الموضوع الثاني — مقال فلسفيّ في صيغة قولة (على شاكلة اختبار شعبة الآداب)
يختار المترشّح أحد المواضيع الثلاثة؛ هذا أحدها:
قيل: «لا يسعد المرء بما ينال من رغباته، بل بما يستغني عنه منها».
حلّل هذا القول وناقشه مبرزا شروط تحقّق السعادة.
(قولة من إعداد مسار على منوال الموضوع الثاني لدورة المراقبة 2025، شعبة الآداب: بُنيت مثله على «لا… بل…»، وبقيت التعليمة كما وردت. لا يُطبع سلّم إسناد على مواضيع شعبة الآداب.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: القولة تنفي وتثبت في آن: تنفي أن تكون السعادة ثمرة نيل الرغبات، وتثبت أنّها ثمرة الاستغناء عنها. فالمقال يحلّل الموقفين معا، المنفيّ بمبرّراته قبل المثبت، ثمّ يناقش الإثبات، ويجعل شروط تحقّق السعادة سؤالا يرافق كلّ لحظة ويُجاب عنه صراحة في التركيب.
العمل التحضيريّ: تفكيك القولة
- بناء «لا… بل…»: نفي يليه إثبات. القولة لا تقول إنّ الاستغناء يُضاف إلى نيل الرغبات، كما في صيغة «لا… فحسب، بل…»، بل تستبعد النيل وتضع مكانه ما يبدو نقيضه؛ ولذلك يمتحن النقاش هذا الاستبعاد نفسه: هل الاستغناء نقيض الإشباع أم تدبير له؟
- «يسعد»: السعادة رضا دائم عن الحياة في جملتها، لا لذّة عابرة؛ ونيل الرغبة يمنح لذّة لا شكّ فيها، والسؤال هل يمنح سعادة.
- «ما ينال من رغباته»: الإشباع، أي تحصيل موضوعات الرغبة من مال ولذّة وجاه ومكانة.
- «ما يستغني عنه منها»: الاستغناء ألّا يحتاج المرء إلى موضوع الرغبة ليرضى، ويحتمل ثلاثة معان يجب التمييز بينها: قمع الرغبة، أو الإعراض عن طلب إشباعها، أو ترتيبها بحيث لا يبقى منها إلّا ما لا يستعبد صاحبه.
- «مبرزا شروط تحقّق السعادة»: المطلوب أن ينتهي المقال إلى جواب عن سؤال «بمَ تتحقّق السعادة؟»، يُبنى تدريجيّا في التحليل والنقاش.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد يضع التوتّر، ثمّ بسط للقولة دون نسخها، ثمّ إشكاليّة تحمل النفي والإثبات والشروط. مقدّمة ممكنة:
«لم يعرف الإنسان عصرا وفّر له من وسائل إرضاء رغباته ما يوفّره هذا العصر، ومع ذلك لا يبدو الناس أسعد ممّن سبقهم، بل كأنّ كلّ رغبة تُقضى تفتح بابا لغيرها. ومن هنا القول بأنّ المرء لا يسعد بما ينال من رغباته، بل بما يستغني عنه منها: فالسعادة، على هذا الرأي، ليست في الامتلاك بل في التحرّر من الحاجة إليه. فهل يكون طريق السعادة في الاستغناء عن الرغبات لا في إشباعها؟ وإذا كانت الرغبة لا تنقطع، فهل يكفي الإعراض عنها لبلوغ الرضا، أم أنّ للسعادة شروطا تتجاوز هذه المقابلة بين الإشباع والاستغناء؟»
الجوهر — التحليل (1): الموقف المنفيّ ومبرّراته — الفكرة: لا نبدأ بالإثبات؛ الموقف الذي تنفيه القولة ليس سخيفا، وتحليله بأقوى حججه هو ما يجعل النفي ذا قيمة.
- القوّة على الإشباع: يدافع كاليكليس في محاورة «جورجياس» لأفلاطون عن أنّ من يريد أن يعيش حقّا يترك رغباته تكبر ويقدر على إشباعها، وأنّ الاعتدال مديح يلجأ إليه العاجزون.
- اللذّة خير حاضر: يرى القورينائيّون أنّ اللذّة الحاضرة هي الخير المؤكّد، فالتضحية بها من أجل رضا مؤجّل رهان على ما لا نملك.
- الحرمان ليس فضيلة: من حُرم الضروريّ لا يتفرّغ للحكمة؛ وقد اشترط أرسطو قدرا من الخيرات الخارجيّة للحياة السعيدة.
الجوهر — التحليل (2): الموقف المثبت — الفكرة: نبيّن لماذا يخفق الإشباع في منح السعادة، ثمّ ما يمنحه الاستغناء.
- الرغبة لا تنقطع: كلّ إشباع يولّد رغبة جديدة، فمن ربط سعادته بالإشباع ربطها بما لا نهاية له؛ وفي «جورجياس» نفسها يشبّه سقراط نفس الشره بجرّة مثقوبة لا تمتلئ أبدا.
- ترتيب الرغبات: يميّز أبيقور بين رغبات طبيعيّة ضروريّة، وطبيعيّة غير ضروريّة، ولا طبيعيّة ولا ضروريّة، ويجعل السعادة في طمأنينة من اكتفى بالأولى؛ فالاستغناء عنده ترتيب للرغبات لا قتل لها.
- تغيير الرغبات لا نظام العالم: يجعل ديكارت من قواعد أخلاقه المؤقّتة في «حديث الطريقة» أن يسعى المرء إلى مغالبة نفسه لا مغالبة الحظّ، وإلى تغيير رغباته بدل تغيير نظام العالم، فلا يطلب إلّا ما يستطيع بلوغه فيكون راضيا.
فقرة ممكنة من التحليل: «يخفق الإشباع في منح السعادة لأنّ الرغبة لا تكفّ عن التجدّد: فما إن ينال المرء ما اشتهاه حتّى يعتاده، فتفتر لذّته ويطلب غيره. ومن علّق رضاه بنيل رغباته علّقه بسلسلة لا نهاية لها، وبظروف لا يملكها. أمّا من استغنى عن كثير من رغباته فقد استردّ نفسه: لا يخاف فقدان ما لا يحتاج إليه، ولا يحسد من يملكه. وهذا ما قصده أبيقور حين جعل الغنى في قلّة الحاجة لا في كثرة المال.»
الجوهر — النقاش: هل الاستغناء نقيض الإشباع؟ — الفكرة: نمتحن الإثبات لا لنهدمه بل لنحدّ مداه ونستخرج منه الشروط.
- المكاسب: يحرّر الاستغناء من عبوديّة الرغبة ومن الخوف على ما نملك، ويجعل جزءا من السعادة في متناولنا مهما كانت الظروف.
- حدّ أوّل — الاستغناء المطلق يلغي الحياة: لو كانت السعادة في الإعراض عن كلّ رغبة، لكان أسعد الناس من لا يرغب في شيء؛ ويرى سبينوزا أنّ الرغبة ماهية الإنسان نفسها، فلا يُطلب إلغاؤها بل تحويلها بالمعرفة إلى فرح.
- حدّ ثانٍ — قد يكون الإعراض هزيمة مقنّعة: من يعلن زهده في ما عجز عن نيله قد لا يكون مستغنيا بل منكسرا؛ وقد رأى نيتشه في بعض الزهد كراهية للحياة تتخفّى في ثوب الحكمة.
- حدّ ثالث — شروط لا تُردّ إلى الرغبة: الصحّة والأمان والعدالة والصداقة لا يُشبعها المرء بقرار فرديّ ولا يُطلب منه أن يستغني عنها؛ فلا تُختزل السعادة في مقابلة بين الإشباع والاستغناء.
التركيب: شروط تحقّق السعادة — الفكرة: نجيب عن التوجيه صراحة، بشروط مرتّبة لا بحلّ وسط غامض. مثال: «لا تتحقّق السعادة بإشباع كلّ رغبة ولا بالإعراض عن كلّ رغبة، بل بثلاثة شروط: أن يعرف المرء رغباته فيميّز ما يحتاج إليه حقّا ممّا يوهمه به التقليد والإغراء (شرط معرفيّ)؛ وأن يقدر على الاستغناء عمّا لا يتعلّق به، فلا يرهن رضاه بما يمكن أن يُنتزع منه (شرط أخلاقيّ)؛ وأن تتوفّر له الخيرات الأساسيّة التي لا يُطلب من أحد أن يستغني عنها (شرط اجتماعيّ).»
الخاتمة — الفكرة: جواب عن الإشكاليّة بما انتهى إليه الجوهر، ثمّ أفق مفتوح لا يكرّر التمهيد. مثال: «تصيب القولة حين تكشف وهم الإشباع الذي لا ينتهي، وتتجاوز حدّها حين تجعل الاستغناء نقيضا للرغبة؛ فالسعادة ليست في موت الرغبة بل في أن يملكها صاحبها بدل أن تملكه. ويبقى سؤال مفتوح: هل هذه السيطرة على الرغبة في متناول كلّ فرد، أم أنّ للمجتمع نصيبا في ما يصنعه فينا من رغبات؟»
ما يكلّف نقاطا: تحليل الموقف المثبت وحده كأنّ القولة لا تنفي شيئا؛ قراءة «الاستغناء» قمعا للرغبة دون تمييز معانيه؛ تأجيل الشروط إلى سطرين في الخاتمة؛ نقاش يرفض القولة كلّها بدل أن يحدّ مداها؛ سرد أسماء (أبيقور، الرواقيّون، سبينوزا) لا يُشغَّل أيّ منها في الجواب.