الموضوع الأوّل — مقال فلسفيّ في صيغة قولة (على شاكلة اختبار شعبة الآداب)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ وهذا أحدها، قولة يحلّلها ويناقشها.
الموضوع: قيل: «الحقيقة التي يقولها الفنّ حقيقةٌ من صنعه». حلّل هذا القول وناقشه مبيّنا طبيعة العلاقة بين الإبداع الفنّي والواقع.
المطلوب: حرّر مقالا فلسفيّا متماسكا (مقدّمة، جوهر، خاتمة).
(قولة من إعداد مسار على منوال الموضوع الأوّل لدورة المراقبة 2016، شعبة الآداب: إقرار قصير بأنّ للفنّ حقيقة ينشئها ولا يجدها جاهزة، وبقيت تعليمة «حلّل هذا القول وناقشه…» كما وردت. ورقة الآداب لا تحمل سلّم إسناد، ولا تحدّد عدد الأسطر.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: القولة إقرار صريح يحمل أطروحة: للفنّ حقيقة، وهذه الحقيقة لا يجدها جاهزة في الواقع بل يصنعها. فالمقال يحلّل هذه الأطروحة في لحظتين تنتهيان إلى استخلاص، الطابع الإنشائيّ للحقيقة الفنّيّة ثمّ خصوصيّتها وصلتها بالواقع، كما رسمت منهجيّة الإصلاح الرسميّ لموضوع المراقبة 2016، ثمّ يناقش مكاسبها وحدودها، ويجعل سؤال التعليمة (أيّ علاقة بين ما يبدعه الفنّان والواقع؟) خيطا يُستأنف في كلّ لحظة ويُحسم في التركيب.
العمل التحضيريّ: ما تقوله القولة وما تطلبه التعليمة
- صيغة الموضوع: إقرار لا سؤال، فالقولة تثبت ولا تسأل: المطلوب أوّلا أن نفهم ما تثبته ونعيد بناء حججه قبل أن نمتحنه. ولا نفي صريحا فيها ولا تناسب، لكنّها تعترض ضمنيّا على موقف ينبغي أن نسمّيه: أنّ الفنّ ينقل حقيقة موجودة قبله.
- «الحقيقة»: لها في الموضوع معنيان يجب التمييز بينهما: الحقيقة مطابقةً، أي أن يوافق القول ما هو كائن، وهو معيار المعرفة العلميّة؛ والحقيقة انكشافا، أي أن يظهر ما كان محجوبا. والقولة لا تستقيم إلّا بالمعنى الثاني، إذ لا معنى لمطابقة «يصنعها» صاحبها.
- «يقولها الفنّ»: للفنّ قول لا يُردّ إلى الكلام: اللون والصوت والشكل والإيقاع لغات يقول بها الأثر ما لا يقوله التقرير.
- «من صنعه»: الصنع يحتمل معنيين متقابلين: الاختلاق، فتكون حقيقة الفنّ وهما مصنوعا؛ أو الإنشاء والإبداع، فتكون حقيقة لم توجد قبل الأثر ولا توجد إلّا فيه. واختيار المعنى يحدّد مصير المقال: الأوّل يعيدنا إلى نقد أفلاطون للفنّ، والثاني يفتح التحليل، والنقاش سيعود إلى الأوّل.
- «مبيّنا طبيعة العلاقة بين الإبداع الفنّي والواقع»: إذا كانت حقيقة الفنّ من صنعه، فما منزلة الواقع؟ ثلاث إجابات ممكنة يمتحنها المقال: الواقع نموذج يُنسخ (المحاكاة)، أو مادّة يُعرض عنها (التعالي على الواقع)، أو مادّة يُعاد تشكيلها فتنكشف (التحويل). والتعليمة تطلب أن ينتهي المقال إلى تحديد هذه العلاقة، لا إلى وصفها.
المقدّمة — الفكرة: ننطلق من توتّر مألوف، ونعيد صياغة القولة بألفاظنا، ثمّ نطرح إشكاليّة تجمع معنى الحقيقة وسؤال التعليمة. مقدّمة ممكنة:
«اعتدنا أن نجعل الحقيقة شأن العالِم الذي يقيس ويبرهن، وأن نترك للفنّ المتعة والخيال، فما يُروى في رواية أو يُرسم على لوحة لا يُسأل عن صدقه. ومع ذلك نخرج من بعض الروايات، ونبتعد عن بعض اللوحات، ونحن نعرف عن الإنسان وعن عالمنا ما لم نكن نعرفه. ومن هنا القول بأنّ الحقيقة التي يقولها الفنّ حقيقة من صنعه: لا يجدها في الواقع جاهزة فينقلها، بل ينشئها في الأثر نفسه. فأيّ حقيقة هذه التي تُصنع ولا تُكتشف؟ وإذا كان الفنّ يبدع حقيقته، فهل يعني ذلك أنّه يُعرض عن الواقع، أم أنّ إبداعه طريقة أخرى لكشف هذا الواقع؟»
الجوهر — التحليل (1): الطابع الإنشائيّ للحقيقة الفنّيّة — الفكرة: نبدأ بما تعترض عليه القولة ضمنيّا، أي الفنّ نسخا لواقع قائم، ونبيّن لماذا لا يستقيم، ثمّ ما يعنيه أن ينشئ الفنّ حقيقته.
- استبعاد الفنّ محاكاةً ووهما: حكم أفلاطون في الكتاب العاشر من «الجمهوريّة» على الرسّام بأنّه ينسخ السرير الذي صنعه النجّار، والنجّار ينسخ مثال السرير، فيكون الرسم في المرتبة الثالثة بعيدا عن الحقيقة، وهما مرتبطا بالمحسوس. لكنّ هذا الحكم لا يصيب إلّا فنّا يُفهم نسخا، والقولة تستبعد هذا الفهم نفسه.
- الفنّ إبداع يتجاوز المعطى: الأثر الفنّيّ ليس منتجا تقنيّا يطبّق قاعدة معلومة؛ فالعبقريّة عند كانط موهبة تعطي الفنّ قاعدته بدل أن تتلقّاها، والأثر الأصيل لا يُستنسخ من وصفة. فما يأتي به الفنّان لم يكن موجودا قبله، ولا يُستخرج من الواقع بالملاحظة.
- مقوّمات هذا الإنشاء: الخيال الذي يؤلّف ما لم يجتمع في الواقع، والتجربة الانفعاليّة التي يحملها الأثر، والتأويل الذي يمنحه معنى، والمتعة الجماليّة التي تجعلنا نقبل عليه لذاته لا لمنفعته.
- صدق المتخيَّل: يرى بول ريكور أنّ الحكاية المتخيَّلة تعلّق إحالتها المباشرة إلى المعطى لتفتح إحالة من درجة ثانية، فتعيد وصف الواقع بدل أن تنسخه. فالشخصيّة الروائيّة لا تصدق بقدر شبهها بإنسان موجود، بل بتماسك العالم الذي أنشأه الكاتب وبما يكشفه هذا العالم من إمكانات الوجود الإنسانيّ.
الجوهر — التحليل (2): خصوصيّة الحقيقة الفنّيّة وصلتها بالواقع — الفكرة: نبيّن أيّ حقيقة يصنعها الفنّ، ونجيب عن التعليمة جوابا أوّل: الواقع الذي يحيل إليه الأثر ليس معطى يُنسخ، بل واقع مُنشأ ورمزيّ.
- الحقيقة انكشاف لا مطابقة: يرى هايدغر في «أصل العمل الفنّيّ» أنّ الأثر لا يمثّل شيئا موجودا، بل تحدث فيه الحقيقة بمعنى الانكشاف: لوحة فان غوخ لحذاءَي فلّاحة لا تخبرنا بشيء عن حذاء بعينه، لكنّها تُظهر عالم الكدح في الحقول الذي يختفي حين نكتفي باستعمال الحذاء.
- الحقيقة تجسيد للمعنى في المحسوس: يجعل هيغل الجميل الفنّيّ ظهورا حسّيّا للفكرة، ويقدّمه على جمال الطبيعة لأنّه من إنتاج الروح؛ فحقيقة الأثر ليست في شبهه بالأشياء، بل في المعنى الذي يتجلّى فيه.
- الفنّ يُري ولا ينسخ: «لا يعيد الفنّ إنتاج المرئيّ، بل يجعل مرئيّا» كما كتب بول كلي. ولوحة «غرنيكا» التي رسمها بيكاسو سنة 1937، إثر قصف بلدة غرنيكا الباسكيّة، لا تصوّر القصف كما تصوّره صورة فوتوغرافيّة: أجساد ممزّقة، وثور وحصان، وأفواه تصرخ، بالأسود والأبيض والرماديّ؛ ومع ذلك تقول فظاعة الحرب بقوّة لا تبلغها الوثيقة.
- حقيقة تخصّ الفنّ في علاقات الإنسان كلّها: بالعالم، إذ يُري ما تحجبه نظرة المنفعة؛ وبذاته، إذ يعبّر عمّا لا يجد له كلمة؛ وبغيره، إذ يتقاسم الناس الانفعال نفسه أمام الأثر الواحد مهما اختلفوا؛ وبتاريخه، إذ تحفظ آثار كلّ عصر كيف رأى أهله عالمهم.
- استخلاص وجواب أوّل عن التعليمة: الإبداع الفنّيّ لا ينسخ الواقع ولا يهرب منه؛ إنّه ينشئ واقعا رمزيّا يجعل الواقع المعيش مقروءا.
فقرة ممكنة من التحليل: «ليست حقيقة الفنّ صورة طبق الأصل عن الواقع، فلو كانت كذلك لكانت الصورة الفوتوغرافيّة أصدق من كلّ لوحة. إنّ ما يجعل «غرنيكا» صادقة ليس أنّها تشبه البلدة المقصوفة، بل أنّها تُظهر ما لم تكن الصور تُظهره: أنّ الحرب تمزيق للإنسان قبل أن تكون هدما للبيوت. فالحقيقة هنا من صنع الفنّان، لأنّه هو الذي اختار الألوان والأجساد والتشويه، لكنّها ليست اختلاقا، لأنّ ما تكشفه كان قائما في الواقع دون أن نراه. وبهذا المعنى يصنع الفنّ حقيقته: لا يخترع عالما آخر، بل يمنح عالمنا شكلا يصير به مرئيّا.»
الجوهر — النقاش: هل يكفي أن يصنع الفنّ حقيقته؟ — الفكرة: لا نهدم الأطروحة بل نزن مكاسبها ثمّ نرسم حدودها؛ والحدود هي التي ستحدّد في التركيب طبيعة العلاقة بالواقع.
- المكاسب: تتجاوز الأطروحة التعارض بين الحقيقة والجمال، فالأثر يكون صادقا بجماله نفسه؛ وتردّ الاعتبار للخيال بوصفه قدرة على الكشف لا مصنعا للأوهام؛ وتعترف بحقيقة رمزيّة تقول ما لا تقوله صرامة البرهان دون أن تنافسه.
- حدّ أوّل — الفنّ لا يطلب الحقيقة دائما: يرى كانط أنّ الجميل يُرضي دون مفهوم، أي دون معرفة؛ ويجعل أنصار «الفنّ للفنّ» قيمة الأثر في جماله الخالص. وذهب نيتشه أبعد حين كتب أنّ لنا الفنّ «لكي لا نهلك بسبب الحقيقة»: فالفنّ عنده حاجة إلى الحياة لا إلى الحقيقة.
- حدّ ثانٍ — الحقيقة المصنوعة قد تكون وهما متقنا: إذا كان كلّ أثر يصنع حقيقته، فبمَ نميّز الأثر الذي يكشف من الأثر الذي يخدع؟ ففنّ الدعاية يصنع هو أيضا «حقيقته» ببراعة؛ ولذلك لا يكفي الصنع معيارا، بل يُسأل الأثر عمّا يكشفه.
- حدّ ثالث — الصنع ليس من عدم: الفنّان ابن عصره، يشتغل بموادّ وأساليب ورثها، وفي سوق تتحكّم في ما يُعرض ويُباع؛ وقد نبّه أدورنو وهوركهايمر إلى «صناعة الثقافة» التي تحوّل الأثر إلى سلعة تكرّر ما يطلبه السوق. فحقيقة الفنّ ليست من صنعه وحده، وإبداعه مشروط بواقع لا يختاره.
- حدّ رابع — تعدّد الحقائق: تتعدّد المدارس والأساليب فتتعدّد «حقائق» الفنّ؛ وهذا التعدّد يمنع أن تُنسب إلى الفنّ حقيقة واحدة، ويدعو إلى تنسيب القولة لا إلى رفضها.
التركيب: طبيعة العلاقة بين الإبداع الفنّيّ والواقع — الفكرة: نجيب عن التعليمة صراحة، بعلاقة مسمّاة لا بحلّ وسط غامض. مثال: «ليست العلاقة بين الإبداع الفنّيّ والواقع علاقة نسخ، لأنّ الفنّ لا يكرّر ما هو كائن، ولا علاقة قطيعة، لأنّه لا يبدع من عدم؛ إنّها علاقة تحويل: يأخذ الفنّان من الواقع موادّه وأسئلته، ثمّ يعيد تشكيلها في أثر يُرينا الواقع على نحو لم نره به. وهذا ما قصده برغسون حين جعل الفنّ رفعا للحجاب الذي تنسجه حاجات العمل والمنفعة بيننا وبين الأشياء. فحقيقة الفنّ من صنعه في شكلها، لكنّها عن الواقع في مضمونها؛ ومعيارها أن تكشف ما كان قائما دون أن نراه، لا أن تقنعنا بما ليس قائما.»
الخاتمة — الفكرة: نحسم الإشكاليّة بما أثبته الجوهر، ثمّ نفتح سؤالا لم يطرحه التمهيد. مثال: «يصيب القول حين يرفض أن يكون الفنّ نسخة من الواقع، ويتجاوز حدّه حين يوحي بأنّ حقيقة الفنّ لا تدين للواقع بشيء: فالفنّ يصنع حقيقته، لكنّه يصنعها من العالم ومن أجل أن نراه. ويبقى سؤال مفتوح: إذا كانت حقيقة الأثر لا تُمتحن بالمطابقة، فمن يحكم عليها: الفنّان، أم الجمهور، أم الزمن الذي يُبقي بعض الآثار ويُسقط غيرها؟»
ما يكلّف نقاطا: نسخ القولة في المقدّمة بدل بسطها؛ استعمال «الحقيقة» بمعنى واحد هو المطابقة، فيُحكم على القولة بالخطأ قبل تحليلها؛ تحليل ينسى الواقع ثمّ يذكره في سطر آخر المقال، والتعليمة تطلبه في كلّ لحظة؛ نقاش ينزلق إلى مسألة المحاكاة وحدها وينسى الحقيقة المصنوعة؛ سرد أسماء (أفلاطون، هيغل، هايدغر) دون أن يخدم أيّ منها حجّة.