترسلا مستعينا بالأسئلة التالية:
- حدّد المعوّقات الذاتيّة التي يراها الكاتب مانعة للمسلم اليوم من تحمّل مسؤوليّته الحضاريّة، وبيّن تداعياتها.
- كيف تكون «روح السؤال» سبيلا إلى الإبداع وإلى استعادة المسلم موقعه في دورة الحضارة؟
- هل ترى أنّ استعادة روح السؤال كافية لتحقيق إبداع حضاريّ أصيل؟
(في ورقة الامتحان يُذيَّل النصّ بإحالة كاملة: الكاتب، والكتاب أو المجلّة، ودار النشر أو العدد، والسنة، والصفحات، وكثيرا ما تُختم بعبارة «بتصرّف». هذا النصّ مكتوب للتمرين فلا إحالة له؛ واستثمار الإحالة في المقدّمة يُدرَّب في التمرين IBD-C.1.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: الأسئلة الثلاثة ليست ثلاثة أجوبة مرقّمة، بل تصميم تحليل واحد: الأوّل يشخّص (المعوّقات وتداعياتها)، والثاني يعالج (الشرط الذي يقترحه الكاتب وآليّته)، والثالث يزن (هل يكفي هذا الشرط؟). فيُكتب عمل واحد متّصل: مقدّمة، ثمّ ثلاث لحظات يُسلم كلّ منها إلى ما بعده، ثمّ خاتمة. وتوزّع مقاييس الإصلاح الرسميّة لتحليل النصّ (2018، 2019) الأعداد هكذا: المقدّمة 3 ن، والجوهر 15 ن موزّعة على الأسئلة في كتل من نحو 5 ن، والخاتمة 2 ن. العناوين البارزة أدناه للقراءة فقط، ولا تُكتب في الورقة.
المقدّمة (3 ن) — الفكرة: مدخل يضع الإطار العامّ، ثمّ تقديم النصّ، ثمّ الأطروحة، ثمّ المشغل الرئيس في سؤال تتفرّع عنه الأسئلة الثلاثة، ثمّ إعلان خطوات المعالجة. مقدّمة ممكنة:
«كثيرا ما يُطرح سؤال النهوض الحضاريّ عند المسلمين في صيغة شكوى من الخارج، فيغيب عن الطرح ما يقع على عاتق المسلم نفسه. وفي هذا السياق يتنزّل النصّ المعروض، وهو نصّ في مبحث الإبداع من منظور إسلاميّ، يرى صاحبه أنّ ما يُقعد المسلم اليوم عن مسؤوليّته الحضاريّة معوّقات تسكن ذاته قبل أن تحيط به، وأنّ استعادة روح السؤال هي المخرج الذي يعيده مبدعا فاعلا في دورة الحضارة. فما هذه المعوّقات وما تداعياتها؟ وكيف يكون السؤال سبيلا إلى الإبداع؟ وهل تكفي روح السؤال وحدها لإبداع حضاريّ أصيل؟ تلك هي المسائل التي نعالجها تباعا: تشخيص المعوّقات، ثمّ بيان آليّة السؤال المبدع، ثمّ النظر في حدود هذا الشرط.»
(في الامتحان تُكتب جملة التقديم من الإحالة، مثلا: «النصّ مقتطف من مقال لفلان عنوانه كذا، نشرته مجلّة كذا سنة كذا»؛ ولا يُنسب إلى الكاتب ما لا تذكره الإحالة ولا يعرفه المترشّح يقينا.)
التحليل — السؤال الأوّل: المعوّقات الذاتيّة وتداعياتها — الفكرة: السؤال يحصر المطلوب في «الذاتيّة»؛ فالعوامل الخارجيّة التي يفتتح بها الكاتب (المستعمر، السوق، الأنظمة) تُذكر لتُستبعد، لا لتُعدّ في الجواب، والمفارقة أنّ الشكوى منها هي أوّل معوّق ذاتيّ. ثمّ يُربط كلّ معوّق بتداعيته بدل سردها في قائمتين منفصلتين.
«من خلال النصّ، لا ينكر الكاتب أنّ للمستعمر والسوق والأنظمة نصيبا في التأخّر، لكنّه يحوّل النظر إلى ما بيد المسلم نفسه، فيجعل أوّل المعوّقات الذاتيّة الشكوى الدائمة التي «تُعفي صاحبها من السؤال عمّا بيده هو»: فهي موقف نفسيّ يُسقط التبعة على الخارج، وتداعيته أن يتعطّل الفعل في انتظار أن يتغيّر العالم أوّلا، وقد قرّر القرآن عكس هذا الترتيب: «إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم» (الرعد 11). ويليه معوّق فكريّ هو «ذاكرة تحتمي بأمجاد الأسلاف»، فيصير الماضي ملاذا يُفتخر به لا رصيدا يُبنى عليه، وتداعيته أن يكتفي المسلم «بالافتخار بما صنعوا عن الإضافة إليه»، فيتوقّف الرصيد عن النموّ وينتهي الأمر إلى الجمود وتقديس ما أبدعته الأجيال السابقة. ثمّ معوّق نفسيّ هو الخوف من الخطأ الذي «يجعل الجواب الجاهز أسلم من المحاولة»، وتداعيته التقليد وقتل التجربة في مهدها، مع أنّ السنّة جعلت للمجتهد المخطئ أجرا: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر» (متّفق عليه). وآخرها عادة الاستهلاك التي توهم المرء أنّ «من اقتنى أحدث ما صُنع قد شارك في صنعه»، وتداعيتها التبعيّة: أن يعيش المسلم «على ما ينتجه سواه». وتلتقي هذه المعوّقات في حصيلة واحدة يرسمها النصّ: القعود عن المنافسة، ثمّ تبرير القعود بأنّه «وفاء للأصل أو حكمة في زمن صعب»؛ وهذا التبرير أخطر التداعيات، لأنّه يُلبس العجز لباس الفضيلة فيُغلق باب المراجعة. وإذا كانت المعوّقات ذاتيّة، فالعلاج ينبغي أن يبدأ من الذات، وهو ما ينتقل إليه الكاتب.»
التحليل — السؤال الثاني: روح السؤال سبيلا إلى الإبداع — الفكرة: المطلوب «كيف»، أي آليّة لا تعريف: من القلق إلى السؤال، ومن السؤال إلى النقد، ومن النقد إلى الإضافة؛ ثمّ الشواهد القرآنيّة والتاريخيّة التي تسند كلّ حلقة.
«يقابل الكاتب كلّ معوّق بما يرفعه السؤال: فالإبداع «لا يولد من الاطمئنان إلى ما هو قائم، بل من قلق يسأل»، والقلق الذي يسأل «لماذا كان هذا هكذا؟» يكسر الاطمئنان إلى الأمجاد، والذي يسأل «هل يمكن أن يكون على غير ما هو عليه؟» يفتح باب الابتكار والتجديد بدل الجواب الجاهز. وآليّة ذلك في النصّ أنّ السؤال يغيّر وظيفة ما بين أيدينا: يحوّل الموروث «من سقف يُحتمى به إلى أرض يُبنى عليها»، ويحوّل المأخوذ عن الغير من «بضاعة تُستهلك» إلى «معرفة تُهضم ثمّ يُزاد عليها». ولهذه الآليّة سند في القرآن الذي جعل التدبّر مطلبا: «أفلا يتدبّرون القرآن» (النساء 82)، ودعا إلى النظر في السنن: «قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق» (العنكبوت 20)، وعاب على من عطّل السؤال بحجّة ما ورث: «إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون» (الزخرف 23)، وجعل طلب الزيادة في العلم دعاء: «وقل ربّ زدني علما» (طه 114). وسندها في التاريخ ما يذكره الكاتب من أنّ الأسلاف «لم يقفوا عند النقل، بل أضافوا ونقدوا وصحّحوا»، ومن شواهده أنّ ابن الهيثم جمع اعتراضاته على بطليموس في كتاب سمّاه «الشكوك على بطليموس»، وبمثل هذا السؤال عمّا تلقّاه من علم الأمم قبله جاءت إضافته في علم البصريّات. وبهذا يصير المسلم «فاعلا في دورة الحضارة لا متفرّجا عليها»، والحضارة دورة يتداولها الناس: «وتلك الأيّام نداولها بين الناس» (آل عمران 140)، لا يبقى فيها موقع لمن لا يضيف. غير أنّ الكاتب يختم بجملة تفتح النقاش: هل يكفي أن «يجرؤ» المسلم على السؤال حتّى يبدع؟»
النقاش — السؤال الثالث: هل تكفي روح السؤال؟ — الفكرة: سؤال كفاية لا سؤال قيمة: يُثمَّن ما يصحّ باختصار، ثمّ يُبيَّن ما ينقص، ويُستثمر أمران: قيد الكاتب نفسه في آخر النصّ، وكلمة «أصيل» في السؤال؛ ثمّ يُبنى موقف مشروط.
«لا شكّ أنّ في طرح الكاتب وجها صحيحا: فلا إبداع بلا سؤال، ومن كفّ عن السؤال أغلق على نفسه باب الإضافة، والسؤال بهذا المعنى شرط ضروريّ لا يُستغنى عنه. غير أنّ قوله إنّه لم يبق بين المسلم والإسهام في الحضارة «إلّا أن يجرؤ على السؤال» يجعل الشرط الضروريّ كافيا، والكاتب نفسه ينقض هذه الكفاية في آخر النصّ حين يقرّ بأنّ «السؤال لا يُثمر في كلّ أرض». فالسؤال يحتاج أوّلا إلى حرّيّة تحميه، لأنّ «من يُعاقَب على سؤاله يتعلّم الصمت»، والخوف الناتج عن الأساليب التسلّطيّة من أشدّ معوّقات الإبداع؛ ويحتاج ثانيا إلى من «يصبر معه على الجواب»، أي إلى مؤسّسات: مدرسة تعلّم المنهج، ومخابر وموارد، وعمل جماعيّ يراكم الأجوبة جيلا بعد جيل، وهو ما يُعرف في مجال التشريع بالاجتهاد الجماعيّ؛ ويحتاج ثالثا إلى ضوابط قيميّة، لأنّ الإبداع فعل مسؤول تؤطّره ضوابط، والسؤال الذي لا غاية له قد ينقلب هدما لا بناء. أمّا كلمة «أصيل» فتضيف شرطا رابعا: أن تنبع الأسئلة من حاجات المجتمع وقيمه، لا أن تُستورد جاهزة كما تُستورد البضائع، وإلّا صار السؤال نفسه ضربا من الاستهلاك الذي حذّر منه النصّ. والموقف الذي ننتهي إليه أنّ روح السؤال شرط انطلاق ضروريّ، لكنّها لا تُثمر إبداعا حضاريّا أصيلا إلّا إذا اجتمعت بحرّيّة تحمي السائل، ومؤسّسة تراكم الجواب، وقيم توجّه الفعل.»
الخاتمة (2 ن) — الفكرة: حصيلة في سطرين، ثمّ أفق جديد، دون إعادة صياغة ما سبق.
«انتهى التحليل إلى أنّ مسؤوليّة المسلم اليوم تبدأ من ذاته، وأنّ السؤال مفتاح الإبداع لا الإبداع كلّه. ويبقى أفق مفتوح: من أين تبدأ حماية السؤال، من المدرسة أم من الأسرة أم من المسجد، وأيّ هذه المؤسّسات أقدر اليوم على أن تُخرّج من يسأل ولا يخاف؟»