تمرين — تحرير مقال في روح موضوعي 2017 و2023: الاجتهاد وسنّة التطوّر
الموضوع الأوّل: تحرير مقال (20 نقطة)
«بقدر ما ينفتح الاجتهاد على تحوّلات الواقع، تتجلّى خصوبة نصوص الوحي وقدرتها على استيعاب ما يستجدّ في حياة الناس.»
حلّل هذا القول وناقشه مبرزا ضوابط الاجتهاد في ضوء فلسفة التشريع الإسلامي.
(القولة من إعداد مسار، غير منسوبة. المطلوب مقال متكامل: مقدّمة تضبط الإشكاليّة، وجوهر يحلّل الأطروحة بالشواهد القرآنيّة والنبويّة والتاريخيّة ثمّ يناقشها، وخاتمة.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: قبل الكتابة، فكّك الموضوع كما يفعل نموذج الإصلاح الرسمي لسنة 2022: المعطى قولة تقريريّة تقيم علاقة تناسب طرديّ («بقدر ما… تتجلّى») بين طرفين: انفتاح الاجتهاد على تحوّلات الواقع، وتجلّي خصوبة نصوص الوحي. الأصل في القولة هو الاجتهاد، والأثر هو ظهور قدرة كانت كامنة في النصّ: فالنصّ لا يتغيّر، وإنّما يتّسع ما يُستخرج منه. والمطلوب تحليل هذه الأطروحة ثمّ مناقشتها «مبرزا ضوابط الاجتهاد في ضوء فلسفة التشريع»، فلا يكفي النقاشَ أن يثمّن، بل عليه أن يمتحن حدود التناسب: هل كلّ انفتاح على الواقع يُظهر خصوبة النصّ، أم قد يحجبها؟ ما يلي مقال نموذجيّ في حدود ما يُكتب في ساعتين.
المقدّمة (3ن): يقرّر الشهرستاني في «الملل والنحل» أنّ النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، وأنّ ما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى؛ ومن هنا كان الاجتهاد في التشريع الإسلامي ضرورة لا ترفا. وتذهب القولة المطروحة أبعد من ذلك: فهي لا تجعل الاجتهاد مجرّد وسيلة لسدّ فراغ تتركه النصوص، بل تجعله الكاشف عن خصوبة كامنة فيها، تظهر بقدر ما ينفتح المجتهد على تحوّلات الواقع. غير أنّ هذا الربط يثير سؤالا لا مهرب منه: إذا كان الواقع هو الذي يستدعي الاجتهاد، فمن يوجّه الآخر؟ فكيف يكشف انفتاح الاجتهاد على الواقع عن قدرة نصوص الوحي على استيعاب المستجدّات؟ وما الذي يمنح هذه النصوص طاقتها التشريعيّة؟ وبأيّ ضوابط يظلّ الاجتهاد كشفا عن مراد النصّ لا إخضاعا له لما يفرضه الواقع؟
التحليل (7ن) — 1. الاجتهاد: مفهومه ومشروعيّته واستجابته للتطوّر: الفكرة: عرّف الطرف الأوّل قبل أن تبني عليه، وأثبت أنّ الانفتاح على الواقع من طبيعة الاجتهاد لا طارئ عليه. الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع في استنباط حكم شرعيّ ظنّيّ من أدلّته التفصيليّة. وقد أقرّه النبيّ ﷺ حين بعث معاذا إلى اليمن فسأله بمَ يقضي إن لم يجد الحكم في كتاب الله ولا في سنّة رسوله، فقال: «أجتهد رأيي ولا آلو» (رواه أبو داود)؛ وجعل للمجتهد أجرا حتّى في خطئه: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمّ أخطأ فله أجر» (متّفق عليه)، فالشريعة تتوقّع الاجتهاد وتحميه ولا تكتفي بالسماح به. والقرآن نفسه يحيل على أهل الاستنباط: «ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم» (النساء: 83). أمّا استجابته للتطوّر فتشهد لها سيرة الصحابة ومن بعدهم: فعمر بن الخطّاب لم يقسّم أرض السواد بالعراق بين الفاتحين مراعاة لحقّ الأجيال اللاحقة، ولم يُقم حدّ السرقة عام المجاعة لما رآه من عدم استيفاء شروطه؛ والشافعيّ عدّل كثيرا من اجتهاداته حين انتقل من العراق إلى مصر حتّى صار له مذهبان، قديم وجديد. فالاجتهاد يولد من سؤال يطرحه الواقع، ولذلك عقد ابن القيّم في «إعلام الموقّعين» فصلا في تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد.
2. الطاقة التشريعيّة الكامنة في نصوص الوحي: الفكرة: الطرف الثاني هو قلب القولة: ما الذي في النصّ يسمح له بأن يستوعب ما لم ينصّ عليه؟ عدّد مصادر هذه الخصوبة، ولكلّ مصدر شاهده.
- خصائص الخطاب التشريعيّ: نصوص الأحكام قليلة العدد واسعة الدلالة، تأتي في الغالب بالقواعد الكلّيّة والمبادئ العامّة وتسكت عن التفاصيل المتغيّرة: فالقرآن يقرّر الشورى مبدأ، «وأمرهم شورى بينهم» (الشورى: 38)، ولا يفرض لها شكلا واحدا، ويجعل رفع الحرج قاعدة عامّة: «وما جعل عليكم في الدين من حرج» (الحجّ: 78). وما سكت عنه الشارع مجال مفتوح للاجتهاد، لا فراغ في الشريعة.
- تعليل الأحكام ومقاصدها: الأحكام معلّلة بمصالح العباد، وقد لخّص ابن القيّم ذلك بقوله: «إنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد». ومتى عُرفت العلّة أمكن تعدية الحكم إلى ما يشاركه فيها، ومتى عُرف المقصد — حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي الضروريّات التي فصّلها الشاطبي في «الموافقات» — أمكن الحكم في ما لم يُنصّ عليه بما يحقّقه: «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» (البقرة: 185).
- مناهج التشريع: القياس والاستحسان والمصلحة المرسلة والعرف وسدّ الذرائع أدوات صاغها الأصوليّون لاستخراج هذه الطاقة بانضباط، والأمر بالاعتبار أصل فيها: «فاعتبروا يا أولي الأبصار» (الحشر: 2).
- التمييز بين الثوابت والمتغيّرات: العقائد والعبادات والقيم الأخلاقيّة الكبرى ثابتة لا يطالها التطوّر، أمّا المعاملات وأشكال التنظيم السياسيّ والاجتماعيّ فمجال المرونة؛ وهذا التمييز هو الذي يسمح للشريعة بأن تتجدّد دون أن تفقد هويّتها.
3. معنى التناسب: كيف يستنطق الواقعُ النصّ: الفكرة: لا تترك «بقدر ما» معلّقة؛ بيّن آليّتها بأمثلة، وإلاّ بقي التحليل تعدادا لمعلومات الدرس. كلّما طرح الواقع سؤالا جديدا عاد المجتهد إلى النصّ بهذا السؤال، فاستخرج منه وجها لم يكن الأوّلون في حاجة إليه: ففي المعاملات أفضت قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه) والأمر بالتعاون، «وتعاونوا على البرّ والتقوى» (المائدة: 2)، إلى صيغ التأمين التكافليّ؛ وفي الطبّ نظر المجتهدون في زرع الأعضاء في ضوء مقصد حفظ النفس وقاعدة أنّ الضرورات تبيح المحظورات. فالنصّ لم يتغيّر، والجديد هو السؤال الذي طُرح عليه؛ ولذلك يصدق أن نقول إنّ الواقع يستنطق النصّ ولا يُملي عليه. وهذا هو معنى خلود الشريعة: لا جمود على صور تاريخيّة من التطبيق، بل قدرة متجدّدة على الاستيعاب، وهو المعنى الذي يشير إليه الحديث: «إنّ الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها» (رواه أبو داود).
النقاش (8ن) — 1. تثمين: الفكرة: ثمّن في جمل قليلة ما يصحّ ثمّ انتقل؛ التكرار لا يُكسب نقاطا. تصيب القولة في أنّها تنقل السؤال من «هل تصلح الشريعة لكلّ زمان؟» إلى «كيف تصلح؟»، فتجعل الصلاحيّة عملا يُنجز لا شعارا يُردّد، وتردّ على من يرى الشريعة نظاما تاريخيّا انتهى بانتهاء ظروفه. وتصيب في جعلها التفاعل مع الواقع شرطا لظهور الخصوبة: فحين ساد التقليد وقيل بغلق باب الاجتهاد لم تفقد النصوص طاقتها، بل كفّ العقل المسلم عن استخراجها، فظهر ما يسمّى الفراغ التشريعي.
2. حدود القولة وضوابط الاجتهاد: الفكرة: هنا قلب المطلوب («مبرزا ضوابط الاجتهاد»): امتحن الاطّراد، فالتناسب لا يصحّ إلاّ بشروط. أوّلا، ليس كلّ انفتاح على الواقع كشفا عن خصوبة النصّ: فالاجتهاد الذي يجعل الواقع معيارا مطلقا ينتهي إلى تبرير كلّ ما شاع ولو خالف مقاصد الشريعة، فيصير «تطويرا» للنصّ على مقاس الأهواء: «ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض» (المؤمنون: 71). ثانيا، التطوّر ليس كلّه تقدّما، فمن الواقع ما ينبغي أن يهذّبه النصّ لا أن يهذّب هو النصّ. ولذلك وضع الأصوليّون ضوابط: لا اجتهاد في ما ثبت بنصّ قطعيّ الثبوت والدلالة؛ وللمجتهد شروط، منها العلم بآيات الأحكام وأحاديثها ومواضع الإجماع، وباللغة العربيّة وأصول الفقه، وبالواقع الذي يجتهد فيه؛ والنظر في المآل معتبر، إذ يقرّر الشاطبي أنّ «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا»؛ والقول في الحلال والحرام بغير علم محرّم: «ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام» (النحل: 116). ثالثا، تشعّب النوازل المعاصرة، من الاقتصاد الرقميّ إلى الهندسة الوراثيّة، يتجاوز علم فرد واحد، فصار الاجتهاد الجماعيّ في المجامع الفقهيّة، كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدّة، ضمانة علميّة تجمع الفقيه إلى الطبيب والاقتصاديّ: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (النحل: 43).
3. ردّ اعتراض: ألا يغني كمال الشريعة عن تطويرها؟ الفكرة: الاعتراض الذي طُرح في دورة 2017 يقف في الطرف المقابل للقولة، واستحضاره يُغني النقاش. يرى بعضهم أنّ الشريعة كاملة بنصّ القرآن، «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» (المائدة: 3)، وأنّ الكامل لا يحتاج إلى تطوير. والجواب أنّ الكمال كمال أصول ومقاصد وقواعد كلّيّة، لا كمال تفصيل لكلّ واقعة ستحدث إلى يوم القيامة؛ ومن كمال الشريعة نفسه أنّها تضمّنت أدوات تجدّدها، فالاجتهاد جزء من هذا الكمال لا استدراك عليه. والذي يتطوّر ليس الوحي، بل فهم المسلمين له وتنزيلهم إيّاه على واقع متغيّر.
4. الموقف: العلاقة بين الاجتهاد والواقع جدليّة لا تبعيّة: النصّ يوجّه التطوّر ويحكم عليه، والتطوّر يطرح على النصّ أسئلته فيستخرج منه ما كان كامنا. فالقولة صحيحة إذا فُهم «الانفتاح» على أنّه انفتاح منضبط بالمقاصد والقواعد، وخاطئة إذا صار الواقع هو الحَكَم.
الخاتمة (2ن): انتهى التحليل إلى أنّ الاجتهاد، بما هو استجابة منهجيّة لسنّة التطوّر، يكشف ما في نصوص الوحي من طاقة تشريعيّة مصدرها عموم الخطاب وتعليل الأحكام ومقاصدها والتمييز بين الثابت والمتغيّر؛ وانتهى النقاش إلى أنّ هذا الكشف مشروط بضوابط تحفظ للنصّ سلطته على الواقع، وإلى أنّ كمال الشريعة يقتضي الاجتهاد ولا يُلغيه. ويبقى السؤال مفتوحا: كيف تُبنى مؤسّسات اجتهاد جماعيّ قادرة على مواكبة تسارع التحوّلات دون أن تتحوّل هي نفسها إلى سلطة تقليد جديدة؟