الفكرة: البرنامج يصيب في تشخيص الداء ويستعمل في علاجه الآليّة نفسها التي تُنتجه؛ والنقاش يقوم على فصل المقصد عن الوسيلة، لا على ردّ المقصد.
1. تثمين المقصد: الفكرة: لا تعايش من غير تحرّر من التحيّز، لأنّ المتحيّز لا يرى المختلف عنه كما هو بل كما تصوّره له جماعته. والتعصّب يُفسد الاجتماع البشريّ من ثلاث جهات: يُحلّ الحكمَ على الجماعة محلّ الحكم على الفعل، فيُؤخذ البريء بجريرة غيره؛ ويُغلق باب المعرفة، إذ لا يطلب المتعصّب عن المختلف خبرا يكذّب صورته؛ ويُهيّئ للعنف، لأنّ من جرّد خصمه من صفته الإنسانيّة سهل عليه إيذاؤه. فمقصد الجمعيّة في ذاته مقصد صحيح ومطلوب.
2. التناقض في الوسيلة: الفكرة: التحيّز آليّة قبل أن يكون مضمونا، ومن استعمل الآليّة أنتج التحيّز ولو كان مضمونه مضادّا. والبرنامج يستعمل الآليّة بعينها: الحكم الجماعيّ، إذ ينسب التعصّب إلى أهل جهة بأسرهم، وهذا هو التحيّز الجهويّ في تعريفه، فيصير من وُلد في تلك الجهة متّهما قبل أن يقول شيئا؛ والإقصاء من الحوار، إذ يمنع المتّهم من الكلام، فيؤكّد لديه أنّ خصومه لا يحاورون، ويسلّمه إلى جماعته وحدها، فينمو التعصّب بدل أن ينحسر. والمعيار الفاصل بين نقد التعصّب ومعاداة المتعصّبين ثلاثيّ: أن يكون موضوع النقد قولا أو فعلا معيّنا لا انتماءً؛ وأن يبقى باب الرجوع مفتوحا، فمن غيّر موقفه لا يبقى محكوما عليه؛ وأن يُعامل الخصم بالقاعدة التي نطلبها لأنفسنا، وهي أن يُسمع قبل أن يُحكم عليه. فمن نقد الفعل حرّر، ومن أدان الانتماء استبدل تحيّزا بتحيّز.
3. الموقف: الفكرة: للتحرّر من التحيّز حدّ يحفظه من الانقلاب، وهو ألاّ يتحوّل إلى نمط واحد مفروض. الانفتاح حين يصير عقيدة إلزاميّة يُقصى من يخالفها يكون قد أنتج واحديّة جديدة: لا تدّعي النقاء العرقيّ بل النقاء الفكريّ، وتُمارس الإقصاء نفسه بأدوات أنظف. والحدّ الذي يمنع ذلك هو أن يبقى التحرّر من التحيّز عملا يُوجّهه الإنسان إلى نفسه أوّلا — نقدا لأحكامه المسبقة هو — لا سلاحا يُوجّهه إلى غيره؛ فمن جعله سلاحا استغنى عن مراجعة نفسه، وهذا أوّل التحيّز.
الخاتمة: انتهى النقاش إلى أنّ صحّة المقصد لا تُصحّح الوسيلة، وأنّ برنامجا يُقصي جهةً بأسرها باسم محاربة التعصّب إنّما ينقل التحيّز من موضع إلى موضع. ويبقى سؤال مفتوح: بأيّ أدوات تُواجَه الخطابات المغلقة من غير إقصاء أصحابها، وهل يكفي الحوار حين يرفض أحد طرفيه مبدأ الحوار نفسه؟