التمرين الثالث: النصّ (6 نقاط) — على شاكلة الورقة المشتركة للشعب العلميّة، دورة 2022
النصّ:
ما من إنسان إلّا وهو يطلب ما يراه خيرا، ولا يطلب شيئا إلّا لأنّه يظنّ أنّه سيقرّبه من حياة لا ينقصها شيء. ولهذا يحسب أكثر الناس أنّ طريق السعادة معروف لا يحتاج إلى نظر: أن يجمع المرء من الثروة ما يغنيه، ومن المناصب ما يرفعه، ومن الشهرة ما يجعل الألسنة تلهج باسمه، ومن اللذّات ما يملأ أيّامه. فإذا اجتمعت له هذه الأشياء قالوا: ذاك رجل سعيد.
لكن لننظر في هذه الأشياء نفسها. فالثريّ لا يأمن على ثروته إلّا إذا حرسها: يخاف اللصوص، ويخشى تقلّب الأحوال، ويحتاج إلى من يحفظ له ما جمع. فالثروة التي طُلبت لتحرّره من الحاجة أضافت إليه حاجة لم تكن له، هي الحاجة إلى حمايتها؛ وكلّما زادت زاد خوفه عليها وطمعه في مزيد منها. وصاحب المنصب لا يعلو إلّا بقدر ما يرفعه غيره، فإذا انصرفوا عنه هوى. واللذّة تنقضي في اللحظة التي تُنال فيها، فلا تخلّف إلّا طلبا للذّة تليها.
فإذا كانت السعادة حالا يكتفي فيها المرء بما هو فيه فلا يعوزه شيء، فكيف تمنحها أشياء تزيد العوز بدل أن ترفعه؟ ثمّ إنّ كلّ واحد من هذه الخيرات يعطي جزءا ويحجب أجزاء: فمن أكبّ على جمع الثروة أضاع راحته، ومن تعلّق بالجاه أضاع حرّيّته، ومن انقاد للذّة أضاع صحّته. وما كان جزئيّا منقسما لا يقدر أن يهب خيرا تامّا لا ينقسم. فليست هذه الأشياء إلّا أشباحا للسعادة يغرّ بريقها الناس، ولن يبلغ السعادة من يطلبها فيما هو خارج عنه عرضة للزوال.
نصّ تدريبيّ من إنشاء مسار، يعيد بناء حجاج بوئثيوس في الكتاب الثالث من «مواساة الفلسفة» بألفاظ وأمثلة أخرى؛ وليس نصّ امتحان 2022.
أنجز المهامّ التالية انطلاقا من النصّ:
- صغ الأطروحة التي يستبعدها الكاتب. (نقطتان)
- حدّد علاقة الثروة بالسعادة حسب الكاتب. (نقطتان)
- اكشف عن أحد رهانات النصّ. (نقطتان)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: ثلاث مهامّ مستقلّة من نقطتين، يُجاب عن كلّ منها في فقرة قصيرة تستند إلى لفظ النصّ. نبدأ بتقسيم النصّ: الرأي الشائع في الفقرة الأولى، ثمّ فحصه بأمثلة الثروة والمنصب واللذّة بعد «لكن لننظر»، ثمّ الاستنتاج من تعريف السعادة بالاكتفاء في الفقرة الثالثة. مؤشّر الانتقال «لكن» هو الذي يفصل الموقف المستبعد عن موقف الكاتب.
1. الأطروحة المستبعدة (2 ن) — الفكرة: الموقف المستبعد يُعرض بصوت «أكثر الناس» قبل «لكن»؛ نصوغه جملة تقريريّة بمضمونه ومبرّره، كما ينبّه الإصلاح الرسميّ لنصّ 2022، ولا نكتب ردّ الكاتب عليه.
الأطروحة المستبعدة: السعادة، بما هي الخير الذي يطلبه كلّ إنسان، تُنال بامتلاك الخيرات الخارجيّة: الثروة والمناصب والشهرة واللذّات؛ فمن اجتمعت له هذه الأشياء كان سعيدا. ومبرّرها في النصّ أنّ الإنسان «يطلب ما يراه خيرا»، وأنّ هذه الأشياء تبدو ما يجعل الحياة «لا ينقصها شيء».
صيغ أخرى مقبولة: أنّ الثروة والجاه واللذّة قادرة على تحقيق الاكتفاء التامّ الذي هو شرط السعادة؛ أو أنّ سعادة الإنسان تكمن في نيل كلّ ما يرغب فيه من مال ومنصب وشهرة ولذّة. ما لا يُقبل: «يستبعد الكاتب الثروة» (ليست جملة تحمل موقفا)، أو «الثروة لا تحقّق السعادة» (هذه أطروحة الكاتب نفسه).
2. علاقة الثروة بالسعادة حسب الكاتب (2 ن) — الفكرة: المطلوب نوع الصلة كما يبنيها النصّ، لا تعريف الثروة ثمّ تعريف السعادة. نسمّي العلاقة، ثمّ نعلّلها بعبارات النصّ.
- علاقة تنافٍ لا علاقة وسيلة بغاية: يُظنّ أنّ الثروة وسيلة إلى السعادة، والكاتب يبيّن أنّها تنقض شرطها. فالسعادة حال «يكتفي فيها المرء بما هو فيه فلا يعوزه شيء»، أمّا الثروة فقد «أضافت إليه حاجة لم تكن له»، إذ «كلّما زادت زاد خوفه عليها وطمعه في مزيد منها»: إنّها تزيد العوز «بدل أن ترفعه».
- علاقة جزء بكلّ: كلّ واحد من هذه الخيرات، والثروة منها، «يعطي جزءا ويحجب أجزاء»: فمن أكبّ على جمع الثروة «أضاع راحته». أمّا السعادة فخير تامّ، و«ما كان جزئيّا منقسما لا يقدر أن يهب خيرا تامّا لا ينقسم».
- علاقة مظهر بحقيقة: ليست الثروة وسائر هذه الخيرات «إلّا أشباحا للسعادة يغرّ بريقها الناس»، لأنّها خارجة عن الإنسان «عرضة للزوال».
صياغة تركيبيّة: الثروة، حسب الكاتب، ليست طريقا إلى السعادة بل مظهر زائف لها: فهي خير جزئيّ يزيد الحاجة والخوف، والسعادة اكتفاء تامّ لا يمنحه ما هو خارج عن الإنسان وعرضة للزوال. ويكفي للنقطتين أن تُسمّى علاقة واحدة وتُعلَّل بعبارة من النصّ.
3. أحد رهانات النصّ (2 ن) — الفكرة: الرهان ما يكسبه الفكر أو الفعل إذا صحّ موقف الكاتب؛ نصوغه «يراهن النصّ على…» ثمّ نعلّل، دون تلخيص الجملة الأخيرة.
رهان نظريّ: يراهن النصّ على التمييز بين السعادة الحقيقيّة وأشباهها، أي بين خير تامّ يُطلب لذاته وخيرات جزئيّة لا تُطلب إلّا وسائل؛ فإذا صحّ هذا التمييز، لم يعد ما يحسبه «أكثر الناس» معيارا لما هو خير.
رهان عمليّ مقبول أيضا: تحرير الإنسان من التعلّق بما لا يملكه حقّا، وتوجيه سلوكه إلى ما لا يتوقّف على غيره ولا يسلبه الزمن؛ فمن فهم أنّ الثروة تزيد خوفه عليها، كفّ عن جعلها غاية حياته.
ما لا يُقبل في المهمّة الثالثة: «يرى الكاتب أنّ الثروة لا تحقّق السعادة»؛ فهذه إعادة للأطروحة لا بيان لما يترتّب عليها.