الشحاذ: بين النشوة والعودة — نص باكالوريا 2017
الموضوع الثالث، باكالوريا 2017 — دورة المراقبة، شعبة الآداب. النص التالي من الموضوع المطبوع، بعد تسوية الحركات والترقيم والأسطر. أبقيت مواضع الحذف المطبوعة واختلافات هذه الطبعة. التصحيح أدناه تعليمي مؤلف، وليس إصلاحا رسميا لهذه الدورة.
القلب لم يخرج من كهفه منذ مغاني الحدائق وقهوة العائلات. ووجه زينب القديم لا يكاد يتذكرني. وحتى صورة الزفاف لم يلق عليها نظرة حقيقية منذ عشرة أعوام. وأنت يا مارغريت كل شيء ولا شيء. إني أطرق بكل رجاء باب المدينة المسحورة. وها هو شعور الهارب يتملكني.
- في هذا الخلاء حول الهرم وقعت حوادث تاريخية..
فأبعدت ذراعه عن عنقها قائلة:
- لا تفكر من فضلك في زيادة الحوادث...
وضغط على راحتها ممتنا رغم كل شيء (...)
ما أكثف الظلمة حولنا. تكاثفي حتى ينسانا العالم. وليختف كل شيء من العين الضجرة. آن للقلب وحده أن يرى. أن يرى النشوة كنجم متوهج. وهاهي تدب في الأعماق كضياء الفجر. فلعل نفسك أعرضت عن كل شيء ظمأ للحب. حبا في الحب. توقا لنشوة الخلق الأولى اللائذة بسر أسرار الحياة التي خرجت من صراع مليون مليون سنة بنبتة باهرة مذهلة.
- فلنبق حتى الصباح..
- لا تحلم، وصلني من فضلك (...)
وعندما رجع إلى كورنيش النيل بجاردن سيتي كان الفجر وشيك الطلوع. (...) ولما أضاء نور الحجرة رأى زينب جالسة فوق كرسي التسريحة تتطلع إليه بعين كسيرة من الضوء والحزن. قال بهدوء:
- كان يجب أن تكوني نائمة..
فقالت باسطة راحتيها في يأس:
- هذه ثالث ليلة..
ببرود وهو ينزع ملابسه:
- شيء لا بد منه..
تساءلت في شيء من الحدة:
- أهو البيت ما يضايقك؟
- كلا ولكن الضيق واقع (...)
لا مراء في ذلك. رجلك القديم انسلخ من جلده. هاهو يركض لاهثا وراء نداء غامض مخلفا وراءه حفنة من تراب.
نجيب محفوظ، الشحاذ، الفصل السادس؛ دار القلم بيروت، ص ص 78–80، كما في ورقة الامتحان.
المطلوب الأصلي:
حلل النص تحليلا مسترسلا مستعينا بما يلي:
- تغيرت طبيعة الحوار بتغير أطرافه. ادرس ذلك مبرزا صلته بتطور تجربة عمر الحمزاوي.
- تخلل النص حوار باطني أسهم في كشف أحوال البطل، وأظهر تصدع ذاته. بين ذلك.
- قام النص على ثنائيات عديدة: حددها ووضح دلالاتها الرمزية.
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
يصوغ النص تجربة لا يستقر فيها طلب النشوة على جواب: خروج مع مارغريت، وتوسع في الأمل داخل الظلام، ثم عودة إلى البيت تكشف استمرار الضيق. يصلح تغير المقام وأطراف الحوار معيارا لتتبع هذا البناء، مع الانتباه إلى أن الكلام الباطني يتخلل المواقف ولا ينتظر نهايتها دائما.
مع مارغريت يبدأ تبادل خارجي حول الخلاء والحوادث، فترد على التلميح بما يرده إلى العلاقة الجارية، ثم تصطدم دعوة البقاء حتى الصباح بطلبها أن يوصلها. تكشف المسافة بين الطلبين اختلافا في انتظار كل منهما من اللحظة؛ فما يريد عمر تمديده تصر هي على إنهائه. وعند زينب تتحول طبيعة التبادل إلى مساءلة عن الغياب: تنتظر في حزن، تحصي الليلة الثالثة، بينما يجيب ببرود ويصف الأمر بأنه لا بد منه. وعندما تسأل عن البيت يقر بالضيق دون أن يرد سببه إلى المكان وحده. لذلك لا تحقق العودة الجسدية وحدها عودة إلى الانسجام الأسري.
داخل هذه الحركة ينفصل القول عن تبادل المعلومات. يطلب الصوت من الظلمة أن تتكاثف حتى ينساهم العالم، ويستبدل بالعين الضجرة قلبا يرجو أن يرى النشوة. لا تجيب مارغريت عن هذا النداء؛ إن مخاطبة الظلمة وصيغ الرجاء والتفسير الذاتي تفتح مساحة لما يريده عمر من تجربته. وتكشف «فلعل» أن تفسير الإعراض عن الأشياء بالظمأ إلى الحب محاولة، لا حقيقة نهائية يثبتها السارد. وفي النهاية تصور عبارة انسلاخ الرجل القديم من جلده وركضه وراء نداء غامض تغيّرا لا يصح تسميته خلاصا منجزا: يظل اتجاه النداء غامضا، ويظل ما يتركه وراءه موضع توتر.
تتكثف هذه الحركة في ثنائيات تختلف قيمتها بحسب الموضع. فالظلام يتيح للبطل رجاء الابتعاد عن العالم، في حين يعيد ضوء الحجرة إظهار زينب وحزنها. أما الفجر فمتوقع داخل النشوة على هيئة ضياء يدب في الأعماق، ثم يصاحب الرجوع واقتراب الصباح؛ لا يكفي ظهوره لإعلان نهاية الأزمة. ويقابل النص بين القديم الذي ينسلخ منه الرجل والمجهول الذي يركض نحوه، وبين الخلاء والبيت دون أن يقدم أحد المكانين حلا ثابتا. هكذا تترابط الرموز بتجربة التحول، ولا تعمل كمعادلات جاهزة.
تنبع قوة هذا البناء من اختلاف ما يأمله الصوت الباطني وما يحققه التبادل الفعلي: ترفض مارغريت تمديد اللحظة، وتواجه زينب الغياب، ويقر عمر بالضيق. لذلك يمنحنا النص قرائن على تصدع الصلة بين الرغبة والعلاقة، مع ترك سبب الأزمة ومآلها أوسع من حدود هذا المقطع. قراءة التجربة بهذا القدر أدق من تحويل كل صورة إلى وعد بالخلاص أو حكم بالإدانة.