التمرين الثالث: النصّ (6 نقاط) — على شاكلة الورقة المشتركة للشعب العلميّة وشعبة الاقتصاد والتصرّف
النصّ:
يُقال لنا أحيانا إنّ على كلّ شعب أن يحرس خصوصيّته كما يحرس حدوده، وإنّ الانفتاح على ما يأتي من الشعوب الأخرى خطر يهدّد الهويّة بالذوبان. ويبدو هذا الخطاب حكيما، لأنّه يدافع عن اللغة والذاكرة والعادات التي بها يكون الإنسان من مكان ما. غير أنّه يخلط بين الجذور والأسوار. فالجذر يغذّي الشجرة ولا يمنع أغصانها من أن تمتدّ في الهواء الذي يتقاسمه الجميع، أمّا السور فلا يحمي ما وراءه إلّا بأن يحبسه.
والثقافة التي تُسجن في حدود خصوصيّتها لا تحفظ نفسها بل تذبل. فهي لا تعرف ملامحها إلّا حين تقابل ما يختلف عنها، كما لا يسمع المرء لهجته إلّا حين يسافر؛ فإذا أغلقت أبوابها صارت تكرّر ما قالته حتّى يفقد معناه، وتحسب عاداتها طبيعة الإنسان نفسها. ثمّ إنّها لا تنظر إلى الغريب إلّا بوصفه تهديدا، فتهيّئ، من حيث لا تدري، أرض العداوة. إنّ من يرفض أن يتلقّى شيئا من غيره، أو أن يمنحه شيئا، ينكر أنّ بينهما إنسانيّة مشتركة.
ليست الكونيّة إذن ثقافة واحدة تُفرض على الجميع، ولا خليطا تذوب فيه الفوارق، بل هي القدرة على التواصل عبر الاختلاف: أن أبقى وفيّا لتاريخي وأنا أصغي إلى تاريخ غيري، فلا أنسخه ولا أمحوه، بل أحاوره. وفي هذا الحوار يغتني الطرفان كلاهما، لأنّ كلّا منهما يكتشف في الآخر إمكانا إنسانيّا لم يكن يعرفه في نفسه. هكذا لا يصير الإنسان كونيّا بالتخلّي عن خصوصيّته، بل بأن يجعل منها منطلقا نحو الآخرين. فتعدّد الثقافات ليس عائقا أمام الإنسانيّة الواحدة، بل هو الطريق الذي تتعرّف به على نفسها.
نصّ تدريبيّ من إنشاء مسار، يستلهم فكرة التواصل الكونيّ عند كارل ياسبرز.
أنجز المهامّ التالية انطلاقا من النصّ:
- حدّد إشكاليّة النصّ. (نقطتان)
- اكشف عن إحدى تبعات الخطاب الذي يسجن الثقافة «في حدود خصوصيّتها». (نقطتان)
- اكشف عن أحد رهانات النصّ. (نقطتان)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: ثلاث مهامّ مستقلّة من نقطتين، لكلّ منها فقرة قصيرة تستند إلى لفظ النصّ. المهمّة الثانية هي صيغة 2024: لا يُسأل فيها عن أطروحة الكاتب، بل عن خطاب يعرضه ثمّ يرفضه، والمطلوب ما يلزم عن هذا الخطاب إذا عُمل به. ولذلك نبدأ بتعيين الخطاب قبل البحث عن تبعته.
1. الإشكاليّة (2 ن) — الفكرة: نبحث عن التوتّر بين جوابين: حماية الخصوصيّة بإغلاق الأبواب، أو إحياؤها بالتواصل؛ ثمّ نضيف سؤالا عن معنى الكونيّ الذي لا يلغيها.
صياغة ممكنة: هل تُصان خصوصيّة الإنسان الثقافيّة بالانغلاق عليها وحراستها ممّا يأتي من الشعوب الأخرى، أم أنّها لا تحيا إلّا بالتواصل معها؟ وإذا لم يكن الكونيّ ثقافة واحدة تُفرض على الجميع، فبأيّ معنى يستطيع الإنسان أن يكون كونيّا دون أن يتخلّى عن خصوصيّته؟
تشتغل الصياغة بمفاهيم النصّ: الخصوصيّة، الكونيّة، التواصل، الانغلاق، الإنسانيّة المشتركة. أمّا سؤال التعريف («ما الكونيّة؟») أو عبارة «يتحدّث الكاتب عن الكونيّة» فلا يصوغان مشكلا.
2. تبعة الخطاب الذي يسجن الثقافة «في حدود خصوصيّتها» (2 ن) — الفكرة: الخطاب المقصود هو الموقف الذي يفتتح به النصّ بصوت غير صوت الكاتب («يُقال لنا») ثمّ يرفضه بأداة الاستدراك («غير أنّه»). والتبعة نتيجة تلزم عنه، لا إعادة له ولا حكم عليه؛ والنصّ يعدّد تبعاته، فنختار واحدة ونعلّلها بلفظه.
- الخطاب: أن يحرس كلّ شعب خصوصيّته «كما يحرس حدوده»، لأنّ الانفتاح «خطر يهدّد الهويّة بالذوبان».
- تبعة ممكنة، الذبول: يترتّب عن هذا الخطاب أنّ الثقافة المنغلقة «لا تحفظ نفسها بل تذبل». فهي لا تعرف ملامحها إلّا «حين تقابل ما يختلف عنها»؛ فإذا أغلقت أبوابها كرّرت ما قالته «حتّى يفقد معناه»، و«تحسب عاداتها طبيعة الإنسان نفسها». فالخطاب الذي أراد أن يحمي الهويّة ينتهي إلى إفقارها، أي إلى نقيض غايته.
- تبعات أخرى مقبولة إذا عُلّلت: تحويل الغريب إلى «تهديد» يهيّئ «أرض العداوة»؛ أو إنكار «إنسانيّة مشتركة» بين من يرفض أن يتلقّى من غيره شيئا أو أن يمنحه شيئا.
- ما لا يُقبل: «يرى الكاتب أنّ الانغلاق خطأ»، فهذا حكم لا تبعة؛ أو إعادة صياغة الخطاب نفسه.
3. أحد رهانات النصّ (2 ن) — الفكرة: الرهان ما يكسبه الكاتب إن صحّ موقفه؛ نصوغه بعبارة «يراهن النصّ على…» ثمّ نعلّله، دون أن نعيد الأطروحة.
رهان إيتيقيّ-سياسيّ: يراهن النصّ على تخليص الكونيّ من صورتين تفسدانه: أن يكون «ثقافة واحدة تُفرض على الجميع»، أو «خليطا تذوب فيه الفوارق». فإذا صارت الكونيّة «القدرة على التواصل عبر الاختلاف»، أمكن الدفاع عن الخصوصيّات دون تعصّب والانفتاح على الآخرين دون تبعيّة، وسقطت حجّة من يبرّر العداوة بحماية الهويّة.
رهان أنثروبولوجيّ مقبول: الإنسان لا يعرف إمكاناته كلّها إلّا في غيره، إذ «يكتشف في الآخر إمكانا إنسانيّا لم يكن يعرفه في نفسه»؛ فتعدّد الثقافات شرط لتعرّف الإنسانيّة على نفسها، لا عائق أمام وحدتها.