الفكرة: التسخير فعل الله، والاستغلال فعل الإنسان؛ الأوّل إتاحة، والثاني اختيار يُحاسَب عليه. ومن هنا لا تُستنتج إباحة كلّ استغلال من مجرّد كون الكون مسخَّرا.
1. التسخير والاستغلال: آيات التسخير تُقرّر أنّ الكون جُعل قابلا للفهم والانتفاع، وأنّ الإنسان لم يُلقَ في عالم معادٍ. لكنّها تُقرّر في الآن نفسه أنّ المنتفع خليفة لا مالك: يتصرّف في ملك غيره بأمانة ويُسأل عمّا فعل. فالتسخير يفتح باب الانتفاع، والاستخلاف يضع شروطه؛ ومن قرأ الأولى دون الثانية حوّل النعمة إلى ذريعة، وجعل «سخّر لكم» تفويضا مطلقا لا تكليفا مشروطا.
2. المعياران والتطبيق: الفكرة: نحكم على المشروع بأثره في مهمّة الإعمار لا بربحه. المعيار الأوّل: الارتفاق الواعي بالموارد الطبيعيّة بما يحقّق الإعمار بعيدا عن الاستنزاف والإفساد؛ والمائدة التي لا تتجدّد إلاّ ببطء تُستهلَك هنا بأسرع من تجدّدها، فالمشروع يُعمّر السوق ويُخرّب المجال. المعيار الثاني: عدم تغليب الأبعاد النفعيّة والربحيّة على حقوق الأجيال اللاحقة؛ والسكّان الذين تتراجع آبارهم هم أوّل هذه الأجيال، إذ يُباع ماء أحفادهم عملةً صعبة اليوم. فالحكم أنّ المشروع بصورته الحاليّة استنزاف مُفسِد وإن حمل اسم التنمية، لأنّه يُفرغ الأرض ممّا يجعلها قابلة للعمران أصلا.
3. النقاش: لا يلزم من ذلك رفض التنمية في المناطق الجافّة، فالإعمار مطلوب فيها أكثر من غيرها. وإنّما تنتقل الفكرة من «هل نستغلّ؟» إلى «كيف؟»: اختيار محاصيل تناسب الموارد، وتقنين السحب في حدود التجدّد، وإعطاء حاجات السكّان الأولويّة على التصدير، وإشراكهم في القرار بوصفهم شركاء في الاستخلاف لا عائقا أمامه. بهذه الضوابط يدخل المشروع في أفق الاعتدال والتوسّط الذي يجعل التسخير نعمة لا مجرّد فرصة. ويبقى سؤال: من يملك سلطة فرض هذه الضوابط حين تتعارض مصلحة الشركة مع مصلحة أجيال لم تولد بعد؟