الموضوع الثاني — مقال فلسفيّ (على شاكلة اختبار شعبة الآداب)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ والموضوع التالي سؤال يُجاب عنه بمقال.
الموضوع: هل يُخفي كلُّ تواصلٍ إرادةً في الهيمنة؟
المطلوب: حرّر مقالا فلسفيّا متماسكا (مقدّمة، جوهر، خاتمة).
(سؤال من إعداد مسار على منوال الموضوع الثاني لدورة المراقبة 2023 في شعبة الآداب: نُقل الارتياب من «الحاجة إلى التواصل» إلى «كلّ تواصل»، فصار في السؤال لفظ تعميم يُمتحَن.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: السؤال في صيغة «هل» يحمل أطروحة ضمنيّة: أنّ التواصل، أيّا كان، ستار لإرادة هيمنة. وهو يقوم على فعل ارتياب («يُخفي») لا على فعل وصف («يخدم»، «يرافق»): فلا يسأل هل يمكن أن يُستعمل التواصل للهيمنة، وهذا لا يحتاج إلى برهان، بل هل الهيمنة حقيقته المستترة وراء ظاهر التفاهم. ثمّ يضاعف لفظ «كلّ» المطلوب، لأنّه يجعل الارتياب قانونا عامّا. فالمقال يحلّل أوّلا هذا الارتياب ويبني حججه، ثمّ يمتحن تعميمه، ثمّ يفصل ما هو ادّعاء في التواصل ممّا هو حقيقيّ.
العمل التحضيريّ: تفكيك الصيغة
- «هل»: صيغة مفتوحة تسمح بأن تُتبنّى الأطروحة الضمنيّة في التحليل ثمّ تُنسَّب في النقاش، أو العكس؛ وقد نبّه الإصلاح الرسميّ لموضوع الوسائط الرمزيّة في الدورة الرئيسيّة 2022 (الآداب) إلى أنّ هذه الصيغة تترك حرّيّة اختيار التمشّي، شريطة ألّا يقع المترشّح في الارتباك المنهجي، وإلى أنّ المقال فيها لا يستغني عن لحظة توفّق بين الموقفين أو تتجاوزهما.
- «يُخفي»: فعل يفترض أنّ ما يبدو غير ما يكون، فهو يقيم طبقتين: ظاهر التواصل (تبادل المعنى، طلب التفاهم، الاشتراك في عالم واحد) وباطنه المفترض (إرادة إخضاع من نخاطبه). وهو من ألفاظ الارتياب التي تحمل تشكيكا ضمنيّا، مثل «فعلا» و«حقّا» و«مجرّد».
- «كلّ تواصل»: تعميم يشمل الحديث اليوميّ والحوار والتعليم والإشهار والخطاب السياسيّ؛ والنقاش سيسأل: هل يصحّ على جميعها ما يصدق على بعضها؟
- «إرادة في الهيمنة»: طلب إخضاع المخاطَب وتوجيهه دون اعترافه؛ وهي غير السلطة المشروعة التي يقبلها من تُمارَس عليه عن معرفة ورضى، وغير التأثير الذي يقبل الردّ عليه.
المقدّمة — الفكرة: نبدأ بالتباس نعيشه كلّ يوم، ثمّ نعيد صياغة السؤال محافظين على لفظي «يُخفي» و«كلّ»، ثمّ نطرح الإشكاليّة. مقدّمة ممكنة:
«حين نقنع صديقا برأي نراه صائبا نشعر أنّنا أشركناه في ما نفهمه؛ وحين يقنعنا مُعلِن بشراء ما لا نحتاج إليه نشعر أنّنا غُلبنا. والفعل في الحالتين واحد: كلام يتّجه إلى الغير ليغيّر ما يعتقده أو ما يفعله. ومن هذا الالتباس يولد الارتياب الذي يحمله السؤال: هل يُخفي كلّ تواصل إرادة في الهيمنة؟ فهل نخاطب غيرنا لنشاركه المعنى، أم لنستولي على فهمه ونوجّه فعله من حيث لا يدري؟ وإذا صحّ أنّ بعض التواصل قناع تتستّر به إرادة السيطرة، فهل يصحّ ذلك على كلّ تواصل، أم أنّ ردّ التواصل كلّه إلى الهيمنة يهدم المعيار الذي به نكشف الهيمنة نفسها؟»
الجوهر — لحظة التحليل — الفكرة: قبل الاعتراض على الارتياب نمنحه أقوى حججه: نعيّن الأطروحة الضمنيّة ومسلّماتها، ثمّ نشغّل حججا من مستويات مختلفة بدل أن نسرد أسماء.
- الأطروحة الضمنيّة: التواصل ليس بريئا؛ فخلف طلب التفاهم إرادة في أن يُفرض على المخاطَب معنى وتأويل وسلوك.
- مسلّماتها: أنّ ظاهر السلوك الإنسانيّ لا يطابق باطنه؛ وأنّ أطراف التواصل غير متكافئة أصلا؛ وأنّ الهيمنة أنجع حين تمرّ بالكلمة، لأنّها تنال رضى من تُمارَس عليه.
- على مستوى اللغة نفسها: التسمية ليست وصفا محايدا بل فرض لمنظور؛ ويذهب نيتشه في «جينيالوجيا الأخلاق» إلى أنّ حقّ السادة في منح الأسماء يسمح بأن نفهم أصل اللغة نفسها تعبيرا عن سلطة المسيطرين.
- على مستوى المتكلّمين: لا تُقنع الكلمة بمضمونها وحده بل بمنزلة قائلها؛ ويبيّن بورديو أنّ اللغة «المشروعة» تفرض تصنيفات الفئة المهيمنة وتنال قبول من تقصيهم، وهو ما يسمّيه عنفا رمزيّا.
- على مستوى فنّ الإقناع: قال غورغياس في «مدح هيلين» إنّ الكلام سيّد عظيم القدرة، ورأى أفلاطون في محاورة «غورغياس» أنّ الخطابة تصنع الاعتقاد دون العلم؛ والإشهار والدعاية اليوم يستعيران شكل الحوار («رأيك يهمّنا») ليوجّها السلوك.
نموذج فقرة من التحليل:
«يقوم الارتياب الذي يحمله السؤال على مسلّمة أولى: أنّ ما يظهر من التواصل لا يطابق ما يحرّكه. فنحن نحسب الكلام جسرا بين عقلين، والحال أنّه لا يعبر إلى الغير إلّا محمَّلا بمنزلة من يقوله: فكلمة الأستاذ أو الطبيب أو المذيع تُصدَّق قبل أن تُفحص، وكلمة من لا منزلة له تُهمَل ولو صدقت. وهذا ما يسمّيه بورديو عنفا رمزيّا: هيمنة لا تحتاج إلى إكراه، لأنّ من يخضع لها يتبنّى التصنيفات التي تقصيه ويراها طبيعيّة. فالتواصل، بهذا المعنى، لا يرافق الهيمنة من الخارج، بل هو الوسط الذي تمرّ به دون أن تُرى؛ وكلّما بدا أبرأ كان أنجع.»
الجوهر — لحظة النقاش — الفكرة: نعترف بما تكسبه أطروحة الارتياب، ثمّ نمتحن التعميم الذي يحمله لفظ «كلّ». نسوق ثلاثة حدود، ونبدأ بأشدّها: الحدّ الذي يصيب التعميم ذاته.
- المكاسب: يقظة نقديّة إزاء الخطاب الإعلاميّ والإشهاريّ والسياسيّ؛ الكشف عن أنّ الهيمنة الحديثة تمرّ بالكلمة والصورة أكثر ممّا تمرّ بالقوّة؛ ودرس ما يسمّيه ريكور «مدرسة الارتياب» (ماركس ونيتشه وفرويد): ألّا نأخذ الظاهر على علّاته.
- حدّ أوّل — تعميم ينقض نفسه: من يعلن أنّ الكلام كلّه ستار للسيطرة يخاطبنا هو أيضا، فيقع قوله تحت حكمه ويفقد ما يطلبه من تصديق. ثمّ إنّ وصف تواصل ما بأنّه متلاعب يفترض أنّنا نعرف تواصلا لا تلاعب فيه نقيس عليه؛ فالتفاهم شرط لكشف الخداع، وليس قناعا من أقنعته.
- حدّ ثانٍ — استعمالان للكلام: يفرّق هابرماس بين كلام يطلب اتّفاقا عن اقتناع، وهو الفعل التواصليّ، وكلام يطلب بلوغ غرض ولو بالتحايل، وهو الفعل الاستراتيجيّ؛ والثاني يعيش على الأوّل، لأنّ الكذب لا ينجح إلّا حيث يُفترض الصدق. فالهيمنة انحراف بالتواصل لا حقيقته المستترة.
- حدّ ثالث — ما يُفقَد بالتعميم: للتواصل وظائف لا تُردّ إلى الهيمنة: التعبير عن الألم وطلب العون، والحوار الذي يولّد الحقيقة عند سقراط، والصداقة التي يسمّي فيها ياسبرس التواصل الأصيل «صراعا محبّا» يطلب فيه كلّ طرف الحقيقة مع الآخر لا ضدّه.
نموذج فقرة من النقاش:
«غير أنّ هذا الارتياب، إذا صار قانونا يشمل كلّ تواصل، ينقلب على نفسه. فمن يقول لنا إنّ كلّ كلام قناع للسيطرة يطلب منّا، هو أيضا، أن نصدّقه؛ فإمّا أن يكون كلامه قناعا فلا نلتفت إليه، وإمّا أن يكون استثناء فيسقط التعميم. ثمّ إنّ التلاعب لا ينجح إلّا لأنّ الناس يفترضون في الكلام الصدق: لو كان كلّ خطاب خدعة لما انخدع أحد. ولهذا يرى هابرماس أنّ الفعل الموجَّه نحو التفاهم أصليّ، وأنّ الفعل الاستراتيجيّ يعيش عليه كما يعيش الطفيليّ على جسم سليم. فالهيمنة إمكان يسكن التواصل، لا حقيقة يخفيها كلّ تواصل.»
التركيب والموقف — الفكرة: لا نكتفي بالقول إنّ الصواب «بين الأمرين»، بل نقترح معيارا يفصل التواصل عن الهيمنة. موقف ممكن: «ليس كلّ تواصل قناعا للهيمنة، لكنّ كلّ تواصل يحمل إمكانها، لأنّه يجري بين أطراف غير متكافئة في المنزلة والمعرفة واللغة. والفيصل بينهما هو إمكان الردّ: التواصل الحقّ يعامل المخاطَب محاورا يسأل ويعترض ويرفض، والهيمنة تجعله موضوعا يُوجَّه ولا يُسأل. فالسؤال الذي يبقى ليس: هل يُخفي التواصل إرادة هيمنة؟ بل: بأيّ شروط يحفظ التواصل للمخاطَب حقّه في الجواب؟»
الخاتمة — الفكرة: حصيلة تجيب عن الإشكاليّة دون تكرار، ثمّ أفق مفتوح. مثال: «هكذا تبيّن أنّ الارتياب في التواصل مشروع حين يكشف ما تستره الكلمة من منزلة وإغراء وتوجيه، وأنّه يفقد مشروعيّته حين يصير حكما على كلّ تواصل، لأنّه يهدم عندئذ المعيار الذي به نميّز الإقناع من الإخضاع. فالتواصل لا يُخفي الهيمنة بطبعه، بل يتعرّض لها كلّما نسي أنّ غايته أن يُسمَع صوتان لا صوت واحد. فهل تستطيع منصّات «التواصل الاجتماعيّ»، وهي ترتّب كلامنا بحسب ما يجذب الانتباه، أن تحفظ هذا الشرط؟»
مرجعيّات: يذكر الإصلاح الرسميّ لموضوع الوسائط الرمزيّة في الدورة الرئيسيّة 2022 (الآداب) كاسيرر وبودريار ودوبري وبنفنيست وإريك فروم؛ ويُضاف هنا نيتشه وبورديو وهابرماس وياسبرس، شرط أن يُشغَّل كلّ منهم في الجواب عن لفظ «يُخفي» أو لفظ «كلّ»، لا أن يُسرد.
ما يكلّف نقاطا: مقدّمة تجيب بنعم أو لا قبل التحليل؛ إغفال الفعل «يُخفي» فيصير الموضوع علاقة عامّة بين التواصل والسلطة؛ إغفال لفظ «كلّ» فيُكتفى بإثبات أنّ بعض التواصل تلاعب؛ الخلط بين التواصل والاتّصال التقنيّ؛ أمثلة من الإعلام بلا تأصيل فلسفيّ؛ سرد المرجعيّات.
لا يُطبع سلّم على موضوع شعبة الآداب.