الموضوع الثالث — النصّ (على شاكلة اختبار شعبة الآداب؛ نصّ من إعداد مسار)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ والموضوع المعروض هنا هو الموضوع الثالث: النصّ.
النصّ (من إعداد مسار على منوال نصوص محور الدولة في اختبار شعبة الآداب، غير منسوب إلى مؤلّف):
«يحلو لنا أن نختصر الديمقراطيّة في لحظة العدّ: تُفتح الصناديق، وتُحصى الأصوات، ويحكم من نال أكثرها. غير أنّ العدّ لا يصنع إلّا أغلبيّة، والأغلبيّة واقعة لا قيمة: إنّها تخبرنا بعدد الذين أرادوا، ولا تخبرنا بصواب ما أرادوه. فلو كان عدد الأصوات هو وحده ما يمنح القرار شرعيّته، لصار كلّ ما تقرّره الأكثريّة عدلا لمجرّد أنّها قرّرته، ولجاز لها أن تنزع عن الأقلّيّة حقوقها بالطريقة نفسها التي تنتخب بها نوّابها. والحال أنّه قد تُجمِع الأصوات على الظلم فلا يصير عدلا.
إنّ ما يجعل الديمقراطيّة ديمقراطيّة ليس أن يحكم الأكثر عددا، بل أن يُعامَل كلّ مواطن بوصفه ندّا لغيره، له من الحقوق ما لا يملك أحد أن يصوّت على إلغائه. فالاقتراع لا يؤسّس هذه الحقوق، بل يفترضها: إذ لا معنى لأن يُطلب رأي من لا يُعترف له بحرّيّة الرأي، ولا لأن يُحتسب صوت من لا يُعترف له بالمساواة. ولذلك كانت الأغلبيّة التي تسحق الأقلّيّة تهدم الأساس الذي تستمدّ منه حقّها في الحكم. فالأقلّيّة التي خسرت التصويت اليوم لا تخسر حقّها في أن تتكلّم وتنتظم وتصير أغلبيّة غدا؛ ولو سُلب منها هذا الحقّ لما بقي من الديمقراطيّة إلّا اسمها.
فماذا يفعل المواطن حين يصدر عن مجلس منتخب قانون يدوس هذه الحقوق؟ إنّ الطاعة هنا ليست فضيلة مدنيّة، بل تواطؤ. غير أنّ رفض القانون الجائر لا يكون دفاعا عن الديمقراطيّة إلّا إذا جرى في العلن، وبلا عنف، وباسم المبادئ التي يتقاسمها المواطنون، ومع قبول تبعاته أمام القضاء. فمن يعصي على هذا النحو لا يخرج على الجماعة السياسيّة، بل يخاطب ضميرها، ويذكّر الأغلبيّة بما نسيته من مبادئها. أمّا من يعصي في الخفاء، أو يفرض رأيه بالقوّة، فإنّه لا يفعل سوى أن يستبدل بطغيان العدد طغيانا آخر.»
حلّل هذا النصّ في شكل مقال فلسفيّ مستعينا بالأسئلة التالية:
- ما الذي يؤسّس شرعيّة الديمقراطيّة حسب الكاتب؟
- كيف تفهم قول الكاتب «العدّ لا يصنع إلّا أغلبيّة، والأغلبيّة واقعة لا قيمة»؟
- بأيّ معنى يكون عصيان القانون الجائر دفاعا عن الديمقراطيّة لا خروجا عليها؟
- هل يكفي الاعتراف بحقوق لا تخضع للتصويت لقيام ديمقراطيّة فعليّة؟
(نصّ وأسئلة من إعداد مسار على منوال الموضوع الثالث للدورة الرئيسيّة 2020؛ صيغة التعليمة هي صيغة الورقة الرسميّة.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: الأسئلة الأربعة ليست تمارين يُجاب عنها مرقّمة، بل تصميم المقال: الأوّل يعطي الأطروحة (أساس الشرعيّة حقوق متساوية لا العدد)، والثاني يطلب شرح قول يحمل المفارقة (الواقعة والقيمة)، والثالث يطلب بيان وجه الدفاع (عصيان يخدم ما يعصيه)؛ وهذه الثلاثة لحظات التحليل. أمّا الرابع («هل يكفي…؟») فسؤال النقاش. والمطلوب مقال واحد: مقدّمة، ثمّ جوهر (تحليل ثمّ نقاش)، ثمّ خاتمة.
العمل التحضيريّ: قراءة النصّ قبل الكتابة
- الموضوع: أساس الشرعيّة في الديمقراطيّة، وما يفعله المواطن حين يصدر عن الأغلبيّة قانون جائر.
- الأطروحة المستبعدة: الديمقراطيّة حكم العدد، فما تقرّره الأغلبيّة مشروع لأنّها قرّرته («يحلو لنا أن نختصر الديمقراطيّة في لحظة العدّ»).
- الأطروحة المثبتة: شرعيّة الديمقراطيّة تقوم على حقوق متساوية لا يملك أحد أن يصوّت على إلغائها، والاقتراع يفترضها ولا يؤسّسها؛ لذلك يكون العصيان العلنيّ السلميّ للقانون الجائر دفاعا عنها.
- بنية النصّ: (1) نقد اختزال الديمقراطيّة في العدّ ← (2) الحقوق المتساوية شرط الاقتراع ← (3) العصيان المدنيّ وشروطه.
- خريطة الأسئلة: الأوّل ← اللحظة الأولى من التحليل؛ الثاني ← اللحظة الثانية؛ الثالث ← اللحظة الثالثة؛ الرابع ← النقاش. ولا يُكتب رقم سؤال في المقال.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد يُظهر المفارقة، ثمّ الموضوع والإشكاليّة، ثمّ الأطروحة وما سيُفعل بها. مقدّمة ممكنة:
«نفخر بأنّنا نعيش في أزمنة تُحسم فيها الخلافات بالاقتراع لا بالسيوف، ونرى في صندوق الانتخاب رمزا لسيادة الشعب. غير أنّ الاقتراع قد يوصل إلى الحكم من يضيّق على الحرّيّات، وقد تُسنّ بأغلبيّة منتظمة قوانين تُقصي فئات كاملة من حقوقها. ومن هذا التوتّر ينطلق النصّ الذي بين أيدينا، وهو يتنزّل في مسألة الدولة والسيادة والمواطنة: هل تستمدّ الديمقراطيّة شرعيّتها من عدد الأصوات أم من حقوق تسبق كلّ تصويت؟ وإذا انقلبت الأغلبيّة على هذه الحقوق، فهل يكون عصيان المواطن خروجا على الديمقراطيّة أم دفاعا عنها؟ يدافع الكاتب عن أطروحة مفادها أنّ الديمقراطيّة ليست حكم العدد، بل احترام حقوق متساوية لا تخضع للتصويت، وأنّ العصيان العلنيّ السلميّ للقانون الجائر وفاء لها لا خيانة. فما قيمة هذه الأطروحة؟ وهل يكفي الاعتراف بهذه الحقوق لتقوم ديمقراطيّة فعليّة؟»
الجوهر — التحليل — الفكرة: ثلاث لحظات على ترتيب الأسئلة الثلاثة الأولى؛ كلّ لحظة تعلن فكرتها، وتستشهد بالنصّ، وتشغّل مفهوما أو مرجعا بدل سرده، ثمّ تنتقل إلى ما بعدها.
اللحظة الأولى (السؤال الأوّل: ما الذي يؤسّس الشرعيّة؟) — فقرة ممكنة:
«ينطلق الكاتب من تصوّر شائع يختصر الديمقراطيّة في «لحظة العدّ»، ليبيّن أنّه يقود إلى نتيجة لا يقبلها أحد: لو كان عدد الأصوات وحده مصدر الشرعيّة، لجاز للأكثريّة أن «تنزع عن الأقلّيّة حقوقها بالطريقة نفسها التي تنتخب بها نوّابها». إنّها حجّة بالخلف: تُفترض صحّة الأطروحة المستبعدة، فتُستخرج منها نتيجة فاسدة، فتسقط. ويقيم الكاتب مكانها أساسا آخر: أن «يُعامَل كلّ مواطن بوصفه ندّا لغيره»، له من الحقوق «ما لا يملك أحد أن يصوّت على إلغائه». وحجّته هنا أنّ الاقتراع نفسه يفترض هذه الحقوق: فطلب رأي المواطن يفترض حرّيّة رأيه، واحتساب صوته يفترض مساواته. فالشرعيّة الديمقراطيّة لا تصعد من الصندوق إلى الحقوق، بل تنزل من الحقوق إلى الصندوق.»
اللحظة الثانية (السؤال الثاني: شرح القول) — فقرة ممكنة:
«ومن هنا نفهم قول الكاتب: «العدّ لا يصنع إلّا أغلبيّة، والأغلبيّة واقعة لا قيمة». فالعدّ يثبت ما هو كائن: أنّ عددا من الناس أراد شيئا؛ ولا يثبت ما ينبغي أن يكون: أنّ ما أرادوه عادل. والانتقال من «أراد الأكثر» إلى «هذا حقّ» قفزة من الواقعة إلى القيمة لا يبرّرها أيّ جمع للأصوات، وهو ما يعبّر عنه النصّ بقوله إنّه «قد تُجمِع الأصوات على الظلم فلا يصير عدلا». وقد نبّه توكفيل إلى أنّ طغيان الأغلبيّة أشدّ خفاء من طغيان الفرد، لأنّه يتكلّم باسم الجميع فلا يجد المظلوم جهة يحتكم إليها؛ وميّز روسو بين الإرادة العامّة التي تتّجه إلى المصلحة المشتركة وإرادة الكلّ التي ليست إلّا مجموع إرادات خاصّة. فالأغلبيّة التي «تسحق الأقلّيّة» لا تمارس حقّها في الحكم، بل «تهدم الأساس الذي تستمدّ منه» هذا الحقّ.»
اللحظة الثالثة (السؤال الثالث: العصيان دفاعا عن الديمقراطيّة) — فقرة ممكنة:
«فإذا صدر عن مجلس منتخب قانون يدوس هذه الحقوق، فإنّ «الطاعة هنا ليست فضيلة مدنيّة، بل تواطؤ». لكنّ الكاتب لا يبيح كلّ عصيان: فهو يشترط أن يجري «في العلن، وبلا عنف، وباسم المبادئ التي يتقاسمها المواطنون، ومع قبول تبعاته أمام القضاء». وكلّ شرط يفصل العصيان المدنيّ عن التمرّد: العلن يجعله خطابا موجَّها إلى الجماعة لا مؤامرة عليها، واللاعنف يحفظ ما يدافع عنه، والاحتكام إلى المبادئ المشتركة يجعله تذكيرا للأغلبيّة «بما نسيته من مبادئها» لا فرضا لرأي خاصّ، وقبول العقوبة يشهد على احترام النظام القانونيّ في جملته. وهذه هي الشروط التي يعرّف بها رولز العصيان المدنيّ: فعل علنيّ سلميّ مخالف للقانون يخاطب حسّ العدالة لدى الأغلبيّة؛ وهي التي دافع عنها مارتن لوثر كينغ في «رسالة من سجن برمنغهام»: من يخرق قانونا جائرا يخرقه علنا ويقبل العقوبة. فالعاصي على هذا النحو «لا يخرج على الجماعة السياسيّة، بل يخاطب ضميرها»؛ أمّا من يعصي في الخفاء أو بالقوّة فإنّه «يستبدل بطغيان العدد طغيانا آخر».»
الجوهر — النقاش (السؤال الرابع) — الفكرة: «هل يكفي…؟» سؤال عن شرط كافٍ: لا يُطلب فيه جواب بـ«نعم» أو «لا»، بل أن نبيّن أنّ الاعتراف بحقوق لا تخضع للتصويت شرط ضروريّ، ثمّ نبحث عمّا ينقصه ليصير كافيا. نبدأ بقيمة الأطروحة، ثمّ حدودها، ثمّ نصوغ موقفا.
قيمة الأطروحة — فقرة ممكنة:
«لهذه الأطروحة قيمة لا تُنكر: فهي تحرّر الديمقراطيّة من اختزالها في إجراء، وتمنح الأقلّيّة حماية لا تتوقّف على كرم الأغلبيّة، وتجعل المواطن حارسا دائما للمبادئ لا ناخبا يُستدعى كلّ بضع سنوات. وعلى هذا الأساس تقوم الدساتير التي تضع الحقوق الأساسيّة فوق متناول التشريع العاديّ.»
حدود الأطروحة — فقرة ممكنة:
«غير أنّ الاعتراف بهذه الحقوق لا يكفي وحده. فأوّلا، الحقوق لا تفسّر نفسها بنفسها: من يقرّر أنّ قانونا ما يدوسها؟ إن كان كلّ مواطن هو القاضي، صار لكلّ أقلّيّة أن تعصي باسم ما تسمّيه «حقّا»؛ وإن كانت هيئة من الحكماء أو القضاة، خشينا أن نستبدل بطغيان العدد وصاية نخبة لا يحاسبها أحد. وثانيا، الحقوق المعلنة قد تبقى حبرا على ورق: فحرّيّة التعبير لمن لا يعرف القراءة، والمساواة أمام القضاء لمن لا يقدر على أجر محام، حقوق شكليّة كما يلاحظ النقد الماركسيّ للحرّيّات «الشكليّة»؛ فلا تقوم ديمقراطيّة فعليّة دون تعليم ودون حدّ أدنى من المساواة الاجتماعيّة. وثالثا، لا تحمي الحقوق نفسها: إنّها تحتاج إلى مؤسّسات تحرسها، من فصل للسلط يجعل السلطة توقف السلطة كما أراد مونتسكيو، إلى قضاء مستقلّ وصحافة حرّة. وأخيرا، ليست الأغلبيّة خصما ينبغي تقييده فحسب: يمكن أن تصير أغلبيّة عاقلة إذا سبق التصويتَ نقاشٌ عموميّ حرّ تُعرض فيه الحجج، وهو ما يجعله هابرماس شرط شرعيّة القرار الديمقراطيّ.»
الموقف — فقرة ممكنة:
«فالاعتراف بحقوق لا تخضع للتصويت شرط ضروريّ لقيام الديمقراطيّة، لكنّه لا يكفي: لا تكون ديمقراطيّة فعليّة إلّا حين تجتمع حقوق مضمونة، ومؤسّسات تفصل بين السلط وتحرس تلك الحقوق، وشروط اجتماعيّة تجعلها في متناول الجميع، ومواطنون يتناقشون ويعترضون، ويعصون عند الاقتضاء في العلن ودون عنف. فليست الديمقراطيّة حكم العدد وحده ولا حكم المبادئ وحدها، بل التوتّر الحيّ بينهما.»
الخاتمة — الفكرة: جواب عن الإشكاليّة يفتح أفقا، لا تلخيص للتحليل. خاتمة ممكنة:
«ليست الشرعيّة الديمقراطيّة، إذن، حصيلة عدّ، بل وفاء لحقوق يفترضها كلّ عدّ؛ ومن هنا قد يكون العاصي العلنيّ السلميّ أوفى للديمقراطيّة من المطيع. غير أنّ هذه الحقوق لا تصير واقعا إلّا بمؤسّسات وشروط اجتماعيّة وفضاء نقاش. ويبقى سؤال مفتوح: من يحرس الحرّاس، إذا كان للمواطن أن يعصي باسم الحقّ، وللقاضي أن يحكم باسمه؟»
ما يكلّف نقاطا:
- الإجابة عن الأسئلة الأربعة مرقّمة كأنّها تمارين منفصلة: المطلوب مقال واحد تذوب فيه الأسئلة في لحظات التحليل والنقاش.
- تلخيص النصّ فقرة فقرة بدل تحليله: كلّ استشهاد يُتبَع بما يفعله في الحجاج (خلف، شرط، تمييز).
- الخلط بين الأطروحة المستبعدة (حكم العدد) والمثبتة، أو نسبة رفض الانتخابات إلى الكاتب: هو يرفض الاكتفاء بها لا الاقتراع نفسه.
- إسقاط شروط العصيان: من كتب أنّ الكاتب يبرّر كلّ عصيان قلب أطروحته.
- الجواب عن السؤال الرابع بـ«نعم» أو «لا»، أو نقاش يسرد مواقف معاكسة دون أن يستخرج منها ما ينقص الشرط ليصير كافيا.
لا يُطبع سلّم على موضوع شعبة الآداب.