القسم الثاني: محاولة في حدود ثلاثين سطرا (10 نقاط) — على شاكلة الورقة المشتركة للشعب العلميّة وشعبة الاقتصاد والتصرّف
يختار المترشّح أحد السؤالين المقترحين ليحرّر في شأنه محاولة في حدود ثلاثين سطرا؛ هذا أحدهما.
السؤال: إذا كانت الهويّة الثقافيّة التزامًا يختاره الإنسان، فهل يضعها ذلك فوق كلّ نقد؟
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: السؤال شرطيّ. المقدّمة («الهويّة الثقافيّة التزام يختاره الإنسان») مسلَّمة لا تُناقش في ذاتها، والمطلوب فحص اللزوم: هل ينتج عن كونها التزاما أنّها محصّنة من النقد؟ ومن يقضي المحاولة في إثبات أنّ الهويّة انتماء موروث لا التزام، يجيب عن سؤال آخر.
العمل التحضيريّ: تفكيك السؤال
- «إذا كانت… التزامًا يختاره الإنسان»: الهويّة هنا ليست معطى يولد به المرء، بل انخراط حرّ في لغة وقيم وتاريخ، ووفاء لها يتعهّد به صاحبها.
- «فهل يضعها ذلك»: سؤال عن اللزوم المنطقيّ بين المقدّمة والنتيجة، لا عن قيمة الهويّة.
- «فوق كلّ نقد»: حصانة مطلقة يحملها لفظ «كلّ». والنقد مساءلة ومراجعة قد تأتي من الداخل أو من الخارج.
- المسلّمة الضمنيّة: أنّ الالتزام والنقد متنافيان، فمن التزم لا يراجع، ومن راجع خان.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد يعرض التوتّر، ثمّ إشكاليّة تتبع بنية الشرط. مقدّمة ممكنة:
«حين يدافع شابّ عن لغته الأمّ أو عن تقاليد مدينته، فهو لا يكرّر ما ورثه آليّا، بل يختار أن يتبنّاه ويعلن وفاءه له. ومن هنا الحجّة التي تُرفع في وجه كلّ مراجعة: ما دمتُ قد اخترتُ هويّتي والتزمتُ بها، فليس لأحد أن يحاسبني عليها. فإذا كانت الهويّة الثقافيّة التزاما، فهل يجعلها ذلك في مأمن من النقد، أم أنّ الالتزام نفسه لا يستقيم إلّا بقدرة صاحبه على المساءلة؟ وأيّ نقد تحتاجه الهويّة، وأيّه يهدّدها؟»
التحليل: لماذا يبدو اللزوم صحيحا — الفكرة: نبني الاستنتاج الذي يوحي به السؤال بأقوى حججه قبل فحصه.
- الالتزام تعهّد: من التزم وعد بالثبات، والوعد عند ريكور هو ما يجعلني الشخص نفسه عبر الزمن رغم تغيّري؛ ولذلك يبدو النقد الدائم نقضا للوعد.
- الاختيار الحرّ يُحترم: إذا كانت الهويّة اختيارا، فنقدها من الخارج يبدو تعدّيا على حرّيّة صاحبها، وامتدادا لنظرة تقيس ثقافات الآخرين بمقياس ثقافة واحدة.
- حاجة الجماعات المهدّدة: الجماعة التي تتعرّض للهيمنة تحتاج إلى التزام صلب تقاوم به، فالنقد في لحظة الخطر قد يُضعف صفّها.
فقرة ممكنة من التحليل: «يبدو الاستنتاج مشروعا لأوّل وهلة: فالالتزام ليس رأيا عابرا بل عهد يربط المرء بما اختار، ومن يراجع عهده كلّما اعتُرض عليه لا يكون ملتزما أصلا. ثمّ إنّ الهويّة المختارة تعبير عن حرّيّة صاحبها، فمن ينتقدها من الخارج يحكم على اختيار ليس اختياره. وقد عرفت الشعوب المستعمَرة كيف يُستعمل «النقد» ستارا لاحتقار لغاتها وعاداتها، فكان التمسّك بها فعل مقاومة.»
النقاش: اللزوم لا يصحّ إلّا بشرط — الفكرة: نعترف بما يصيبه التحليل، ثمّ نبيّن أنّ المقدّمة نفسها تنقض النتيجة.
- الالتزام اختيار يتجدّد: ما يميّز الالتزام من الانتماء المفروض أنّه اختيار، والاختيار يفترض القدرة على السؤال: لماذا ألتزم؟ وبماذا؟ فإذا أُغلق باب المراجعة، صار الالتزام انتماء موروثا من جديد؛ وهذا ما يسمّيه سارتر «سوء النيّة»: أن يعامل الإنسان اختياره كأنّه طبيعة لا يملك تغييرها.
- النقد شرط الاستقلال: يعرّف كانط الأنوار بخروج الإنسان من القصور، أي من عجزه عن استعمال عقله دون وصاية غيره؛ والهويّة التي لا تُساءَل تجعل صاحبها قاصرا تجاه ما ورثه.
- الهويّة المحصّنة تنغلق: يبيّن أمين معلوف أنّ الهويّة تصير «قاتلة» حين يُختزل صاحبها في انتماء وحيد يُرفع فوق كلّ مساءلة، فيرى في كلّ من يخالفه عدوّا.
فقرة ممكنة من النقاش: «غير أنّ الحجّة تنقلب على صاحبها: فإذا كانت الهويّة التزاما، فقيمتها في أنّها مختارة، ولا اختيار حيث يُمنع السؤال. إنّ من يقول «اخترتُ هويّتي فلا تسألني عنها» يعامل اختياره كأنّه قدر، فيعود من حيث لا يدري إلى الهويّة الموروثة التي أراد أن يتجاوزها. والتاريخ يبيّن أنّ الثقافات التي أعادت قراءة تراثها، كما فعل المصلحون في القرن التاسع عشر، لم تخن هويّتها بل أحيتها.»
الموقف — الفكرة: نحدّد الشرط الذي يصحّ فيه جزء من اللزوم. مثال: «يحمي الالتزامُ الهويّةَ من الاحتقار والإملاء، أي من نقد لا يريد فهمها بل محوها؛ لكنّه لا يحميها من النقد الذاتيّ، بل يقتضيه. فالهويّة الملتزمة مشروع يبقى مفتوحا على مراجعة نفسه، والتمييز بين نقد يحاور ونقد يحتقر هو ما يفصل الوفاء عن الانغلاق.»
الخاتمة — الفكرة: حصيلة تجيب عن السؤال بالشرط الذي انتهى إليه الجوهر، ثمّ أفق مفتوح. مثال: «هكذا لا يضع الالتزامُ الهويّةَ الثقافيّة فوق كلّ نقد، بل يجعلها أحوج إليه من الهويّة الموروثة، لأنّه لا يبقى التزاما إلّا ما دام صاحبه قادرا على أن يسأل نفسه لماذا يلتزم. فهل نستطيع أن نعلّم أبناءنا حبّ لغتهم وتاريخهم دون أن نعلّمهم الخوف من مساءلتهما؟»
ما يكلّف نقاطا: رفض المقدّمة بدل فحص الاستنتاج؛ الخلط بين النقد والاحتقار أو بين النقد والتخلّي؛ تحليل يمرّ سريعا على حجج الحصانة فيبدو النقاش بلا خصم؛ خاتمة تكتفي بـ«الهويّة يجب أن تنفتح» دون الشرط الذي بُني في الجوهر.