الموضوع الثاني — تحليل نصّ (على منوال الموضوع الثاني لدورتي 2018 و2023؛ نصّ من إعداد مسار)
يختار المترشّح أحد الموضوعين؛ والمعروض هنا الموضوع الثاني: تحليل نصّ في الاختلاف والتعارف (2 س، 20 ن).
النصّ (من إعداد مسار على منوال نصوص الموضوع الثاني، غير منسوب إلى مؤلّف):
«كلّما حلم إنسان بعالم يتكلّم فيه الناس لسانا واحدا، ويدينون بدين واحد، ويعيشون على نمط واحد، ذكّره التاريخ بأنّ ذلك حلم يعاند طبيعة الخلق. فالناس لم يجتمعوا يوما على لون أو لغة أو عقيدة، ولن يجتمعوا، لأنّ الاختلاف ليس طارئا على الاجتماع البشريّ حتّى يُرجى زواله، بل هو من نسيجه الأوّل. وقد حاولت إمبراطوريّات كثيرة أن تصهر الشعوب في قالب واحد، بالسيف حينا وبالإغراء حينا آخر، فلم تحصد إلاّ شعوبا تستعيد لغاتها بعد أن ظُنّ أنّها ماتت، وهويّات تشتدّ كلّما اشتدّ الضغط عليها. ولم يكن ذلك لقلّة وسائلها، بل لأنّها كانت تصارع سنّة لا تُغلب. ومن قرأ القرآن وجده يعدّ اختلاف الألسنة والألوان آية من آيات الله، ويقرّر أنّ الناس لا يزالون مختلفين.
غير أنّ الإقرار بأنّ الاختلاف باق لا يكفي وحده، فقد يقرّ به من يرى في المختلف عدوّا يتربّص به. والقرآن لم يقف عند تقرير الاختلاف، بل جعل له غاية حين قال: ﴿لتعارفوا﴾. والتعارف ليس مجاملة عابرة، وإنّما هو معرفة تبدّد الأوهام التي تنسجها القطيعة، واعتراف بالآخر شريكا في الكرامة، وتكافؤ في الحقوق والواجبات، وتعاون على عمارة الأرض التي استُخلف فيها الإنسان. فمن عرف غيره عن قرب عسر عليه أن يصدّق كلّ ما يُقال عنه، ومن شاركه في عمل واحد لم يعد يراه غريبا. بهذا يصير التنوّع ثروة تتبادلها الجماعات، لا حدودا تتحصّن وراءها، وتقوم بين الناس وحدة لا تلغي اختلافهم.
وبين البشر وهذه الوحدة طريقان مسدودان: طريق من يريد أن يوحّد الناس بمحو خصوصيّاتهم، فيصنع تشابها مفروضا يخفي تحته الإقصاء والقهر؛ وطريق من يبالغ في التمسّك بخصوصيّته حتّى لا يرى في غيره إلاّ خطرا، فيصنع جزرا متجاورة لا يعرف بعضها بعضا. وكلا الطريقين يبدأ من الخوف: خوف الأوّل من التنوّع، وخوف الثاني من الوحدة. أمّا الطريق الثالث فوحدة تقوم على قبول الاختلاف: تجمع الناس على ما يشتركون فيه من أصل وكرامة ومصير، وتترك لكلّ جماعة أن تكون نفسها. وهي وحدة لا تُمنح جاهزة، بل تُبنى كلّ يوم بالمعرفة والعدل.»
حلّل النصّ تحليلا مسترسلا مستعينا بالأسئلة التالية:
- يرى الكاتب أنّ الاختلاف سنّة باقية لا سبيل إلى محوها. توسّع في بيان ذلك.
- كيف يؤسّس النصّ لوحدة إنسانيّة تتّسع للاختلاف ولا تلغيه؟
- هل يمكن، في رأيك، أن تكون العولمة إطارا لهذه الوحدة؟
(في ورقة الامتحان يُذيَّل النصّ بإحالة كاملة: الكاتب، والمقال أو الكتاب، والمجلّة أو دار النشر، والعدد أو الطبعة، والسنة، والصفحات، وكثيرا ما تُختم بعبارة «بتصرّف». هذا النصّ مكتوب للتمرين فلا إحالة له؛ وتقديم النصّ من إحالته الحقيقيّة يُدرَّب في التمرين MGH-E.1.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: النصّ يسير في ثلاث خطوات تطابق الأسئلة: يقرّر أنّ الاختلاف باق لا يزول، ثمّ يبيّن أنّ الإقرار به لا يكفي ما لم يثمر تعارفا، ثمّ يرسم وحدة تتّسع للاختلاف بين طريقين مسدودين. والسؤال الثالث ليس خارجا عن النصّ: فالطريقان المسدودان اللذان يرفضهما الكاتب هما المعياران اللذان تُمتحن بهما العولمة. والمطلوب تحليل مسترسل: الأجوبة الثلاثة محاور لنصّ واحد تصل بينها جمل انتقال، لا أجوبة مرقّمة مستقلّة، وهو ما تحذّر منه التوصيات الرسميّة. وتوزيع الأعداد على منوال مقياس إصلاح تحليل النصّ لسنة 2018، وكان نصّه في التعارف وخُتم بسؤال عن العولمة: المقدّمة 3ن، وكلّ محور من المحاور الثلاثة 5ن، والخاتمة 2ن. ما يلي تحليل نموذجيّ متّصل؛ العناوين بالخطّ الغليظ للقارئ فقط ولا تُكتب في ورقة الامتحان.
المقدّمة (3ن): كلّما تقاربت الشعوب اشتدّ السؤال عن مصير اختلافها: أيذوب في عالم واحد، أم يصير سببا لصراع لا ينتهي، أم يكون أساسا لوحدة من نوع آخر؟ في هذا الإطار يتنزّل النصّ، وهو من نصوص الفكر الإسلاميّ المعاصر التي تعالج علاقة الوحدة الإنسانيّة بالتنوّع. ويقدّم الكاتب أطروحة مفادها أنّ الاختلاف سنّة ثابتة في الخلق لا سبيل إلى محوها، وأنّ القرآن جعل التعارف غايتها، فبهما تقوم وحدة إنسانيّة تتّسع للاختلاف، بعيدا عن وحدة تُفرض بالمحو وعن تعدّد يتحصّن بالقطيعة. فبأيّ معنى يكون الاختلاف سنّة باقية؟ وكيف يؤسّس التعارف لوحدة لا تلغي التنوّع؟ وهل تكون العولمة إطارا لهذه الوحدة؟ (في ورقة الامتحان يُذكر هنا اسم الكاتب وعنوان الأثر وسنته، كما في التمرين MGH-E.1.)
التحليل — 1. الاختلاف سنّة باقية (5ن): الفكرة: ابدأ من عبارات النصّ ثمّ وسّع بمكتسباتك، كما يطلب «توسّع في بيان ذلك». يبني الكاتب حكمه على ثلاث حجج. الأولى حجّة الطبيعة: فالاختلاف «ليس طارئا على الاجتماع البشريّ حتّى يُرجى زواله، بل هو من نسيجه الأوّل»، أي أنّه سابق على كلّ تنظيم وكلّ سياسة، وليس مرضا يُعالج. والثانية حجّة التاريخ: فالإمبراطوريّات التي أرادت أن «تصهر الشعوب في قالب واحد» لم تحصد إلاّ «هويّات تشتدّ كلّما اشتدّ الضغط عليها»؛ ومن شواهد ذلك أنّ إسبانيا، بعد سقوط غرناطة سنة 1492، خيّرت اليهود بين التنصّر والرحيل ثمّ أكرهت المسلمين على التنصّر، وسلّطت محاكم التفتيش على من يُشتبه في بقائه على دينه، ثمّ انتهت إلى طرد الموريسكيّين في مطلع القرن السابع عشر، لأنّ الإكراه لم يمحُ ما في القلوب؛ وأنّ الأمازيغيّة في شمال إفريقيا، بعد عقود من التهميش، صارت لغة رسميّة في دستور المغرب سنة 2011. والثالثة حجّة الوحي، وهي أقواها: فالقرآن يعدّ الاختلاف آية كخلق السماوات والأرض، «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم» (الروم: 22)، ويقرّر دوامه، «ولو شاء ربّك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين» (هود: 118)، ويجعل له وظيفة هي الابتلاء والتسابق في الخير: «لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات» (المائدة: 48). ولذلك نفى الإكراه في الدين، «لا إكراه في الدين» (البقرة: 256)، لأنّ ما يُفرض بالقوّة لا يمحو الاختلاف بل يخفيه. فالاختلاف سنّة إلهيّة لا تبديل لها، ومن أراد محوه صادم الخلق والتاريخ معا. وإذا كان الاختلاف باقيا لا يزول، فكيف يتحوّل من سبب للتنابذ إلى أساس لوحدة تجمع الناس؟
2. التعارف: من الإقرار بالاختلاف إلى وحدة تتّسع له (5ن): الفكرة: السؤال يطلب ما يقوله النصّ، فاستخرج مكوّنات التعارف كما عدّدها الكاتب، ثمّ ادعم كلّ مكوّن بشاهد. ينقل الكاتب التحليل من الواقع إلى القيمة: فالإقرار ببقاء الاختلاف «لا يكفي وحده، فقد يقرّ به من يرى في المختلف عدوّا يتربّص به»؛ ولذلك يستحضر الغاية التي جعلها القرآن للاختلاف، وهي التعارف، في آية تبدأ بوحدة الأصل وتنتهي بميزان للتفاضل: «يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13). ثمّ يعدّد مكوّنات التعارف: «معرفة تبدّد الأوهام التي تنسجها القطيعة»، إذ يعادي الإنسان ما يجهل؛ و«اعتراف بالآخر شريكا في الكرامة»، وهي كرامة قرّرها القرآن للنوع الإنسانيّ كلّه، «ولقد كرّمنا بني آدم» (الإسراء: 70)؛ و«تكافؤ في الحقوق والواجبات»، وهو ما أعلنه النبيّ ﷺ: «يا أيّها الناس، ألا إنّ ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، ألا لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلاّ بالتقوى» (رواه أحمد)؛ و«تعاون على عمارة الأرض التي استُخلف فيها الإنسان»، فالاستخلاف مهمّة النوع لا مهمّة جماعة بعينها: «وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة» (البقرة: 30). بهذه المكوّنات الأربعة يصير التنوّع «ثروة تتبادلها الجماعات، لا حدودا تتحصّن وراءها». ثمّ يحدّد الكاتب هذه الوحدة بما تنفيه: فهي ليست «تشابها مفروضا يخفي تحته الإقصاء والقهر»، ولا «جزرا متجاورة لا يعرف بعضها بعضا»، ويردّ الطريقين إلى أصل واحد هو الخوف: «خوف الأوّل من التنوّع، وخوف الثاني من الوحدة»؛ بل هي «وحدة تقوم على قبول الاختلاف» تجمع الناس على الأصل والكرامة والمصير وتترك لكلّ جماعة أن تكون نفسها. وقد عرفت التجربة الإسلاميّة هذا الطريق الثالث حين جعلت صحيفة المدينة يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين، ونصّت الصحيفة على أنّ «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». غير أنّ الكاتب يختم بأنّ هذه الوحدة «تُبنى كلّ يوم بالمعرفة والعدل»: فهل يوفّر عالم اليوم، وقد صارت العولمة إطاره، شروط هذا البناء؟
3. هل العولمة إطار ممكن لهذه الوحدة؟ (5ن): الفكرة: هذا سؤال موقف، والمقياس الرسميّ لسنة 2018 يثمّن فيه «قدرة المترشّح على تنسيب القول في العولمة»: فلا «نعم» ولا «لا» مجرّدتين، بل امتحان بمعايير النصّ نفسه، أي بالطريقين المسدودين وشرط التكافؤ، ثمّ موقف معلّل. العولمة تشابك العالم اقتصاديّا وإعلاميّا وثقافيّا حتّى صار كأنّه فضاء واحد، ولها في ميزان النصّ وجهان. فهي من جهة تقدّم للوحدة المنشودة ما لم يتح لعصر قبلها: وسائل معرفة متبادلة من ترجمة واتّصال وتبادل للطلبة، ومؤسّسات دوليّة تتحاور فيها الأمم، وقضايا مشتركة كتغيّر المناخ والأوبئة تجعل المصير المشترك الذي يذكره الكاتب واقعا محسوسا؛ وقد أثمر هذا القرب مبادرات للحوار، منها وثيقة الأخوّة الإنسانيّة التي وقّعها شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان في أبوظبي سنة 2019. ومن جهة ثانية تنزلق العولمة السائدة إلى الطريقين اللذين يرفضهما الكاتب معا: فهي، حين تُدار من مركز يملك السوق والصورة، تصنع «تشابها مفروضا» في الاستهلاك واللغة والذوق، وقد لاحظ ابن خلدون أنّ «المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»؛ ثمّ إنّ الخوف من الذوبان يدفع جماعات كثيرة إلى الانغلاق على خصوصيّتها، فيصنع القرب نفسه «جزرا متجاورة لا يعرف بعضها بعضا»، وهو ما سمّاه أمين معلوف «الهويّات القاتلة». ويغيب عنها في الغالب ما يشترطه الكاتب من «تكافؤ في الحقوق والواجبات»، إذ تفصل بين الشمال والجنوب فجوة في الثروة والمعرفة والتقنية. الموقف: العولمة إطار ممكن لا إطار متحقّق: هي وسيلة لقاء، والوحدة التي يريدها الكاتب قيمة لا تصنعها الوسائل وحدها، بل تحتاج إلى «المعرفة والعدل». فإذا حُكمت العولمة بقيم التعارف والتكافؤ صارت إطارا لوحدة تتّسع للاختلاف، وإن بقيت محكومة بمنطق الهيمنة والسوق كانت نقيضها. وللمسلم في ذلك دور، فهو مدعوّ إلى أن يسهم في عولمة إنسانيّة بقيم التعارف والعدل، لا أن يكتفي باستهلاك عولمة يصنعها غيره.
الخاتمة (2ن): انتهى التحليل إلى أنّ الكاتب يجعل الاختلاف قاعدة ثابتة والتعارف غايتها، ويرسم بهما وحدة ثالثة بين محو يفرض التشابه وقطيعة تصنع الجزر، وإلى أنّ العولمة تحمل إمكان هذه الوحدة وخطر نقيضها في آن. ويبقى سؤال يتجاوز النصّ: إذا كانت هذه الوحدة «تُبنى كلّ يوم»، فمن يتولّى بناءها في زمن صارت فيه المنصّات الرقميّة تصنع صورة الآخر أكثر ممّا تصنعها المدرسة والأسرة؟