الفكرة: الحالتان تستعملان الكلمة نفسها («التيسير») في اتّجاهين متعاكسين: في الأولى التيسير جزء من الحكم، وفي الثانية التيسير حجّة على الحكم.
التحليل — 1. الواقعيّة في الحالة الأولى: الفكرة: الرخصة ليست خروجا عن التشريع بل بند فيه. الواقعيّة هنا أنّ الخطاب لم يفترض إنسانا مجرّدا لا يسافر ولا يمرض ولا يعجز، بل راعى الفطرة البشريّة وقلّل التكاليف وقدّر الأعذار سلفا. والفرق بين الرخصة والعزيمة من جهتين: المصدر، فالرخصة مقرّرة في الخطاب نفسه لا يُنشئها المكلّف؛ والحدّ، فهي معلّقة بوصف منضبط يُوجد فتوجد ويزول فتزول (انتهى السفر عادت العزيمة). ولذلك كان الترخّص التزاما بالحكم لا تحلّلا منه.
2. الحكم على الحالة الثانية: الفكرة: المعيار المستخرج من الحالة الأولى هو مصدر التيسير ومنضبطيّة وصفه. وفي الحالة الثانية يختلّ الشرطان معا: مصدر التيسير هو تقدير صاحب المصلحة نفسه، والوصف («ظرفي صعب») غير منضبط يتّسع لكلّ حال وينقض الحكم في كلّ زمان. ثمّ إنّ الاحتجاج بالمصلحة هنا ينقلب على صاحبه: وفاء الدَّين هو نفسه مصلحة مقرّرة، فترك الحكم إسقاط لمصلحة صاحب الحقّ باسم مصلحة المدين. فالحالة تعطيل للحكم باسم الواقعيّة لا تطبيق لها، والفرق بين الرخصة وهذا الفعل هو الفرق بين تيسير مقنّن وهوى مسمّى تيسيرا.
3. النقاش: الفكرة: الواقعيّة ترفع الحرج ولا تلغي الالتزام. لو كانت تعني أنّ الحكم يسقط بمجرّد المشقّة لانهدم كلّ تشريع، إذ ما من تكليف بلا كلفة، ولصار الخطاب تابعا للرغبة لا موجّها لها. والذي يمنع هذا الانزلاق خاصّيّة الثبات: فالعقائد والعبادات والمبادئ الأخلاقيّة العامّة ثابتة لا يتناولها التغيّر، والمرونة إنّما مجالها ما تُرك تفصيله من الجزئيّات والوسائل. وموقفي أنّ الواقعيّة والثبات ليسا متعارضين بل متكاملان: الثبات يحدّد ما لا يُمسّ، والواقعيّة تحدّد كيف يُطبَّق الثابت على إنسان من لحم ودم؛ ومَن أخذ الواقعيّة وحدها أفرغ الخطاب، ومَن أخذ الثبات وحده حمّل الناس ما لا يطيقون.