الموضوع الثاني — تحليل نصّ (على منوال الموضوع الثاني لدورة 2019؛ نصّ من إعداد مسار)
يختار المترشّح أحد الموضوعين؛ والمعروض هنا الموضوع الثاني: تحليل نصّ في الاجتهاد وخلود الشريعة (2 س، 20 ن).
النصّ (من إعداد مسار على منوال نصوص الموضوع الثاني، غير منسوب إلى مؤلّف):
«يسأل كثيرون: كيف تبقى شريعة نزلت قبل أربعة عشر قرنا صالحة لعصر تتبدّل فيه أحوال الناس كلّ عقد؟ والجواب الذي يتردّد عادة أنّها خالدة لأنّها من عند الله، وهو جواب صحيح في أصله، غير أنّه لا يفسّر كيف يتحقّق هذا الخلود في حياة الناس. فالنصوص التشريعيّة محدودة، والوقائع تتجدّد بلا انقطاع، ولا يتّصل المحدود بما لا يُحدّ إلاّ بعقل يستخرج من الأوّل ما يحكم به الثاني. فخلود الشريعة، في الواقع لا في الدعوى، رهين بأمّة لا تكفّ عن الاجتهاد؛ فإذا توقّف الاجتهاد بقيت النصوص محفوظة في المصاحف والكتب، وتعطّلت في حياة الناس.
والاجتهاد الذي يحقّق هذا الخلود ليس رأيا يلقيه صاحبه كيف اتّفق، بل عمل له أركان لا يقوم بدونها. أوّلها مجتهد تكتمل فيه أدوات الفهم: علم بلسان العرب الذي نزل به الوحي، وبمواضع الأحكام من الكتاب والسنّة، وبما أجمع عليه العلماء. وثانيها نصّ يرجع إليه ولا يتقدّم عليه، فالمجتهد مستنبط من النصّ لا منشئ للحكم. وثالثها مقصد يتبيّنه وراء الحكم، إذ لم تُشرع الأحكام عبثا، وإنّما لمصالح الناس في دنياهم وآخرتهم. ورابعها معرفة بالواقعة التي يُراد الحكم فيها، بعناصرها وملابساتها، فمن حكم في ما لم يتصوّره أخطأ ولو أصاب فهم النصّ. وخامسها نظر في ما يؤول إليه الحكم عند تطبيقه، فربّ حكم صحيح في ذاته يُفضي في ظرف ما إلى نقيض مقصده.
ولقد كان الفقيه في القرون الأولى يجمع هذه الأركان في شخصه، يعرف النصّ ويعرف سوق مدينته وأعراف أهلها. أمّا اليوم فقد تشعّبت المعارف وتعقّدت الوقائع، حتّى صار الحكم في مسألة واحدة من مسائل الطبّ أو الاقتصاد يحتاج إلى من يحيط بدقائقها العلميّة، فضلا عن العلم بالنصوص ومقاصدها. ولم يعد السؤال: هل نجتهد؟ بل: من يجتهد، وكيف تجتمع في عمل واحد معارف لا يجمعها اليوم رجل واحد؟»
حلّل النصّ تحليلا مسترسلا مستعينا بالأسئلة التالية:
- بمَ ربط الكاتب خلود الشريعة في الواقع لا في الدعوى؟ توسّع في بيان ذلك.
- عدّد الكاتب أركانا لا يقوم الاجتهاد بدونها: بيّنها، مبرزا وظيفة كلّ ركن في العمليّة الاجتهاديّة.
- هل يستطيع المجتهد اليوم، مهما اتّسع علمه، أن يستقلّ وحده باستنباط الأحكام وتقدير ما تؤول إليه؟
(في ورقة الامتحان يُذيَّل النصّ بإحالة كاملة: الكاتب، والكتاب، ودار النشر، والطبعة، والسنة، والصفحات، وكثيرا ما تُختم بعبارة «بتصرّف». هذا النصّ مكتوب للتمرين فلا إحالة له؛ وتقديم النصّ من إحالته الحقيقيّة يُدرَّب في التمرين IJT-F.1.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: النصّ يسير في ثلاث خطوات تطابق الأسئلة: يربط الخلود بالاجتهاد، ثمّ يحدّد أركان الاجتهاد، ثمّ يلمّح في آخره إلى أنّ اجتماع هذه الأركان في شخص واحد صار عسيرا. فالسؤال الثالث ليس خارجا عن النصّ: الكاتب هيّأ له بفقرته الأخيرة ولم يصرّح بالجواب. والمطلوب تحليل مسترسل: الأجوبة الثلاثة محاور لنصّ واحد تصل بينها جمل انتقال، لا أجوبة مرقّمة مستقلّة، وهو ما تحذّر منه توصيات 2022. وتوزيع الأعداد في مقياس إصلاح 2019 لهذا الموضوع: المقدّمة 3ن، والسؤال الأوّل 5ن، والثاني 6ن، والثالث 4ن، والخاتمة 2ن. ما يلي تحليل نموذجيّ متّصل؛ العناوين بالخطّ الغليظ للقارئ فقط ولا تُكتب في ورقة الامتحان.
المقدّمة (3ن): يتنزّل النصّ في الجدل الدائر حول قدرة التشريع الإسلامي على مواكبة حركة التاريخ: فمن الناس من يرى الشريعة نظاما تاريخيّا انتهى بانتهاء ظروفه، ومنهم من يكتفي بإعلان خلودها دون أن يسأل كيف يتحقّق. وفي هذا السياق يقدّم الكاتب، في نصّ أصوليّ معاصر، أطروحة مفادها أنّ خلود الشريعة ليس صفة تتحقّق تلقائيّا، بل هو رهين باجتهاد مستمرّ له أركان مضبوطة. فكيف يكون الاجتهاد ضمانة لخلود الشريعة؟ وما الأركان التي لا يقوم بدونها؟ وهل يقدر المجتهد الفرد اليوم على النهوض بها وحده؟ (في ورقة الامتحان يُذكر هنا اسم الكاتب وعنوان الأثر وسنته، كما في التمرين IJT-F.1.)
التحليل — 1. خلود الشريعة رهين باستمرار الاجتهاد (5ن): الفكرة: ابدأ من عبارات النصّ ثمّ وسّع بمكتسباتك، كما يطلب «توسّع في بيان ذلك». يفرّق الكاتب بين جوابين عن سؤال الخلود: جواب يكتفي بمصدر الشريعة («أنّها خالدة لأنّها من عند الله»)، وهو صحيح في أصله لكنّه «لا يفسّر كيف يتحقّق هذا الخلود في حياة الناس»، وجواب يبحث عن آليّة الخلود، وهو ما يتبنّاه: فالنصوص محدودة والوقائع متجدّدة، و«لا يتّصل المحدود بما لا يُحدّ إلاّ بعقل يستخرج من الأوّل ما يحكم به الثاني»؛ ولذلك يقرّر أنّ خلود الشريعة، في الواقع لا في الدعوى، «رهين بأمّة لا تكفّ عن الاجتهاد». والاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع في استنباط حكم شرعيّ ظنّيّ من أدلّته التفصيليّة، والخلود صلاحيّة الشريعة لكلّ زمان ومكان وقدرتها على التجدّد مع بقاء أصولها. ويؤيّد هذا الربط أنّ القرآن جعل الكتاب «تبيانا لكلّ شيء» (النحل: 89)، وهو بيان أصول تُستنبط منها الجزئيّات، وأنّه أحال على أهل الاستنباط: «لعلمه الذين يستنبطونه منهم» (النساء: 83)؛ وأنّ النبيّ ﷺ أقرّ معاذا حين قال: «أجتهد رأيي ولا آلو» (رواه أبو داود). وتشهد لذلك التجربة التاريخيّة: فقد صاغ الأصوليّون مناهج التشريع من قياس واستحسان ومصلحة مرسلة، فاستوعبت الشريعة بها مجتمعات لم يعرفها عصر التنزيل؛ ولمّا ساد التقليد وقيل بغلق باب الاجتهاد لم تتغيّر النصوص، لكنّها — كما يقول الكاتب — «تعطّلت في حياة الناس». فمن ربط الخلود بالاجتهاد لم يُنقص من قدسيّة النصّ، بل بيّن الطريق الذي يصل به إلى الواقع. وإذا كان الخلود رهين الاجتهاد، فأيّ اجتهاد يقصد الكاتب؟
2. أركان الاجتهاد ووظائفها (6ن): الفكرة: لا تكتفِ بتعداد الأركان كما وردت؛ بيّن وظيفة كلّ ركن وترابط الأركان، فهي مسار من الفهم إلى الأثر. يرفض الكاتب أن يكون الاجتهاد «رأيا يلقيه صاحبه كيف اتّفق»، ويعدّد له خمسة أركان. أوّلها أهليّة المجتهد: أدوات الفهم من علم باللغة التي نزل بها الوحي، وبمواضع الأحكام في الكتاب والسنّة، وبمواضع الإجماع؛ وهي شروط وضعها الأصوليّون حتّى لا يتصدّى للاجتهاد غير أهله. وثانيها النصّ مرجعا «يرجع إليه ولا يتقدّم عليه»: فالمجتهد كاشف عن الحكم لا منشئ له، وهذا ما يفصل الاجتهاد عن التشريع بالهوى: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم» (الأحزاب: 36). وثالثها المقصد: فالأحكام معلّلة بمصالح العباد في الدارين، ومعرفة المقصد هي التي تسمح بتعدية الحكم إلى ما لم يُنصّ عليه. ورابعها تصوّر الواقعة بعناصرها وملابساتها، لأنّ «من حكم في ما لم يتصوّره أخطأ ولو أصاب فهم النصّ»؛ وبه يتحوّل الاجتهاد من فهم نظريّ إلى تنزيل. وخامسها النظر في المآل، وهو ما عبّر عنه الشاطبي بقوله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا»؛ ومن شواهده أنّ عمر بن الخطّاب لم يُقم حدّ السرقة عام المجاعة، لا تعطيلا للنصّ بل لغياب شروط تطبيقه. وهذه الأركان متسلسلة: فالأهليّة شرط لفهم النصّ، وفهم النصّ مع مقصده يمنح الحكم، وتصوّر الواقعة يجعل تنزيله ممكنا، والنظر في المآل يحكم على صلاحيّة التنزيل ويفتح باب مراجعة الاجتهاد إذا خالفت نتائجه مقصده. غير أنّ هذا المسار الطويل يطرح سؤالا يلمّح إليه الكاتب في آخر نصّه: هل يجتمع كلّ ذلك اليوم في شخص واحد؟
3. هل يستقلّ المجتهد الفرد بالاستنباط وتقدير المآلات؟ (4ن): الفكرة: سؤال حكم يقتضي تنسيبا: ثمّن دور الفقيه المتخصّص، ثمّ بيّن حدود انفراده، ثمّ ابنِ موقفك. لا شكّ أنّ الفقيه المتخصّص في العلوم الشرعيّة أولى الناس بمباشرة النصّ، لأنّه يملك أدوات الفهم والاستنباط، وقد أظهر فقهاء القرون الأولى كفاءة عالية في الجمع بين فقه النصّ وفقه الواقع، إذ كان الفقيه، كما يذكر الكاتب، «يعرف النصّ ويعرف سوق مدينته وأعراف أهلها». غير أنّ الكاتب نفسه يسجّل تحوّلا نوعيّا: فقد «تشعّبت المعارف وتعقّدت الوقائع»، وصارت نوازل مثل زرع الأعضاء أو المعاملات الماليّة الرقميّة تحتاج إلى من يحيط بدقائقها العلميّة قبل الحكم فيها. فالركنان الرابع والخامس — تصوّر الواقعة والنظر في المآل — هما اللذان يتجاوزان اليوم طاقة الفرد، لا فهم النصّ. ومن هنا نشأت الحاجة إلى الاجتهاد الجماعي في المجامع الفقهيّة، كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدّة، حيث يصوّر أهل الاختصاص النازلة ويستنبط الفقهاء حكمها، عملا بقوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (النحل: 43)، وبمبدأ الشورى: «وأمرهم شورى بينهم» (الشورى: 38). على أنّ الاجتهاد الجماعي لا يلغي المجتهد الفرد بل يحتاج إليه، ومن حدوده أن تتحوّل المجامع إلى سلطة يُقلَّد قولها كما قُلّدت أقوال الأئمّة من قبل. فالموقف أنّ المجتهد الفرد لم يعد قادرا وحده على تقدير المآلات في النوازل المركّبة، وأنّ الحلّ في اجتهاد جماعيّ يبقى مفتوحا للمراجعة.
الخاتمة (2ن): انتهى التحليل إلى أنّ خلود الشريعة لا يتحقّق بإعلانه، بل باجتهاد مستمرّ يقوم على أركان متسلسلة من أهليّة المجتهد إلى النظر في المآل، وإلى أنّ تعقّد الوقائع المعاصرة نقل جزءا من هذه الأركان من الفرد إلى المؤسّسة. ويبقى السؤال: كيف تُفعَّل مؤسّسات الاجتهاد الجماعي لتواكب تسارع العصر دون أن تفقد استقلالها العلميّ؟