الموضوع الثالث — النصّ (على شاكلة اختبار شعبة الآداب؛ نصّ من إعداد مسار)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ والموضوع الثالث، المعروض هنا، نصّ يُطلب تحليله.
النصّ (من إعداد مسار على منوال نصّ رجيس دوبري في دورة المراقبة 2024، غير منسوب إلى مؤلّف):
«كان على قارئ الكتاب أن يصنع بنفسه ما يقرؤه. فالحرف رمز لا يشبه شيئا ممّا يدلّ عليه: كلمة «نهر» لا ماء فيها ولا ضفّة، ولا يرى القارئ النهر إلّا إذا تخيّل وقارن وربط بين الجمل. لذلك كانت الكتابة مدرسة للمسافة: بين العلامة والشيء يمتدّ زمن للتفكير، ومن هذا الزمن وُلد الشكّ والنقد والحجّة. أمّا الشاشة فتقدّم الشيء كأنّه هو: الصورة تشبه ما تعرضه، وتُدرَك دفعة واحدة، ولا تطلب من صاحبها أن يتعلّم لغة. ومن هنا انقلب ميزان التصديق: صرنا نصدّق ما نراه قبل أن نفهمه، ونرتاب في كلّ ما يحتاج إلى شرح. فالشاهد الذي يروي ما رأى يُطالَب بتسجيل، والبرهان الذي يستغرق صفحات يُهزم أمام مشهد لا يدوم ثانيتين. لقد صار المرئيّ حجّة على نفسه. بل إنّ الصورة، في العالم الافتراضيّ، لم تعد نسخة من واقع يسبقها: يكفي أن تنتشر حتّى يُعدّ ما تعرضه قد وقع، ويكفي أن تتوقّف عن الدوران حتّى يُنسى كأنّه لم يكن.
وليس الخطر في كثرة الصور، بل في أنّها تسوّي بين كلّ ما تعرضه: كارثة وإعلان وخطبة تمرّ تحت الإصبع بالسرعة نفسها، فلا يبقى لشيء وزن يميّزه من غيره. ومن يملك الشاشات يملك البداهات، ومن لا صورة له لا صوت له. فهل نحطّم الشاشات؟ ذلك محال، وهو عبث أيضا، لأنّ الصورة من أقدم ما أبدعه الإنسان من وسائط. إنّما المطلوب أن نعيد إلى الكلمة زمنها: أن نتعلّم قراءة الصور كما نتعلّم قراءة النصوص، فنسأل من صنعها، ولماذا اختار هذه الزاوية، وماذا ترك خارج الإطار؛ وأن نحمي في يومنا أوقاتا للقراءة المتأنّية والكتابة والحوار الذي لا يُختصر في مقطع. فالصورة لا تُغلب بصورة أخرى، بل بإنسان يعرف أنّها صورة.»
حلّل هذا النصّ في صيغة مقال فلسفيّ مستعينا بالأسئلة التالية:
- فيمَ يختلف زمن الشاشة عن زمن الكتاب حسب النصّ؟
- ما دلالة قول الكاتب: «لقد صار المرئيّ حجّة على نفسه»؟
- بأيّ سبل يدعو الكاتب إلى أن نعيد إلى الكلمة زمنها؟
- إلى أيّ مدى يمكن أن يحرّرنا تعلّم قراءة الصور من سلطتها اليوم؟
(صاغ مسار النصّ وأسئلته على مثال نصّ دورة المراقبة 2024؛ والتعليمة وحدها منقولة بلفظها من ورقة الامتحان.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: لا يُجاب عن الأسئلة الأربعة أجوبة مرقّمة، فهي ترسم مسار المقال. الأوّل يقارن بين زمنين ويقود إلى الأطروحة (انقلاب معيار التصديق من الكلمة إلى المرئيّ)؛ والثاني يطلب دلالة قول يكثّف هذا الانقلاب؛ والثالث يطلب السبل كما يقترحها الكاتب، فلا يُنسب إليه ما لم يقله؛ فهذه الثلاثة مادّة التحليل. أمّا الرابع، بصيغته «إلى أيّ مدى…؟»، فيفتح النقاش على علاج الكاتب نفسه: هل تكفي قراءة الصور للتحرّر من سلطتها؟ فالمطلوب في النهاية مقال متّصل تُصهر فيه الأجوبة في مقدّمة وتحليل ونقاش وخاتمة.
العمل التحضيريّ (على المسودّة)
- المسألة: التواصل والأنظمة الرمزيّة — منزلة الصورة بين الوسائط، وسلطتها على معيار الحقيقة والقيمة.
- الأطروحة المستبعدة: أنّ الصورة وسيط شفّاف يقرّبنا من الواقع، فهي أصدق من الكلمة لأنّها تُري ولا تروي؛ وهو ما يسلّم به الوعي الشائع الذي يصدّق ما يراه، ولا يصرّح به النصّ بل يستبعده حين يقول إنّ الصورة «لم تعد نسخة من واقع يسبقها».
- الأطروحة المثبتة: عصر الشاشة قلب ميزان التصديق: صار المرئيّ حجّة على نفسه، فتراجعت المسافة التي كانت الكلمة تفتحها للتفكير، وتساوت الأشياء في العرض فضاع وزنها؛ والعلاج ليس تحطيم الشاشات بل إعادة الزمن إلى الكلمة وتعلّم قراءة الصور.
- بنية النصّ: (1) زمن الكتاب: الرمز لا يشبه ما يدلّ عليه، فالقراءة بناء ومسافة ← (2) زمن الشاشة: الصورة تشبه وتُدرَك دفعة واحدة، فانقلب ميزان التصديق، وصار الانتشار في العالم الافتراضيّ دليل وقوع ← (3) الخطر: التسوية بين المعروضات واحتكار البداهات ← (4) السبل: لا تحطيم للشاشات، بل قراءة الصور وحماية زمن القراءة والكتابة والحوار.
- موقع كلّ سؤال: الأسئلة الثلاثة الأولى تُبنى عليها لحظات التحليل، والرابع يُبنى عليه النقاش، دون أرقام في الورقة.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد من تجربة مألوفة، ثمّ تقديم النصّ ومسألته وأطروحته، ثمّ الإشكاليّة. مقدّمة ممكنة:
«يكفي اليوم أن يقول أحدنا «رأيتُ الفيديو» حتّى يُحسم نقاش كان يحتاج بالأمس إلى شهود وأدلّة. فالصورة صارت عندنا أقوى الحجج، ولا نكاد نسأل من صنعها ولا ماذا ترك خارجها. ومن هذه الثقة ينطلق النصّ الذي بين أيدينا، في مسألة التواصل والأنظمة الرمزيّة، ليقارن بين زمن الكتاب وزمن الشاشة. وأطروحته أنّ الشاشة لم تغيّر وسائل تواصلنا فحسب، بل قلبت معيار التصديق نفسه، فتراجعت المسافة التي كانت الكلمة تفتحها للتفكير، وتساوت الأشياء في العرض حتّى فقدت وزنها؛ وأنّ العلاج ليس في تحطيم الشاشات بل في إعادة الزمن إلى الكلمة وتعلّم قراءة الصور. فكيف تحوّلت الصورة من وسيط يقرّبنا من الواقع إلى معيار لما يُعدّ واقعا؟ وهل يكفي أن نتعلّم قراءتها لنتحرّر من سلطتها؟»
الجوهر — التحليل — الفكرة: لكلّ سؤال من الثلاثة الأولى فقرة: نعلن فكرتها، ونستشهد بعبارة الكاتب، ونبيّن كيف تشتغل الحجّة، ثمّ نمهّد لما يليها.
اللحظة الأولى — زمنان وعلامتان (السؤال الأوّل):
«يبني الكاتب مقارنته على طبيعة العلامة في كلّ زمن. ففي زمن الكتاب كان القارئ أمام حرف هو «رمز لا يشبه شيئا ممّا يدلّ عليه»، وكان عليه أن «يصنع بنفسه ما يقرؤه»: يتخيّل ويقارن ويربط، فكانت الكتابة «مدرسة للمسافة» يمتدّ فيها «زمن للتفكير» وُلد منه «الشكّ والنقد والحجّة». أمّا في زمن الشاشة فالصورة «تشبه ما تعرضه» و«تُدرَك دفعة واحدة»، ولا تطلب من صاحبها أن يتعلّم لغة. والفرق ليس في الوسيلة وحدها بل في ما يترتّب عنها: «انقلب ميزان التصديق»، فصرنا «نصدّق ما نراه قبل أن نفهمه، ونرتاب في كلّ ما يحتاج إلى شرح». فالتحوّل الأوّل معرفيّ: انتقل الاعتقاد من المفهوم إلى المشهود. ويتبعه تحوّل ثانٍ في منزلة الواقع نفسه، إذ لم تعد الصورة في العالم الافتراضيّ «نسخة من واقع يسبقها»، بل صار انتشارها دليلا على وقوع ما تعرضه، وتوقّفها عن الدوران نسيانا له.»
اللحظة الثانية — حين يشهد المرئيّ لنفسه (السؤال الثاني):
«ويكثّف الكاتب هذا الانقلاب في قوله: «لقد صار المرئيّ حجّة على نفسه». فالحجّة، في معناها الأصليّ، ما نستند إليه لنثبت شيئا آخر: شاهد يروي، أو برهان يستنتج، أو وثيقة تُفحص. وكان المرئيّ نفسه، في زمن الكلمة، يحتاج إلى حجّة: نسأل عمّن رآه وكيف ومتى. أمّا اليوم فالمرئيّ لا يحتاج إلى من يشهد له، لأنّه يشهد لنفسه بمجرّد أن يُرى؛ ولذلك صار «الشاهد الذي يروي ما رأى» يُطالَب بتسجيل، وصار البرهان يُهزم «أمام مشهد لا يدوم ثانيتين». ودلالة القول أنّ الصورة لم تعد موضوعا للحكم بل صارت هي الحكم: انتقلت من مرتبة ما يُفحص إلى مرتبة ما به نفحص. وهذا أخطر ما في سلطتها، لأنّ من يصنع الصورة يصنع معها البرهان؛ ومن هنا قول الكاتب: «ومن يملك الشاشات يملك البداهات».»
اللحظة الثالثة — ما يستبعده الكاتب وما يقترحه (السؤال الثالث):
«فما السبيل إلى الحدّ من هذه السلطة؟ يستبعد الكاتب أوّلا حلّا يبدو جذريّا: «فهل نحطّم الشاشات؟ ذلك محال، وهو عبث أيضا»؛ محال لأنّ الشاشة صارت وسط حياتنا، وعبث لأنّ «الصورة من أقدم ما أبدعه الإنسان من وسائط»، فلا معنى لأن نعادي علامة لا تنفصل عن الإنسان. ثمّ يقترح سبيلين يجمعهما هدف واحد: أن «نعيد إلى الكلمة زمنها». السبيل الأوّل أن «نتعلّم قراءة الصور كما نتعلّم قراءة النصوص»، أي أن نعيد إلى الصورة المسافة التي تمحوها، فنسأل «من صنعها، ولماذا اختار هذه الزاوية، وماذا ترك خارج الإطار». والسبيل الثاني أن نحمي في يومنا «أوقاتا للقراءة المتأنّية والكتابة والحوار». فالعلاج عند الكاتب ليس قانونا ولا رقابة، بل تربية للنظر وللوقت؛ وجملته الأخيرة تلخّصه: «فالصورة لا تُغلب بصورة أخرى، بل بإنسان يعرف أنّها صورة».»
الجوهر — النقاش (السؤال الرابع) — الفكرة: «إلى أيّ مدى…؟» سؤال درجة: نعترف بقيمة الأطروحة، ثمّ نقيس مدى علاجها، ثمّ نعيّن الحدّ الذي يقف عنده.
قيمة الأطروحة:
«لا تخلو هذه الأطروحة من وجاهة: فهي تفسّر لماذا ينتشر الخبر الملفّق المصوَّر أسرع من تصحيحه المكتوب، وتكشف أنّ سلطة الصورة ليست تقنيّة فحسب بل معرفيّة وسياسيّة، إذ «من لا صورة له لا صوت له». وهي تلتقي بتحليل غي ديبور لـ«مجتمع الفرجة»، حيث تصير العلاقات بين الناس علاقات تتوسّطها الصور، وبأطروحة بودريار في المحاكاة، حيث تسبق الصورة الواقع الذي يُفترض أنّها تنسخه. وعلاجها معتدل: لا يعادي الصورة، بل يطلب لها قارئا.»
حدود العلاج:
«غير أنّ تعلّم قراءة الصور، وإن كان ضروريّا، لا يكفي وحده. فأوّلا، هو علاج فرديّ لسلطة بنيويّة: الشاشات لا يملكها قرّاء متفرّقون بل مؤسّسات تحدّد ما يُعرض وما يُحجب، وقد بيّن بورديو في «عن التلفزيون» أنّ منطق نسب المشاهدة يفرض رقابة لا يراها أحد؛ فالحدّ من سلطة الصورة يقتضي أيضا فعلا جماعيّا في التشريع والتربية والنقاش العموميّ. وثانيا، قراءة الصورة تحتاج إلى زمن، والشاشة مصمَّمة لتسلبنا هذا الزمن: فالعلاج يحتاج إلى الشرط الذي يُفقده الداء. وثالثا، قد يبالغ النصّ في المقابلة بين الزمنين: فقد اتّهم أفلاطون الكتابة نفسها، في محاورة «فيدروس»، بأنّها تُضعف الذاكرة وتمنح مظهر الحكمة لا الحكمة؛ فالكلمة أيضا أنتجت أوهاما، والصورة حملت دائما معرفة وشهادة، من الخرائط إلى صور الأشعّة.»
الموقف:
«فالحدّ من سلطة الصورة ممكن، لكن إلى مدى معلوم: يمكن أن نستعيد المسافة التي تمحوها الصورة كلّما تعلّمنا أن نراها صورة، أي علامة صنعها أحد من زاوية ما؛ ولا يمكن أن نتحرّر منها تحرّرا فرديّا ما دام صنعها وتوزيعها بيد قلّة. فتعلّم قراءة الصور شرط ضروريّ لا شرط كافٍ، ويكتمل حين يصير التمييز بين المشهد والحجّة شأنا مشتركا تحميه المدرسة والقانون والنقاش العموميّ، لا مهارة يملكها بعض القرّاء.»
الخاتمة — الفكرة: جواب عن الإشكاليّة في جملتين، ثمّ سؤال يفتح أفقا جديدا. خاتمة ممكنة:
«لم تغيّر الشاشة وسائل تواصلنا فحسب، بل غيّرت ما نعدّه دليلا؛ وقد أصاب الكاتب حين رأى أنّ العلاج ليس في معاداة الصورة بل في إعادة الزمن إلى الكلمة والمسافة إلى النظر. لكنّ هذا العلاج لا يبلغ مداه ما لم يصر شأنا مشتركا، لأنّ من يصنع الصور ويوزّعها ليسوا من يُطلب منهم أن يحسنوا قراءتها. فهل تستطيع المدرسة أن تعلّم قراءة الصور وهي نفسها تتحوّل إلى شاشات؟»
ما يكلّف نقاطا:
- تقطيع العمل أجوبةً مرقّمة يُجاب فيها عن كلّ سؤال على حدة.
- سرد خصائص زمن الكتاب ثمّ خصائص زمن الشاشة دون بيان التحوّل الذي يربط بينهما (انقلاب ميزان التصديق).
- نسبة سبل إلى الكاتب لم يذكرها (الرقابة، القانون، منع الشاشات): النصّ يستبعد تحطيم الشاشات صراحة؛ ويمكن اقتراح هذه السبل في النقاش إضافةً إلى النصّ لا قراءةً له.
- حسم «إلى أيّ مدى» بقبول مطلق أو رفض مطلق، أو بموقف عامّ في «سلبيّات الصورة» دون العودة إلى أطروحة النصّ.
لا يُطبع سلّم على موضوع شعبة الآداب.