تمرين — تحرير مقال في روح موضوعي 2020 و2024: التوحيد والتحرّر
الموضوع الأوّل: تحرير مقال (20 نقطة)
«من كان عبدا لله وحده لم يكن عبدا لشيء سواه؛ فالعبوديّة لله عين التحرر.»
حلّل هذا القول وناقشه مبرزا علاقة التوحيد بالتحرر في الفكر الإسلامي.
(القولة من إعداد مسار، غير منسوبة. المطلوب مقال متكامل: مقدّمة تضبط الإشكاليّة، وجوهر يحلّل الأطروحة بالشواهد القرآنيّة والنبويّة والتاريخيّة ثمّ يناقشها، وخاتمة.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: قبل الكتابة، فكّك الموضوع كما يفعل نموذج الإصلاح الرسمي لسنة 2022: المعطى قولة تقريريّة تقيم علاقة تطابق («عين التحرر») بين طرفين يبدوان متنافيين، العبوديّة لله والتحرّر؛ والمطلوب تحليل هذه الأطروحة ثمّ مناقشتها في إطار علاقة التوحيد بالتحرّر. علاقة التطابق تفرض أمرين: أن تُرفع المفارقة الظاهرة منذ المقدّمة، وأن يمتحن النقاش هل يصمد التطابق حين ننتقل من المبدأ إلى الواقع. ما يلي مقال نموذجيّ في حدود ما يُكتب في ساعتين.
المقدّمة (3ن): ارتبطت الحرّيّة في كثير من التصوّرات الحديثة بالتخلّص من كلّ سلطة تعلو الإنسان، حتّى صار الدين عند بعضهم قيدا ينبغي التحرّر منه. وتقلب القولة المطروحة هذا التصوّر، فتجعل العبوديّة لله وحده، لا الانفلات منها، طريق الإنسان إلى حرّيّته: فمن أفرد الله بالعبادة لم يبق لشيء سواه عليه سلطان. غير أنّ الجمع بين العبوديّة والتحرّر يبدو في الظاهر جمعا بين نقيضين. فكيف تكون العبوديّة لله عين التحرّر؟ وما مستويات التحرير التي يحقّقها التوحيد في حياة الفرد والجماعة؟ وإلى أيّ حدّ صمد هذا التلازم أمام التجربة التاريخيّة للمسلمين وأمام تحدّيات الراهن؟
التحليل (7ن) — 1. رفع المفارقة: الفكرة: ابدأ بما يجعل هذه العبوديّة مختلفة في طبيعتها عن عبوديّة البشر للبشر، وإلاّ بقي التطابق دعوى. فعبوديّة الإنسان للإنسان علاقة بين متساويين في الخلق يستأثر فيها أحدهما بمنفعة الآخر، أمّا العبوديّة لله فعلاقة بخالق غنيّ عن عباده: «إنّ الله لغنيّ عن العالمين» (العنكبوت: 6)، فلا ينتفع بعبادتهم، وإنّما تعود ثمرتها عليهم. ثمّ إنّ شهادة التوحيد تبدأ بالنفي قبل الإثبات: «لا إله» تُسقط كلّ ألوهيّة مدّعاة، و«إلاّ الله» تحصر العبادة في من لا يشاركه فيها أحد، فيصير كلّ ما سواه مخلوقا مساويا للإنسان أو مسخّرا له. وقد صوّر القرآن هذا الفرق تصويرا دقيقا: «ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا» (الزمر: 29)؛ فالمشرك موزّع بين سادة يتنازعونه، والموحّد مجتمع الوجهة لا سيّد له غير الله. فالعبوديّة لله في هذا المعنى ليست قيدا يُضاف إلى القيود، بل نفيٌ لكلّ القيود الأخرى.
2. مستويات التحرير: الفكرة: لا تكتفِ بقول «التوحيد يحرّر»؛ عدّد ما يحرّر منه، ولكلّ مستوى شاهده.
- التحرّر من تأليه الطبيعة: نقد إبراهيم عليه السلام عبادة الكواكب بحجّة الأفول: «فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين» (الأنعام: 76)، ونهى القرآن عن السجود للظواهر: «لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهنّ» (فصّلت: 37). فتصير الطبيعة آية تُقرأ وسننا تُكتشف، لا قوّة تُسترضى.
- التحرّر من استعباد الإنسان للإنسان: دعا القرآن أهل الكتاب إلى كلمة سواء: «ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله» (آل عمران: 64)، وجعل «فكّ رقبة» (البلد: 13) من أعلى القربات. وعبّر ربعي بن عامر عن هذا المعنى أمام قائد الفرس، كما ترويه كتب التاريخ، حين جعل غاية الرسالة إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد؛ ويُنسب إلى عمر بن الخطّاب قوله: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا؟».
- التحرّر من الهوى والمال والخوف: قد يستعبد الإنسانَ ما في داخله قبل أن يستعبده غيره: «أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه» (الجاثية: 23)، وفي الحديث: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم» (رواه البخاري). والموحّد لا يخاف إلاّ الله، فيقدر على قول الحقّ أمام من يملك رزقه، لأنّه يعلم أنّه «إنّما الطاعة في المعروف» (متّفق عليه).
- تحرير العقل والضمير: عاب القرآن على المقلّدين قولهم: «بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا» (البقرة: 170)، ودعا إلى النظر: «قل انظروا ماذا في السماوات والأرض» (يونس: 101)، ورفض أن يكون الإيمان نفسه ثمرة إكراه: «لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ» (البقرة: 256).
3. من تحرير الفرد إلى المشروع الحضاري: الفكرة: اربط التحرير بما يترتّب عليه، وإلاّ بقي التحليل تعدادا. فإذا كان الله وحده المعبود، تساوى الناس في العبوديّة له وفي أصل الخلق، وسقط كلّ تفاضل بالنسب أو اللون، فلا كرامة إلاّ بالكسب: «يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» (الحجرات: 13). والحرّيّة شرط المسؤوليّة، فلا يُحاسَب إلاّ من اختار؛ ولذلك قرن القرآن بين الأمرين: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف: 29)، «كلّ نفس بما كسبت رهينة» (المدّثر: 38). وهذا الإنسان المتحرّر المسؤول هو المؤهّل للاستخلاف والإعمار: «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها» (هود: 61). فالتوحيد لا يحرّر الإنسان ليتركه في فراغ، بل ليضعه أمام مهمّة؛ ولذلك وصف القرآن الرسالة بأنّها تضع عن الناس «إصرهم والأغلال التي كانت عليهم» (الأعراف: 157).
النقاش (8ن) — 1. تثمين: الفكرة: ثمّن في جمل قليلة ما يصحّ، ثمّ انتقل؛ التكرار لا يُكسب نقاطا. تصيب القولة في أنّها تنقل الحرّيّة من مجرّد غياب القيد إلى نوع العلاقة التي يقيمها الإنسان بما يعلوه: فمن لا يعبد الله يعبد غالبا شيئا آخر، مالا أو سلطة أو جماعة أو هوى، وأشكال الاستعباد الحديثة — كالاستهلاك الذي يصنع الحاجات ثمّ يستعبد أصحابها — تشهد أنّ الانفلات من الدين لا يساوي التحرّر.
2. حدود القولة: الفكرة: النقاش يمتحن التطابق نفسه: هل العبوديّة لله تحرّر دائما وفي كلّ حال؟ أوّلا، التجربة التاريخيّة لا تؤيّد التطابق تأييدا آليّا: فقد وُظّف الدين لإضفاء القداسة على الحاكم وتحريم محاسبته، وشاع القول بالجبر لتبرير الظلم بوصفه قدرا مقدورا، وحلّ التقليد محلّ النظر في عصور الركود. والقرآن نفسه ينبّه إلى هذا الخطر حين يذكر من «اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» (التوبة: 31): فالعبوديّة لله قد تنقلب، باسم الله، عبوديّة لمن يدّعي النطق باسمه. ثانيا، الحرّيّة التي تعنيها القولة ليست الحرّيّة المطلقة التي تدعو إليها بعض الفلسفات الحديثة، بل حرّيّة مسؤولة لها ضوابط: عدم الإضرار بالنفس وبالغير، والتزام مقاصد الشريعة. ومن الأمانة أن يصرّح المقال بهذا الفرق بدل أن يخفيه، لأنّ من يعرّف الحرّيّة بأنّها استقلال الإنسان التامّ بتشريع قيمه لن يرى في العبوديّة لله إلاّ قيدا، والتطابق الذي تقرّره القولة لا يُقنعه إلاّ إذا نوقش تعريفه للحرّيّة نفسه.
3. الموقف: التوحيد في المنظور الإسلامي شرط ضروريّ للتحرّر لأنّه يُسقط كلّ سيادة بشريّة مطلقة، لكنّه ليس ضمانة تلقائيّة له: فهو يتحقّق بوعي فرديّ لا يطيع مخلوقا في معصية، وباجتهاد يمنع تقديس الأقوال البشريّة، وبمؤسّسات شورى ومحاسبة تجعل السلطة مسؤولة أمام الناس: «وأمرهم شورى بينهم» (الشورى: 38). فالتطابق الذي تقرّره القولة صحيح على مستوى المبدأ، وهو على مستوى الواقع مشروع يُنجَز لا حقيقة معطاة.
الخاتمة (2ن): انتهى التحليل إلى أنّ العبوديّة لله تحرّر لأنّها تنفي كلّ عبوديّة سواها، من تأليه الطبيعة إلى استعباد البشر إلى سلطان الهوى، وتؤسّس المساواة والمسؤوليّة والاستخلاف؛ وانتهى النقاش إلى أنّ هذا التحرير لا يثبت في الواقع إلاّ إذا حُرس من الاستبداد باسم الدين. ويبقى السؤال مفتوحا: كيف يستعيد المسلم اليوم هذا البعد التحريري للتوحيد في مواجهة أشكال استعباد جديدة لا تحمل اسم الآلهة، كالاستهلاك والتبعيّة وسلطة الصورة؟