الموضوع الثالث — النصّ (على شاكلة اختبار الآداب)
النصّ:
«ليس النموذج العلمي نسخة مطابقة للواقع، وإنّما هو بناء ذهني نصوغه لنجعل الظاهرة قابلة للحساب والتوقّع. فحين يعجز الفكر عن ملاحظة الظاهرة ملاحظة مباشرة، أقام مكانها تمثّلا رياضيا متماسكا يشتغل عليه العالِم كما لو كان الواقع ذاته. غير أنّ هذا التمثّل يبقى أداة: نحكم عليه بالملاءمة لا بالصدق، وبالخصوبة لا بالمطابقة. ولذلك لا يبطل النموذج حين يُستبدل بغيره، وإنّما يُعلن عن حدوده.
وإذا بدا للاعتقاد الشائع أنّ كثرة النماذج علامة عجز في العلم، فهي في الحقيقة علامة خصوبة: كلّ نموذج يضيء وجها من الظاهرة ويُظلم وجها آخر، ولا يقوم أحدها مقام سائرها. غير أنّ للنمذجة خطرا: أن ينقلب معيار الملاءمة إلى نزعة أداتيّة تقيس قيمة المعرفة بنجاعتها وحدها، فتُفقر الواقع وتفصل الحقيقة عن مطلب المعنى.»
المطلوب:
حلّل هذا النصّ في صيغة مقال فلسفي مستعينا بالأسئلة التالية:
- أيّ تصوّر للنموذج العلمي يدافع عنه النصّ؟
- بأيّ معنى يحلّ معيار الملاءمة محلّ معيار المطابقة في تقويم النموذج؟
- كيف تفهم القول: «كلّ نموذج يضيء وجها من الظاهرة ويُظلم وجها آخر»؟
- هل تفضي كثرة النماذج إلى التشكيك في القيمة العلمية للمعرفة؟
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
إشكالية النص: يعرض النص توترا بين النموذج كصورة مطابقة والنموذج كأداة منتقاة للفهم والتوقع. كيف يبرر إحلال الملاءمة محل المطابقة، وبأي شرط لا يتحول هذا الاختيار إلى قياس المعرفة بالنفع وحده؟
الأطروحة كما يدافع عنها الكاتب: يعتبر النموذج بناء ذهنيا تقوم قيمته على الملاءمة والخصوبة، ويرى في استبداله إعلانا عن حدوده وفي تعدده إمكانا لإظهار جوانب مختلفة. صياغة ذلك بوصفه موقف النص لا تلزمنا بالتسليم بأن كل استبدال حفظ للقيمة أو أن كل نموذج مفيد.
بنية الاستدلال: يبدأ الكاتب بحالة تعذر الملاحظة المباشرة ليعلل الحاجة إلى تمثيل قابل للعمل والحساب. ثم يعتمد انتقائية التمثيل لتفسير إمكان تكامل النماذج. هذا يبرر التخلي عن مطلب النسخ الكامل، لكنه لا يكفي وحده لنفي كل تقويم بصدق توقعات محددة أو لإثبات صلاحية كل تعدد.
الرهان والخطر: المكسب الذي يطلبه الكاتب هو تحرير البحث من تصور النموذج وصفا نهائيا، مع الاحتفاظ بالمراجعة. أما النزعة الأداتية وإفقار المعنى فخطر يحذر منه، وليسا غاية يريد تحقيقها. تظهر العلاقة في انتقال النص من الدفاع عن الملاءمة إلى التحذير من اختزالها في النجاعة وحدها.
مناقشة معللة: نفصل بين مطابقة كاملة مستحيلة عمليا وبين ادعاءات جزئية يمكن فحصها. إذا توقع نموذجان نتائج متعارضة في ظروف متماثلة، احتجنا معايير وأدلة للمقارنة؛ وإذا اختلفت مهامهما أمكن بحث تكاملهما. بذلك نقبل قيمة التمثيل دون اتخاذ كلمة «أداة» إعفاء من الاختبار.