الموضوع الثالث — النصّ (على شاكلة اختبار شعبة الآداب؛ نصّ من إعداد مسار)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ وما يلي هو الموضوع الثالث، أي النصّ الذي يُحلَّل.
النصّ (من إعداد مسار على منوال نصّ روسو في الدورة الرئيسيّة 2024، غير منسوب إلى مؤلّف):
«ننفق أعمارنا في طلب ما نظنّ أنّه سيسعدنا: مالا أو مكانة أو لقاء أو سفرا، ثمّ نكتشف، كلّما بلغناه، أنّ أجمل ما فيه كان انتظاره. فالمسافر يعيش رحلته قبل أن يبدأها: يرسم طرقها، ويتخيّل مدنها، وينزل في فنادقها وهو بعدُ في بيته؛ فإذا وصل وجد المدن أصغر ممّا رأى، والشوارع أكثر ضجيجا ممّا سمع. وليس ذلك لأنّ الأشياء خدعته، بل لأنّ خياله كان قد صاغها على مقاس رغبته، ثمّ جاء الواقع بمقاسه هو. ومثله من ينتظر رسالة ممّن يحبّ: يقرؤها في خياله مرّات قبل أن تصل، فإذا وصلت قرأها مرّة واحدة ووضعها جانبا. إنّ الرغبة لا تكتفي بأن تدفعنا نحو موضوعها، بل تهبه لنا قبل أن نناله: تقرّبه وتزيّنه وتجعلنا نتذوّقه في غيابه. ولذلك كان الترقّب نفسه لذّة، وكان القلق الذي يصحبه ضربا من الفرح الخفيّ. أمّا الحصول فيطفئ هذا الضوء: ما نملكه لا نتخيّله، وما لا نتخيّله يفقد بريقه شيئا فشيئا حتّى يصير عاديّا. فأسعد أيّامنا هي الأيّام التي سبقت السعادة.
ولا يعني هذا أنّ علينا أن نكفّ عن الطلب، بل أن نفهم ما نطلبه حقّا. فنحن لا نحبّ الغاية بقدر ما نحبّ المسافة التي تفصلنا عنها، ونحبّ أنفسنا ونحن نسير إليها؛ ولسنا ننتظر الشيء لأنّه جميل، بل يجمل لأنّنا ننتظره. ومن ظنّ أنّ الكمال في أن تُلبّى كلّ رغباته دفعة واحدة، فقد تمنّى لنفسه نوعا من الموت: إذ لا يبقى له غد ينتظره، ولا نقص يحرّكه، ولا حلم يسكنه. إنّ حياة لا ينقصها شيء لم تعد حياة إنسان؛ فالإنسان كائن ناقص، وعظمته أنّه يعرف كيف يجعل من نقصه وعدا.»
حلّل هذا النصّ في شكل مقال فلسفيّ مستعينا بالأسئلة التالية:
- أيّ علاقة يقيمها الكاتب بين الرغبة والسعادة؟
- هل من مفارقة في القول: «أسعد أيّامنا هي الأيّام التي سبقت السعادة»؟
- كيف تفهم قول الكاتب: «إنّ حياة لا ينقصها شيء لم تعد حياة إنسان»؟
- أليس من الوهم أن نجعل السعادة في انتظار ما لم نبلغه؟
(النصّ والأسئلة كتبها مسار محاكيا الموضوع الثالث من الدورة الرئيسيّة 2024؛ أمّا التعليمة فمنقولة كما ترد في الورقة الرسميّة.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: لا تُعامَل الأسئلة الأربعة كتمارين مستقلّة، فهي ترسم مسار المقال: السؤال الأوّل يقود إلى الأطروحة في صيغة علاقة (الرغبة ليست طريقا ينتهي عند السعادة، بل موضعها)؛ والثاني يطلب إثبات مفارقة ثمّ رفعها بتمييز؛ والثالث يطلب شرح قول يعمّم الأطروحة على الوضع الإنسانيّ؛ فتصير الأسئلة الثلاثة فقرات التحليل. ويأتي الرابع، في صيغة «أليس من الوهم…؟»، فيقلب على النصّ سؤاله: إذا كان الخيال هو الذي يصنع سعادة الانتظار، أليست هي نفسها وهما؟ فهو مدخل النقاش. ويُنتظر في النهاية نصّ واحد متّصل: مقدّمة، فجوهر يتقدّم من التحليل إلى النقاش، فخاتمة.
العمل التحضيريّ (مسودّة لا تُسلَّم)
- الموضوع: علاقة الرغبة بالسعادة، ومنزلة الانتظار والخيال فيها.
- الأطروحة المستبعدة: السعادة في بلوغ موضوع الرغبة وامتلاكه، وهو ما يوحي به مطلع النصّ («ننفق أعمارنا في طلب ما نظنّ أنّه سيسعدنا»).
- الأطروحة المثبتة: السعادة تُعاش في الرغبة نفسها بما هي ترقّب يزيّن فيه الخيال موضوعه، والامتلاك يطفئها؛ والنقص ليس عيبا في الوضع الإنسانيّ بل شرطه.
- بنية النصّ: (1) خيبة البلوغ ومثال المسافر ← (2) الرغبة تهب موضوعها قبل نيله والحصول يطفئ بريقه، ومن ذلك المفارقة ← (3) تعميم: حياة بلا نقص ليست حياة إنسان.
- توزيع الأسئلة على المقال: السؤال الأوّل يفتح التحليل، والثاني والثالث يواصلانه، والرابع يصير نقاشا؛ ولا يظهر في المقال أيّ ترقيم.
المقدّمة — الفكرة: نبدأ بخيبة معيشة تمهّد للسؤال، ثمّ نضع النصّ في مسألته ونصوغ إشكاليّته، ثمّ نعلن أطروحته والوجهة التي سيأخذها النقاش. مقدّمة ممكنة:
«يعدنا الإعلان كلّ يوم بأنّ السعادة على بعد شراء، ونعد أنفسنا بأنّها على بعد نجاح أو لقاء أو سفر. غير أنّ كثيرا منّا يعرف تلك الخيبة الغريبة التي تعقب البلوغ: ننال ما طلبناه طويلا، فيأتي فرحنا به أقصر ممّا انتظرنا. ومن هذه الخيبة يبدأ الكاتب تأمّله في مسألة الأخلاق والسعادة، ليطرح سؤالا مزدوجا: هل تكمن السعادة في نيل موضوع الرغبة، أم في حال الرغبة وما يصحبها من انتظار؟ وإذا كان الخيال هو الذي يزيّن ما ننتظره، فهل تبقى السعادة التي يمنحها سعادة، أم تصير وهما جميلا؟ وأطروحة الكاتب أنّ الإنسان يسعد وهو يرغب أكثر ممّا يسعد وهو يملك، لأنّ الرغبة تهب موضوعها في الخيال قبل أن يطفئه الامتلاك، وأنّ النقص شرط الحياة الإنسانيّة لا عيبها. فبأيّ حجج يبني هذه الأطروحة؟ وألا يكون ربط السعادة بما لم نبلغه وهما آخر؟»
الجوهر — التحليل — الفكرة: يتبع التحليل الأسئلة الثلاثة الأولى في ثلاث فقرات؛ في كلّ فقرة فكرة تُعلن، وشاهد من النصّ، وبيان لعمل الحجّة، وجملة تنقل إلى الفقرة الموالية.
اللحظة الأولى (السؤال الأوّل: أيّ علاقة بين الرغبة والسعادة؟) — فقرة ممكنة:
«ينطلق الكاتب من تجربة يعرفها كلّ واحد منّا: أنّنا نكتشف، بعد أن ننال ما طلبناه، أنّ «أجمل ما فيه كان انتظاره». ويضرب لذلك مثال المسافر الذي «يعيش رحلته قبل أن يبدأها»، ثمّ يجد المدن «أصغر ممّا رأى». غير أنّ الكاتب لا يستخلص من الخيبة أنّ الأشياء خدعتنا، بل يفسّرها بعمل الخيال: فالخيال «كان قد صاغها على مقاس رغبته»، والواقع جاء «بمقاسه هو». من هنا تتحدّد العلاقة بين الرغبة والسعادة: ليست الرغبة وسيلة تنتهي عند السعادة كما ينتهي الطريق عند المدينة، بل هي موضع السعادة نفسه، لأنّها لا تكتفي بأن تدفعنا نحو موضوعها، بل «تهبه لنا قبل أن نناله». فالعلاقة علاقة تلازم لا علاقة وسيلة بغاية: السعادة تصحب الرغبة ما دامت قائمة، وتنطفئ حين تنطفئ، حتّى إنّ القلق الذي يبدو ألما يصير عند الكاتب «ضربا من الفرح الخفيّ». ونقيض ذلك الحصول الذي «يطفئ هذا الضوء».»
اللحظة الثانية (السؤال الثاني: المفارقة) — فقرة ممكنة:
«ومن هنا نفهم الجملة التي يختم بها الكاتب فقرته الأولى: «أسعد أيّامنا هي الأيّام التي سبقت السعادة». في ظاهرها مفارقة مزدوجة: فهي تخالف المنطق، إذ كيف يكون اليوم الأسعد يوما لم تحضر فيه السعادة بعدُ؟ وتصادم ما يعتقده أكثر الناس من أنّ السعادة ثمرة تأتي بعد الجهد لا قبله؛ والمفارقة في أصل معناها قول يخالف الظنّ السائد. غير أنّ المفارقة ترتفع حين نتبيّن أنّ لفظ «السعادة» يرد فيها بمعنيين: سعادة منتظرة نتذوّقها في الخيال، وسعادة منالة نظنّها غاية الطلب. والأولى وحدها تُعاش، لأنّ الثانية تلغي شرط الأولى: «ما نملكه لا نتخيّله، وما لا نتخيّله يفقد بريقه». فليست الجملة تناقضا، بل تكثيفا لأطروحة النصّ: السعادة في الاستباق لا في الحضور. ويبقى منها مع ذلك ما لا يرتفع: إذا كانت أسعد الأيّام تسبق دائما ما ننتظره، فإنّ السعادة التي نسمّيها غاية لا نلقاها أبدا؛ وهو ما سيعود إليه النقاش.»
اللحظة الثالثة (السؤال الثالث: شرح القول) — فقرة ممكنة:
«ويتّسع هذا القانون في الفقرة الثانية من تجربة الأشياء الجزئيّة إلى الوضع الإنسانيّ كلّه: «إنّ حياة لا ينقصها شيء لم تعد حياة إنسان». يقوم القول على مفهومين: «النقص»، وهو هنا ليس حرمانا من ضروريّ، بل المسافة التي تفصلنا عمّا لم نبلغه؛ و«حياة إنسان»، أي حياة كائن زمنيّ يعيش مشدودا إلى غده. والعلاقة بينهما علاقة شرط: من زال نقصه زال غده، ومن زال غده لم يبق له ما يحرّكه. ولذلك يعدّ الكاتب تلبية الرغبات «دفعة واحدة» «نوعا من الموت»: إذ «لا يبقى له غد ينتظره، ولا نقص يحرّكه، ولا حلم يسكنه». والمسلّمة الضمنيّة أنّ الإنسان ليس كائنا مكتملا لا يعوزه شيء، ولا شيئا جامدا لا يطلب شيئا، بل «كائن ناقص» يصنع من نقصه أفقا، و«عظمته أنّه يعرف كيف يجعل من نقصه وعدا». فالقول لا يمجّد الحرمان، بل يرفض مثال الاكتمال الذي نحمله عن السعادة؛ وبه يخالف الكاتب مثال الطمأنينة عند أبيقور، الذي يجعل السعادة في سكون النفس بعد تدبير الرغبات والاقتصار على الطبيعيّ منها.»
الجوهر — النقاش (السؤال الرابع) — الفكرة: «أليس من الوهم…؟» سؤال إنكاريّ في ظاهره يوحي بجواب («بلى، هو وهم»). والمطلوب ألّا نسلّم بهذا الإيحاء ولا نردّه دون فحص، بل أن نزن الأطروحة: ما تكسبه أوّلا، ثمّ ما يجعل ربط السعادة بالانتظار وهما، ثمّ موقف يقوم على تمييز.
قيمة الأطروحة — فقرة ممكنة:
«ليست هذه الأطروحة بلا وجاهة: فهي تفسّر الخيبة التي تعقب البلوغ ويعرفها كلّ منّا، دون أن تلوم الأشياء أو الحظّ، وتكشف ما في وعود الامتلاك التي يعيش عليها الاستهلاك من خداع، وتردّ الاعتبار إلى الخيال والأمل والزمن في حياة الإنسان: فمن فقد كلّ شيء إلّا رغبته لم يفقد بعدُ قدرته على أن يسعد.»
حدود الأطروحة — فقرة ممكنة:
«لكنّ ربط السعادة بما لم نبلغه قد يكون هو نفسه وهما. فأوّلا، ما يمنحه الانتظار ليس السعادة بل الشعور بها: متعة متوتّرة تتغذّى من الغياب، بينما تُفهم السعادة عادة حالا راسخة يرضى فيها الإنسان عن حياته في جملتها؛ فالنصّ لا يثبت السعادة بقدر ما يضع مكانها بديلا منها. وثانيا، سعادة الترقّب تهدم نفسها حين نعيها: فمن عرف أنّ خياله هو الذي يزيّن ما ينتظره لم يعد قادرا على أن ينخدع به، والنصّ يُفسد بتحليله ما يوصي به. وثالثا، قد يصير العيش في الانتظار هروبا من الحاضر ومن الفعل فيه؛ وقد رأى فرويد في الوهم عزاء تصنعه الرغبة لنفسها فيؤجّل مواجهة الواقع. ورابعا، ليست كلّ سعادة انتظارا: يجعلها أرسطو نشاطا للنفس وفق الفضيلة يمارَس في الحاضر، ويجعلها الرواقيّون في إحسان ما بأيدينا والرضى بما لا سلطان لنا عليه، ويرى سبينوزا أنّ الفرح الأرسخ يأتي من فهم أسباب ما يصيبنا لا من تزيينه.»
الموقف — فقرة ممكنة:
«فليس الوهم أن نجد في الرغبة لذّة وفي الانتظار فرحا، بل أن نجعل منهما السعادة كلّها. والتمييز الحاسم هنا بين الوهم، وهو صورة نصدّقها عن الأشياء فتتبدّد بحضورها، والخيال، وهو قدرة على تصوّر ممكن نعمل على تحقيقه. فالرغبة التي تعيش على الوهم تحكم على صاحبها بالخيبة كلّما بلغ؛ أمّا الرغبة التي يحرّكها خيال واع بنفسه فتجعل من النقص مشروعا، ومن البلوغ بداية لا نهاية. وبهذا المعنى يصيب الكاتب حين يرى أنّ الإنسان لا يسعد بلا رغبة، ويخطئ إن ظنّ أنّه لا يسعد إلّا بالوهم.»
الخاتمة — الفكرة: نجيب عن الإشكاليّة ونترك سؤالا مفتوحا، دون أن نعيد ما قاله التحليل. خاتمة ممكنة:
«ليست السعادة، إذن، في الامتلاك الذي يطفئ الرغبة، ولا في الانتظار الذي يزيّن ما لم يأت، بل في رغبة تعرف ما تطلب وتقدر على أن تحبّ ما بلغته. لقد أصاب النصّ حين جعل الإنسان كائنا يعيش بما ينقصه، لكنّه يترك سؤالا أعسر ممّا يبدو: هل يمكن أن نحبّ ما بلغناه كما أحببناه ونحن ننتظره؟»
ما يكلّف نقاطا:
- تقديم أربعة أجوبة مرقّمة بدل مقال واحد: الأسئلة تُدمج في فقرات التحليل والنقاش ولا يُفرد لكلّ منها جواب.
- نسبة عكس الأطروحة إلى الكاتب: هو لا يرى السعادة في إشباع الرغبة، بل في الرغبة نفسها قبل الإشباع.
- الاكتفاء بـ«نعم، في القول مفارقة» أو «لا مفارقة فيه»: المطلوب إثبات ظاهرها ثمّ رفعها بتمييز من النصّ.
- تحويل «حياة لا ينقصها شيء» إلى دعوة إلى الحرمان أو الزهد: القول يرفض مثال الاكتمال، ولا يطلب الألم.
- الجواب عن السؤال الأخير بـ«بلى» دون فحص، أو نقاش يسرد مواقف في السعادة دون أن يعود إلى أطروحة النصّ.
لا يُطبع سلّم على موضوع شعبة الآداب.