التمرين الثالث: النصّ (6 نقاط) — على شاكلة الورقة المشتركة للشعب العلميّة وشعبة الاقتصاد والتصرّف
النصّ:
حين أعلن الفيلسوف أنّه يستطيع أن يشكّ في كلّ شيء إلّا في كونه يفكّر، ظنّ أنّه عثر على يقين لا يدين فيه لأحد. فالأنا المفكّر يكفيه أن يلتفت إلى ذاته ليتيقّن من وجوده، أمّا الآخرون فلا يبلغهم إلّا استدلالا: أرى من النافذة قبّعات ومعاطف تتحرّك في الشارع، فأحكم بأنّ تحتها أناسا مثلي. غير أنّ هذا الكوجيتو المعزول يقوم على نسيان. فأنا لم أقل «أنا أفكّر» إلّا بلغة تلقّيتها من غيري، ولم أمرّن فكري على الشكّ إلّا في حوار مع من اعترضوا على آرائي.
ثمّ إنّ جسدي ليس شيئا بين الأشياء، وبه أدرك جسد الآخر لا آلةً تتحرّك بل سلوكا يقصد العالم كما أقصده: فحين يمدّ أحدهم يده نحو كأس أفهم ما يريده قبل أن أستدلّ عليه. ولذلك لا يكون الغير في تجربتي فرضيّة تنتظر الإثبات، بل حضورا سابقا على كلّ برهان، والوعي لا يلتقي بنفسه إلّا وقد التقى بغيره. فإذا أردنا أن نحتفظ بالكوجيتو، فعلينا أن نفهمه على نحو آخر: لا يقينَ فكرٍ منغلق على ذاته، بل يقينَ ذاتٍ متجسّدة تجد نفسها منذ البدء في عالم تتقاسمه مع غيرها. إنّ «أنا أفكّر» الحقيقيّ يحمل في طيّاته «نحن».
نصّ تدريبيّ من إنشاء مسار، يستلهم نقد موريس ميرلوبونتي للكوجيتو المنعزل؛ ومثال القبّعات والمعاطف من «التأمّل الثاني» لديكارت.
أنجز المهامّ التالية انطلاقا من النصّ:
- حدّد إشكاليّة النصّ. (نقطتان)
- حدّد دلالة «الكوجيتو» في سياق النصّ. (نقطتان)
- اكشف عن أحد رهانات هذا النصّ. (نقطتان)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: ثلاث مهامّ مستقلّة من نقطتين، يُجاب عن كلّ منها في فقرة قصيرة تستند إلى لفظ النصّ. المهمّة الثانية مركز الثقل: «في سياق النصّ» تعني أنّ المطلوب ليس تعريف الكوجيتو كما يُحفظ في الدرس، بل المعنى الذي يمنحه له هذا النصّ، ويُبنى بالتمييز بين المعنى الذي يستبعده والمعنى الذي يثبته.
1. الإشكاليّة (2 ن) — الفكرة: نبحث عن التوتّر بين جوابين: أنا مكتفٍ بيقينه، وذات لا تعي نفسها إلّا مع غيرها.
صياغة ممكنة: هل يبلغ الأنا يقينه بوجوده في عزلة عن الآخرين، فلا يكون الغير عنده إلّا موضوع استدلال واحتمال، أم أنّ الذات لا تعي نفسها إلّا وهي منخرطة بجسدها ولغتها في عالم تتقاسمه مع غيرها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأيّ معنى يظلّ للكوجيتو يقينه؟
المفاهيم التي تشتغل عليها الصياغة: الأنا، اليقين، الغير، الاستدلال، الجسد، اللغة. والخطأ الشائع أن تُكتب الإشكاليّة سؤالا لا يحتمل إلّا جوابا واحدا («هل الغير موجود؟»).
2. دلالة «الكوجيتو» في سياق النصّ (2 ن) — الفكرة: نحدّد المعنى بالنفي ثمّ بالإثبات، ونستشهد في كلّ مرّة بعبارة من النصّ.
- المعنى الذي يستبعده النصّ: الكوجيتو الديكارتيّ «المعزول»: يقين الفكر بوجوده حين «يلتفت إلى ذاته» وحدها، يقين «لا يدين فيه لأحد»، والآخرون فيه لا يُعرفون إلّا «استدلالا» من علامات خارجيّة، كالقبّعات والمعاطف التي يحكم ديكارت بأنّ تحتها أناسا.
- المعنى الذي يثبته: «يقين ذات متجسّدة تجد نفسها منذ البدء في عالم تتقاسمه مع غيرها». فالكوجيتو يظلّ يقينا أوّل، لكنّه يقين يحمل الغير في داخله: لغة «تلقّيتها من غيري»، وجسد به أفهم ما يريده الآخر «قبل أن أستدلّ عليه»؛ ولذلك يحمل «أنا أفكّر» في طيّاته «نحن».
صياغة تركيبيّة: الكوجيتو في سياق النصّ هو يقين الذات بوجودها بوصفها ذاتا متجسّدة وناطقة، منفتحة منذ البدء على الغير، لا يقين فكر منغلق يستدلّ على الآخرين استدلالا. ولا تُحتسب إجابة تكتفي بترجمة «أنا أفكّر إذن أنا موجود»، لأنّ هذا بالضبط هو المعنى الذي يعيد النصّ النظر فيه.
3. أحد رهانات النصّ (2 ن) — الفكرة: الرهان ما يكسبه الكاتب إذا صحّ موقفه؛ نصوغه في جملة تبدأ بـ«يراهن النصّ على…» ثمّ نعلّله.
رهان معرفيّ: يراهن النصّ على تجاوز مأزق الأنانة (الوحديّة)، أي الموقف الذي لا يقين فيه إلّا بوجود الأنا؛ فإذا كان الغير «حضورا سابقا على كلّ برهان»، سقط السؤال عن إثبات وجوده، ولم يعد فرضيّة يمكن الشكّ فيها.
رهان إيتيقيّ مقبول أيضا: إذا كنتُ لا أقول «أنا» إلّا وفي قولي «نحن»، فإنّ علاقتي بالغير ليست علاقة ذات بموضوع أراقبه من نافذتي، بل مشاركة في عالم واحد؛ ومن ثمّ يتأسّس احترام الغير والحوار معه على ما هو مشترك بيننا.