تمرين — تحرير مقال على منوال موضوع 2021: الإقرار بالاختلاف المشروع والتعارف في عصر العولمة
الموضوع الأوّل: تحرير مقال (20 نقطة)
«ليس التعارف أن يصير الآخر صورة منّي، بل أن أعترف له بحقّ الاختلاف ما دام اختلافه مشروعا؛ وبهذا الاعتراف وحده يقوم الائتلاف بين الناس.»
ما وجاهة هذا القول في عصر العولمة؟
(القولة من إعداد مسار، غير منسوبة. المطلوب مقال متكامل: مقدّمة تضبط الإشكاليّة، وجوهر يحلّل القول بالشواهد القرآنيّة والنبويّة والتاريخيّة ثمّ يمتحن وجاهته، وخاتمة.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: قبل الكتابة فكّك الموضوع إلى معطى ومطلوب. المعطى قولة تعريفيّة تقوم على نفي وإثبات («ليس… بل…»): تنفي أن يكون التعارف مسخا للآخر على صورة الذات، وتثبت أنّه اعتراف له بحقّ الاختلاف، ثمّ تقيّد هذا الحقّ بالمشروعيّة، وتجعل الاعتراف وحده أساس الائتلاف. في القولة إذن ثلاث كلمات تحمل الأطروحة: «أعترف»، و«مشروعا»، و«وحده». والمطلوب «ما وجاهة هذا القول»: أي الحكم على صحّته وقوّة حجّته وصدقه «في عصر العولمة»، لا إعادة صياغته. فالتحليل يبني حجج القول، والنقاش يمتحنه في السياق المذكور ويزن كلمة «وحده». وتوزيع الأعداد على منوال مقياس إصلاح المقال لسنة 2018: المقدّمة 3ن، والتحليل 7ن، والنقاش 8ن، والخاتمة 2ن. ما يلي مقال نموذجيّ في حدود ما يُكتب في ساعتين؛ العناوين بالخطّ الغليظ للقارئ فقط.
المقدّمة (3ن): لم يعرف الناس في تاريخهم عالما يلتقي فيه المختلفون كما يلتقون اليوم: تنقل الشاشات صور الشعوب إلى كلّ بيت، وتخلط الهجرة الأديان واللغات في المدينة الواحدة، وتربط الأسواق أطراف الأرض. غير أنّ هذا القرب لم يهدم الجدران، بل أقام جدرانا جديدة: فبين تنميط يريد أن يصبّ الناس في قالب واحد، وصراع هويّات يستنفر كلّ جماعة ضدّ غيرها، يعود السؤال عن العيش مع المختلف. وفي هذا السياق تقرّر القولة أنّ التعارف ليس أن يصير الآخر صورة من الذات، بل أن يُعترف له بحقّ الاختلاف ما دام مشروعا، وأنّ هذا الاعتراف وحده يؤسّس الائتلاف. والمقصود بالاختلاف المشروع تعدّد العقائد واللغات والثقافات والأعراف في حدود ما لا يعتدي على كرامة الإنسان وحقوقه، وبالتعارف معرفة متبادلة تنتهي إلى اعتراف وتعاون، وبالعولمة تشابك العالم اقتصاديّا وإعلاميّا وثقافيّا حتّى صار كأنّه فضاء واحد. فهل يكون الإقرار بحقّ الاختلاف المشروع حقّا السبيل إلى التعارف والائتلاف؟ وما الذي يجعل الاختلاف مشروعا فلا يصير الإقرار به تسليما بكلّ شيء؟ وهل يظلّ هذا القول وجيها في عالم تحكمه العولمة، أم تكشف العولمة أنّ الاعتراف وحده لا يكفي؟
التحليل (7ن) — 1. الاختلاف سنّة إلهيّة لا عارض يُزال: الفكرة: لا يُعترف بحقّ إلاّ إذا ثبت أنّ صاحبه لم يغتصبه؛ فابدأ بإثبات أنّ الاختلاف من أصل الخلق. يقرّر القرآن أنّ الله لو شاء لجعل الناس على نمط واحد، لكنّه شاء غير ذلك: «ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين» (هود: 118)، ويجعل اختلاف الألسنة والألوان آية من آياته كخلق السماوات والأرض: «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم» (الروم: 22). بل يجعل تعدّد الشرائع والمناهج مجال ابتلاء وتسابق: «لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات» (المائدة: 48). فمن سعى إلى أن يجعل الآخر صورة منه صادم سنّة من سنن الله، ولم يطلب أمرا مستحيلا فحسب، بل أمرا لم يرده الخالق نفسه؛ وهذا هو الوجه الأوّل لصحّة القولة حين نفت أن يكون التعارف مسخا للآخر.
2. الإقرار بالاختلاف غير التسليم بصواب المخالف: الفكرة: هنا الاعتراض الذي يُثار عادة، فأجب عنه في التحليل نفسه: هل يعني الاعتراف بحقّ الآخر في الاختلاف أن أتخلّى عن قناعتي؟ الجواب في القرآن: فهو ينفي الإكراه نفيا قاطعا، «لا إكراه في الدين» (البقرة: 256)، وينكر أن يُحمل الناس على الإيمان حملا: «ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعا أفأنت تكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين» (يونس: 99)، ثمّ يعلّم المسلم صيغة تجمع الثبات على العقيدة والاعتراف بحقّ المخالف: «لكم دينكم ولي دين» (الكافرون: 6). فالإقرار اعتراف بحقّ الآخر في الوجود والاعتقاد والتعبير، لا حكم بصواب ما يعتقد؛ ولذلك استقام أن يجتمع في المسلم اليقين بدينه والإقرار بحقّ غيره في أن يختلف عنه.
3. من الإقرار إلى التعارف والائتلاف: الفكرة: بيّن كيف يثمر الإقرار تعارفا، وإلاّ بقيت القولة دعوى. ففي آية التعارف ترتيب دالّ: «يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13)؛ تبدأ بوحدة الأصل، ثمّ تقرّر التنوّع، ثمّ تجعل التعارف غايته، ثمّ تضع ميزانا للتفاضل لا صلة له بالعرق ولا باللون، وهو ما أعلنه النبيّ ﷺ في حجّة الوداع: «يا أيّها الناس، ألا إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلاّ بالتقوى» (رواه أحمد). و«تعارفوا» على وزن تفاعلوا، والصيغة تفيد المشاركة: فالتعارف فعل متبادل لا يقوم به طرف واحد، ولا يكون إلاّ بين من يعترف كلّ منهما بالآخر. فإذا تحقّق انتقل إلى الائتلاف، وهو التعاون على المشترك الإنسانيّ: «وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان» (المائدة: 2)، والبرّ بالمخالف المسالم والعدل معه: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم» (الممتحنة: 8).
4. قيد «المشروع»: ما يحمي القول من النسبيّة: الفكرة: لا تمرّ على القيد الذي وضعته القولة، ففيه جواب السؤال الثاني من الإشكاليّة. ليس كلّ اختلاف مشروعا: فالمعيار كرامة الإنسان التي قرّرها القرآن للنوع كلّه، «ولقد كرّمنا بني آدم» (الإسراء: 70)، وحقوقه التي لا تسقط بالاختلاف. فما اعتدى على نفس أو عرض أو حقّ، أو جعل من اللون والعرق سببا للتفاضل والإقصاء، خرج من دائرة المشروع ولو تسمّى اختلافا. ويذمّ القرآن اختلافا من نوع آخر، هو التفرّق عن هوى وبغي بعد وضوح الحقّ: «ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيّنات» (آل عمران: 105)؛ فالاختلاف المحمود تنوّع يغني، والمذموم تنازع يهدم. وبهذا القيد يسلم القول من أن يُفهم دعوة إلى التسوية بين كلّ الآراء والأفعال.
5. شواهد التاريخ: الفكرة: الشاهد التاريخيّ يثبت أنّ الأطروحة عاشت في الواقع ولم تبق مثالا. فقد جعلت صحيفة المدينة يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين، ونصّت الصحيفة على أنّ «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم»، فقام أوّل مجتمع إسلاميّ على الاعتراف بالتعدّد الدينيّ داخل الجماعة السياسيّة الواحدة. ومرّت بالنبيّ ﷺ جنازة فقام لها، فلمّا قيل له إنّها جنازة يهوديّ قال: «أليست نفسا» (متّفق عليه). وفي بغداد جمع بيت الحكمة زمن المأمون مترجمين من أديان شتّى، في مقدّمتهم حنين بن إسحاق النصرانيّ، فنُقلت علوم اليونان والفرس والهند إلى العربيّة وأُغنيت بها؛ ووُلد ابن ميمون اليهوديّ في قرطبة، وكتب بالعربيّة أكثر مؤلّفاته، ومنها دلالة الحائرين. فحيث اعتُرف بحقّ الاختلاف ازدهر التعارف وأثمر حضارة، وهذا هو الائتلاف الذي تتحدّث عنه القولة.
النقاش (8ن) — 1. ما يزكّي وجاهة القول في عصر العولمة: الفكرة: الوجاهة تُمتحن في السياق الذي حدّده السؤال، فابدأ بما يجعل القول أصدق اليوم ممّا كان. لقد جعلت العولمة اللقاء بالمختلف واقعا يوميّا لا اختيارا: في الحيّ والمدرسة ومكان العمل وعلى المنصّات؛ ومن لا يعترف بحقّ جاره في أن يختلف عنه لا يملك اليوم أن يعتزله. ثمّ إنّ ثمن إنكار الاختلاف صار ظاهرا للعيان: موجات العنصريّة ضدّ المهاجرين، وكراهية الإسلام التي اعتمدت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة سنة 2022 يوم 15 مارس يوما دوليّا لمكافحتها، ونظريّة «صدام الحضارات» التي روّج لها هنتنغتون فجعلت الاختلاف قدرا صراعيّا. وفي المقابل تشهد مبادرات الحوار، كوثيقة الأخوّة الإنسانيّة التي وقّعها شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان في أبوظبي سنة 2019، بأنّ الاعتراف المتبادل مدخل إلى التعاون. فالقول، من هذه الجهة، أوجب في عصر العولمة منه في أيّ عصر مضى.
2. حدود القول: ما تكشفه العولمة من قصور الاعتراف وحده: الفكرة: هنا قلب النقاش، وفيه أكبر نصيب من الأعداد: امتحن كلمة «وحده»، ولا تكتف بعدّ سلبيّات العولمة.
- لقاء غير متكافئ: العولمة السائدة ليست حوارا بين أنداد، بل تدفّق ثقافيّ واقتصاديّ من مركز قويّ نحو أطراف ضعيفة، يفرض نمطا واحدا في الاستهلاك واللباس واللغة والذوق؛ فقد يُرفع شعار احترام التنوّع ويُمارَس في الواقع تنميط يمحوه. وقد لاحظ ابن خلدون أنّ «المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»، فالاعتراف المعلن لا يحمي اختلافا لا يملك أهله أسباب القوّة. ولهذا اعتمدت اليونسكو سنة 2005 اتّفاقيّة لحماية تنوّع أشكال التعبير الثقافيّ، إقرارا بأنّ التنوّع يحتاج إلى حماية لا إلى اعتراف فحسب.
- الاعتراف لا يكفي بلا عدل: التعارف الذي تريده القولة يفترض تكافؤا في الحقوق والفرص، وهو ما يغيب حين يقف طرف في موقع القوّة وآخر في موقع التبعيّة؛ ولذلك قرن القرآن العلاقة بالمخالف بالعدل ولو مع البغض: «ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى» (المائدة: 8). فالاعتراف شرط ضروريّ للائتلاف، لكنّه ليس شرطا كافيا، وفي جعله وحده أساس الائتلاف مبالغة.
- ردّة الانغلاق: حين يشعر الإنسان بأنّ هويّته مهدّدة بالذوبان، قد يحتمي بها احتماء المحاصَر، فيتحوّل الاختلاف من ثراء إلى متراس، وهو ما سمّاه أمين معلوف «الهويّات القاتلة». فالعولمة لا تهدّد الاختلاف بالمحو فحسب، بل تهدّده بالتعصّب أيضا، والاعتراف الذي لا تسنده ثقة بالذات ينتهي إلى أحد طرفين: ذوبان أو انغلاق.
- وهم النسبيّة: قد يُفهم الإقرار بالاختلاف في الثقافة المعولمة تسويةً بين كلّ القيم، فلا يبقى حقّ ولا باطل؛ غير أنّ قيد «المشروع» في القولة نفسها يردّ هذا الفهم، إذ يجعل كرامة الإنسان حدّا لا يتجاوزه اختلاف.
3. الموقف: شروط الوجاهة اليوم: القول وجيه في جوهره: لا تعارف ولا ائتلاف دون إقرار بحقّ الاختلاف المشروع، وهذا ما يؤسّسه القرآن وتشهد له التجربة الإسلاميّة. غير أنّ وجاهته في عصر العولمة مشروطة: أن يقترن الاعتراف بالعدل والتكافؤ، وأن يصدر عن هويّة واثقة منفتحة لا تذوب ولا تنغلق، وأن يتحوّل من شعار إلى تربية وتشريع ومؤسّسات. وللمسلم في ذلك دور الشاهد لا المتفرّج: «وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس» (البقرة: 143)، فلا يكتفي باستهلاك عولمة يصنعها غيره، بل يسهم في عولمة إنسانيّة تتّسع للاختلاف.
الخاتمة (2ن): انتهى المقال إلى أنّ الإقرار بحقّ الاختلاف المشروع شرط لا يقوم التعارف بدونه، وأنّ العولمة جعلته أشدّ ضرورة وأكثر هشاشة في آن، إذ تقرّب الناس وتفتح في الوقت نفسه باب الهيمنة وباب الانغلاق. ويبقى سؤال يتجاوز حدود الموضوع: ما الذي تقدّمه التجربة الإسلاميّة، من صحيفة المدينة إلى بيت الحكمة، لصياغة أخلاق عالميّة للتعارف لا ينفرد المركز بكتابتها؟