القسم الأوّل: النصّ (14 نقطة) — على شاكلة اختبار شعبة الرياضة
النصّ:
لا يولد أحدٌ وهو يعرف من يكون. فالطفل يتلقّى اسمه من أفواه الآخرين، ويكتشف ما يقدر عليه في عيون من يرعونه، ويتبيّن حدوده حين تصطدم رغباته برغبات غيره. ولو نشأ إنسانٌ في عزلة تامّة منذ ولادته لما عرف أنّ له «أنا» يميّزها عمّا سواها، إذ لا يتميّز المرء إلّا عمّن يقابله. فليست الإنّيّة جوهرا جاهزا يحمله الفرد في داخله ثمّ يعرضه على الناس، بل هي حصيلة مسار طويل يتلقّى فيه من غيره التقدير أو الازدراء، ويبني على ذلك فكرته عن نفسه.
وليس الاعتراف مجاملة تُضاف إلى وجود مكتمل، بل هو حاجة حيويّة للذات: أن يُقرّ غيري بأنّي كائن جدير بالعناية، وبأنّ لي من الحقوق مثل ما له، وبأنّ ما أنجزه ذو قيمة. فالرياضيّ الذي يتدرّب سنوات لا يكفيه أن يعرف في قرارة نفسه أنّه أجاد، بل ينتظر إعلان الحكم وتصفيق الجمهور ومصافحة منافسه؛ فإذا حُرم ذلك كلّه شعر بأنّ شيئا منه قد أُنكر.
ومن هنا خطورة الاحتقار. فمن يُهان باستمرار، أو يُعامَل كأنّه غير موجود، لا يخسر مكانته بين الناس فحسب، بل يفقد شيئا من ثقته بنفسه ومن قدرته على أن يقول «أنا» مرفوع الرأس. إنّ الإنسان كائن هشّ لأنّ وعيه بذاته يمرّ عبر الآخرين. ولذلك فإنّ المجتمع الذي يحرم بعض أفراده من الاعتراف لا يظلمهم في أرزاقهم وحدها، بل يجرحهم في هويّتهم ذاتها. فالإنّيّة لا تُبنى في العزلة، وإنّما تُنتزع في علاقة الاعتراف.
نصّ تدريبيّ من إنشاء مسار، يستلهم فلسفة الاعتراف عند هيغل وأكسل هونيث.
أنجز المهامّ التالية من خلال النصّ:
- صغ إشكاليّة النصّ. (03 نقاط)
- حدّد سياقيّا مفهوم «الاعتراف». (نقطتان)
- قدّم من النصّ حجّة على أنّ الإنّيّة لا تتكوّن في العزلة. (03 نقاط)
- استخلص أحد رهانات النصّ. (03 نقاط)
- هل في اعتبار الغير مصدرا للاعتراف بالذات ما يستوفي حقيقة الغير؟ (03 نقاط)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: المهامّ الخمس ليست أسئلة فهم متفرّقة: الأولى تضع المشكل، والثانية والثالثة تشتغلان على لفظ النصّ (مفهوم في سياقه، ثمّ حجّة وآليّتها)، والرابعة تسأل عمّا يراهن عليه الكاتب، والخامسة تطلب منك أن تحكم على موقفه. تُكتب لكلّ مهمّة فقرة قصيرة مرقّمة تستشهد بالنصّ بين «»، ولا يُكتب مقال واحد.
1. الإشكاليّة (3 ن) — الفكرة: الإشكاليّة سؤال يقابل بين جوابين ممكنين عن المشكل الذي يعالجه النصّ، لا تلخيص لأطروحته. الصياغة التي تبدأ بـ«يتحدّث الكاتب عن الاعتراف» لا تأخذ شيئا.
صياغة ممكنة: هل تتكوّن إنّيّة الإنسان في علاقته المباشرة بذاته، فتكون جوهرا جاهزا لا يحتاج إلى غيره، أم أنّها لا تقوم إلّا بما يمنحه الآخرون من اعتراف؟ وإذا كان وعي الذات بقيمتها يمرّ عبر الغير، فما الذي يترتّب على حرمانها من هذا الاعتراف؟
تشتغل هذه الصياغة بثلاثة مفاهيم من النصّ (الإنّيّة، الغير، الاعتراف)، وتضع الأطروحة التي يستبعدها الكاتب («جوهرا جاهزا») في مقابل أطروحته، ثمّ تفتح على ما يترتّب عنها في الفقرة الأخيرة (الاحتقار).
2. دلالة «الاعتراف» في سياق النصّ (2 ن) — الفكرة: التحديد السياقيّ يبني المعنى من عبارات النصّ نفسه، ويبدأ بما ينفيه الكاتب. التعريف المعجميّ وحده (الاعتراف بمعنى الإقرار بالذنب أو البوح) لا يُحتسب، لأنّه معنى آخر للّفظ.
- ما ينفيه النصّ: ليس الاعتراف «مجاملة تُضاف إلى وجود مكتمل»، أي زينة اجتماعيّة يمكن الاستغناء عنها.
- ما يثبته: هو «حاجة حيويّة للذات» تتمثّل في إقرار الغير بثلاثة أمور: أنّي «كائن جدير بالعناية»، وأنّ لي «من الحقوق مثل ما له»، وأنّ ما أنجزه «ذو قيمة».
- نقيضه في النصّ: «الاحتقار»، أي أن «يُعامَل» المرء «كأنّه غير موجود».
دلالة مركّبة: الاعتراف في النصّ إقرار الغير بقيمة الذات وبمساواتها له في الحقوق، وهو شرط لثقتها بنفسها ولبناء هويّتها، لا إضافة إلى هويّة مكتملة.
3. حجّة على أنّ الإنّيّة لا تتكوّن في العزلة (3 ن) — الفكرة: الحجّة تُستخرج بلفظ النصّ، ثمّ تُسمّى آليّتها، ثمّ يُبيَّن ما تثبته. نقل الجملة وحده يضيّع أغلب العدد.
الحجّة: «ولو نشأ إنسانٌ في عزلة تامّة منذ ولادته لما عرف أنّ له «أنا» يميّزها عمّا سواها، إذ لا يتميّز المرء إلّا عمّن يقابله».
آليّتها: حجّة بالافتراض تسير سير البرهان بالخلف: يفترض الكاتب إنسانا بلا غير، ثمّ يبيّن أنّ هذا الافتراض ينتهي إلى ما ينفي الإنّيّة نفسها، أي إلى غياب «أنا» متميّز. وتستند إلى مبدأ منطقيّ صريح في النصّ: التمييز علاقة، فلا يتميّز شيء إلّا عن شيء آخر.
ما تثبته: الغير ليس عاملا مساعدا يأتي بعد تكوّن الذات، بل شرط لظهور الوعي بالذات أصلا. وتُقبل أيضا حجّة المثال التي يفتتح بها النصّ: الطفل «يتلقّى اسمه من أفواه الآخرين»، فأوّل علامة على هويّته تأتيه من غيره.
4. أحد رهانات النصّ (3 ن) — الفكرة: الرهان هو ما يريد الكاتب أن يكسبه بموقفه، نظريّا أو عمليّا؛ يُستخلص ممّا يترتّب عن الأطروحة ولا يكون إعادة لها.
رهان إيتيقيّ-سياسيّ: إذا كانت الهويّة تتكوّن في علاقة الاعتراف، فإنّ الاحتقار ليس إساءة عابرة بل ظلم يجرح الناس «في هويّتهم ذاتها». ويراهن النصّ بذلك على توسيع معنى العدل: لا يكفي ألّا يُظلم الناس «في أرزاقهم»، بل عليه أن يضمن لكلّ أفراده الاعتراف بكرامتهم، ضدّ الإقصاء والتهميش والتمييز، ومنه العنصريّة التي تُمارَس في الملاعب.
وتُقبل رهانات أخرى إذا عُلّلت: رهان أنطولوجيّ هو نقد تصوّر الذات جوهرا مكتفيا بذاته؛ أو رهان تربويّ هو أهمّيّة التقدير في بناء ثقة الطفل والرياضيّ بنفسه.
5. هل يستوفي اعتبار الغير مصدرا للاعتراف حقيقةَ الغير؟ (3 ن) — الفكرة: صيغة «هل في اعتبار… ما يستوفي…؟» سؤال نقديّ: نقرّ أوّلا بما يصيبه هذا الاعتبار، ثمّ نبيّن ما يفوته من حقيقة الغير، ثمّ نبني موقفا. الجواب بنعم أو لا دون تعليل لا يُحتسب.
- ما يصيبه: الغير فعلا مصدر للاعتراف لا غنى عنه: به أعي قيمتي وأطمئنّ إلى حقوقي، كما في مثال الرياضيّ الذي ينتظر «إعلان الحكم وتصفيق الجمهور ومصافحة منافسه». وقد جعل هيغل الاعتراف المتبادل شرطا لأن يبلغ الوعي حقيقته.
- ما يفوته: إذا اختُزل الغير في وظيفة المانح للاعتراف، صار وسيلة أبني بها ذاتي، وضاع كونه ذاتا حرّة لها هويّتها ومطالبها. والحال أنّ الإنسان، عند كانط، يُعامَل دائما غاية لا وسيلة فحسب؛ ويرى ليفيناس أنّ وجه الغير يضعني أمام مسؤوليّة تجاهه قبل أن أطلب منه شيئا. ثمّ إنّ الغير قد يكون مصدر احتقار أو نظرة تشيّئني، كما يبيّن سارتر، فلا تنحصر علاقتي به في الاعتراف.
- موقف: الغير مصدر للاعتراف وغاية في ذاته معا؛ ولا يكون الاعتراف حقيقيّا إلّا متبادلا: لا أستعمل الآخر لأبني نفسي، بل أعترف به بقدر ما أطلب اعترافه بي.