القسم الثاني: محاولة في حدود ثلاثين سطرا (10 نقاط) — على شاكلة الورقة المشتركة للشعب العلميّة وشعبة الاقتصاد والتصرّف
يختار المترشّح أحد السؤالين المقترحين ليحرّر في شأنه محاولة في حدود ثلاثين سطرا؛ هذا أحدهما.
السؤال: هل تُتيحُ العَوْلَمَةُ، حَقًّا، الحِوارَ بين الثَّقافات؟
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: لفظ «حقًّا» يغيّر السؤال: لا يسأل هل للعولمة أثر في علاقة الثقافات، بل هل يصدق الوعد الذي يُنسب إليها. فالمحاولة تعرض أوّلا ما يجعل هذا الوعد مقنعا، ثمّ تبيّن ما يخفيه، ثمّ تنتهي إلى موقف يحدّد شروط الحوار الفعليّ. وفي ثلاثين سطرا تكفي فقرة لكلّ لحظة.
العمل التحضيريّ: تفكيك السؤال
- «العولمة»: ترابط اقتصاديّ وتقنيّ وإعلاميّ يجعل السلع والصور والأشخاص تعبر الحدود بسرعة غير مسبوقة.
- «تتيح»: تجعل الشيء ممكنا؛ السؤال لا يسأل هل تفرض العولمة الحوار، بل هل توفّر شروطه.
- «حقًّا»: لفظ ريبة. يسلّم السؤال بوجود وعد شائع (عالم متّصل، «قرية كونيّة») ثمّ يشكّ في صدقه؛ فالإجابة تبدأ بالتمييز بين ما يبدو وما يحدث فعلا.
- «الحوار بين الثقافات»: تبادل للمعاني يعترف فيه كلّ طرف بالآخر محاورا مساويا له، لا مجرّد انتقال للسلع والمعلومات.
- المسلّمة الضمنيّة للوعد: أنّ كثرة الاتّصال تكفي لقيام الحوار. وعلى هذه المسلّمة يقع الفحص.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد من مفارقة معيشة، ثمّ إشكاليّة تحمل لفظ الريبة. مقدّمة ممكنة:
«لم يعد بين أيّ تلميذ في تونس وأغنية من سيول أو رواية من بوغوتا إلّا لمسة على شاشة. ويُستنتج من ذلك عادة أنّ العولمة قرّبت الشعوب وفتحت بينها باب التفاهم. غير أنّ هذا القرب يجاور سوء فهم متزايدا، وخوفا من الغريب، وشعورا لدى ثقافات كثيرة بأنّها تُرى ولا تُسمع. فهل تتيح العولمة حقًّا الحوار بين الثقافات، أم أنّها توفّر قنوات الاتّصال وتترك الحوار نفسه رهين موازين القوّة؟ وبأيّ شروط يصير هذا الإمكان حوارا فعليّا؟»
التحليل: ما يبرّر الوعد — الفكرة: نعرض الموقف الذي يفترضه السؤال بحجج مشغّلة، لا بسرد أسماء.
«تبدو العولمة، في المقام الأوّل، شرطا تقنيّا للحوار لم يعرفه البشر من قبل. فقد وصف مارشال ماكلوهان منذ ستّينات القرن العشرين عالما صارت فيه وسائل الاتّصال تجعل الأرض «قرية كونيّة»، والترجمة والنشر الرقميّ اليوم يضعان آداب الشعوب البعيدة بين يدي كلّ قارئ. ثمّ إنّ اللقاء المتكرّر يزعزع المركزيّة الإثنيّة التي انتقدها ليفي ستروس، أي ميل كلّ ثقافة إلى قياس غيرها بمعاييرها: فمن عرف الآخر من قريب صعب عليه أن يراه همجيّا. وأخيرا تفرض العولمة على البشر مشكلات لا يحلّها شعب وحده، كتغيّر المناخ والأوبئة، فتدفعهم إلى التفاوض والتعاون.»
النقاش: ما يخفيه الوعد — الفكرة: نعترف بما سبق، ثمّ نبيّن أنّ الإتاحة لا تعني الحوار؛ والحدود هنا ثلاثة.
- اللاتكافؤ: القنوات مشتركة، لكنّ القدرة على الإنتاج والبثّ ليست كذلك؛ فبعض الثقافات تصنع الصور وأخرى تستهلكها، ويصير الانفتاح طريقا في اتّجاه واحد.
- التنميط: يسمّي محمّد عابد الجابري ذلك «الاختراق الثقافيّ»: ثقافة تقدّم نفسها نموذجا فتوجّه الأذواق والإدراك، حتّى يتشابه الناس دون أن يتحاوروا.
- الاتّصال غير التفاهم: يميّز هابرماس بين فعل تواصليّ غايته التفاهم وفعل استراتيجيّ غايته التأثير في الغير؛ وحين تُختزل العلاقة بين الثقافات في كسب المستهلك يصير الآخر هدفا لا محاورا. بل قد تولّد هذه الهيمنة ردّ فعل معاكسا: هويّات تنغلق خوفا من الذوبان، وهو ما سمّاه أمين معلوف «الهويّات القاتلة».
فقرة ممكنة من النقاش: «غير أنّ لفظ «حقًّا» ينبّه إلى أنّ ما تتيحه العولمة هو الاتّصال لا الحوار. فأن يصل صوتي إلى أقاصي الأرض لا يعني أنّ أحدا يصغي إليه، وأن تُعرض ثقافتي في واجهات العالم صورا سياحيّة لا يعني أنّها تُفهم. والحوار يفترض محاورين متكافئين، والسوق لا تعرف إلّا منتجين ومستهلكين؛ فإذا تُرك الأمر للسوق وحدها، انتهى الانفتاح إلى تشابه بلا تفاهم، وأيقظ عند المقصيّين رغبة في الانغلاق.»
الموقف — الفكرة: لا حلّ وسط غامض، بل تحديد دقيق لما تتيحه العولمة ولما لا تتيحه. مثال: «العولمة تتيح إمكان الحوار ولا تضمنه: تمنح القنوات، ويبقى الحوار فعلا إراديّا له شروطه. أوّلها الاعتراف، أي أن تُعامَل كلّ ثقافة محاورا لا زبونا، كما يطالب تشارلز تايلور بسياسة للاعتراف؛ وثانيها الترجمة في الاتّجاهين، التي جعلها ريكور نموذجا لضيافة لغة الغير؛ وثالثها العدل في التبادل، بتنظيم يحدّ من الهيمنة.»
الخاتمة — الفكرة: حصيلة تجيب عن السؤال بما انتهى إليه الجوهر، ثمّ أفق لا يعيد المقدّمة. مثال: «هكذا يتبيّن أنّ العولمة قرّبت المسافات أكثر ممّا قرّبت العقول: هي إمكان للحوار تحوّله الهيمنة إلى تنميط، ويحوّله الاعتراف والترجمة والعدل إلى لقاء. فهل نملك، نحن الذين نستهلك صور العالم كلّ يوم، أن نُسمع العالم صوتنا نحن؟»
ما يكلّف نقاطا: تجاهل لفظ «حقًّا» والإجابة كأنّ السؤال «ما آثار العولمة؟»؛ الخلط بين الاتّصال والحوار؛ محاولة تهاجم العولمة من أوّلها إلى آخرها دون أن تعرض ما يبرّر الوعد؛ خاتمة تدعو إلى الانغلاق حلّا، وهو ما يسقط فيه النقاش نفسه.