الموضوع الثاني — مقال فلسفيّ (على شاكلة اختبار شعبة الآداب)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ هذا هو الموضوع الذي في صيغة سؤال.
الموضوع: إلى أيّ مدى يمكن القول إنّ الإنسان لا يكون هو ذاته إلّا بالغيريّة؟
المطلوب: حرّر مقالا فلسفيّا متماسكا (مقدّمة، جوهر، خاتمة).
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: «إلى أيّ مدى» صيغة تقدير: لا يُنتظر جواب بنعم أو لا، بل أن تُثبت أوّلا ما يصحّ في القول، ثمّ تقيس مداه، ثمّ تعيّن الحدّ الذي يتوقّف عنده. وفي هذا الموضوع يضاعف أسلوب الحصر («لا يكون… إلّا») المطلوب: فالقول لا يجعل الغيريّة شرطا من شروط الإنّيّة فحسب، بل شرطها الوحيد، وعلى هذا الحصر بالذات يقع التقدير.
العمل التحضيريّ: تفكيك الصيغة
- «إلى أيّ مدى يمكن القول»: إمكان يُقرّ به مبدئيّا ثمّ يُسأل عن حدوده؛ المطلوب تقدير مشروعيّة قول، لا الحكم عليه دفعة واحدة.
- «الإنسان… هو ذاته»: الإنّيّة، أي ما به يكون الإنسان هو هو: وعيه بذاته، ووحدته واستمراره، وتفرّده عن غيره.
- «لا… إلّا»: حصر يجعل الغيريّة شرطا ضروريّا وكافيا معا؛ والتقدير سيفصل بين الضرورة، وهي قابلة للدفاع، والحصر، وهو موضع النقاش.
- «بالغيريّة»: لا تعني الغير وحده، أي الشخص الآخر، بل كون الآخر مختلفا عنّي. وقد ميّز الإصلاح الرسميّ لدورة المراقبة 2019 بين ثلاث دلالات لها: الآخر المختلف عن الذات، وعالم الأشياء وكلّ ما هو خارج عن نطاق الذات، والآخر الكامن في الذات نفسها.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد يضع المشكل دون أن يحسمه، ثمّ بسط يحدّد المطلوب، ثمّ إشكاليّة. مقدّمة ممكنة:
«يميل الوعي العاديّ إلى أن يرى في الذات حصنا داخليّا: أنا أعرف من أكون قبل أن ألقى الناس، وهم لا يضيفون إليّ إلّا ما أقبله منهم. غير أنّ تجربتنا تكذّب هذا اليقين كلّ يوم: فنحن نتلقّى أسماءنا ولغتنا من غيرنا، ونرتبك تحت نظرة غريب، ولا نعرف حدودنا إلّا حين نصطدم بمن يخالفنا. ومن هنا يُطرح السؤال: إلى أيّ مدى يمكن القول إنّ الإنسان لا يكون هو ذاته إلّا بالغيريّة؟ فهل تقوم الإنّيّة بذاتها ومن ذاتها، أم لا تتقوّم إلّا بما يختلف عنها؟ وإذا كانت الغيريّة شرطا لها، فهل هي شرطها الوحيد، أم أنّ للذات مقوّمات لا تُردّ إلى الغير، وقد تنقلب الغيريّة نفسها، إذا صارت كلّ شيء، إلى ما يسلب الذات ذاتها؟»
الجوهر — لحظة التحليل — الفكرة: نحلّل الأطروحة التي يوحي بها السؤال قبل نقدها: نكشف مسلّماتها، ثمّ نبنيها بحجج مشغَّلة لا مسرودة.
- مسلّماتها الضمنيّة: أنّ الإنّيّة ليست جوهرا جاهزا بل بناء وصيرورة؛ وأنّ الذات منفتحة على غيرها بالضرورة؛ وأنّ الاختلاف مقوِّم للهويّة لا نافٍ لها.
- على مستوى الوعي بالذات: لا يبلغ الوعي حقيقته إلّا إذا اعترف به وعي آخر، كما تبيّن جدليّة السيّد والعبد عند هيغل؛ ونظرة الغير عند سارتر تكشف لي بعدا من ذاتي لا أبلغه وحدي، كما في تجربة الخجل.
- على مستوى اللغة والعالم المشترك: لا أقول «أنا» إلّا بلغة تلقّيتها من غيري؛ ويبيّن ميرلوبونتي أنّ جسد الآخر يُعطى لي سلوكا يقصد العالم مثلي، فأنا منذ البدء في عالم مشترك.
- على مستوى الهويّة الشخصيّة: يرى ريكور أنّ الذات تفهم نفسها في حكاية تُروى للآخرين ومعهم، وأنّ الغيريّة تسكنها من داخلها («الذات عينها كآخر»).
فقرة ممكنة من التحليل: «يقوم القول بأنّ الإنسان لا يكون هو ذاته إلّا بالغيريّة على مسلّمة أولى: أنّ الإنّيّة ليست معطى جاهزا بل ثمرة علاقة. فالوعي، عند هيغل، لا يكتفي بيقينه الذاتيّ، لأنّ هذا اليقين يظلّ ذاتيّا ما لم يعترف به وعي آخر؛ ولهذا يخوض الوعيان صراع الاعتراف الذي يصير فيه كلّ منهما ما هو بوساطة الآخر. وعلى هذا النحو لا يكون الغير إضافة لاحقة إلى ذات مكتملة، بل الوسط الذي تظهر فيه الذات لنفسها.»
الجوهر — لحظة النقاش — الفكرة: نعترف بمكاسب الأطروحة، ثمّ نقيس مداها. والحدود هنا ثلاثة، أقواها ما يصيب الحصر.
- المكاسب: تجاوز انغلاق الكوجيتو الديكارتيّ والأنانة؛ فهم الإنّيّة صيرورة لا جوهرا؛ جعل الغير شرطا بعد أن كان يُعدّ عائقا؛ تأسيس الاعتراف والتسامح على الاختلاف.
- حدّ أوّل — الغيريّة قد تسلب الذات ذاتها: نظرة الغير عند سارتر تشيّئني أيضا وتسلبني عالمي، والذوبان في «الناس» (الـ«هُم») عند هايدغر وجود غير أصيل يفكّر فيه المرء كما يفكّر الجميع. فالغيريّة، إذا صارت كلّ شيء، لا تقوّم الإنّيّة بل تذيبها.
- حدّ ثانٍ — الحصر ينسى مقوّمات أخرى: للذات مقوّمات لا تُردّ إلى الغير: جسدها الخاصّ، وذاكرتها التي تصل ماضيها بحاضرها (وبها حدّد لوك الهويّة الشخصيّة)، وحرّيّتها في أن تختار مشروعها. فالغيريّة شرط ضروريّ، لكنّها ليست الشرط الوحيد.
- حدّ ثالث — ما لا يُردّ إلى الغير: يحتفظ الكوجيتو الديكارتيّ بحقيقة جزئيّة: قدرة الذات على أن تقول «أنا» وأن تسائل ما يقوله الآخرون عنها. ولولا هذه المسافة لما كان للاعتراف معنى، إذ لا يعترف إلّا من كان ذاتا.
فقرة ممكنة من النقاش: «غير أنّ هذا القول، في صيغته الحاصرة، يتجاوز ما تسمح به حججه. فإذا كانت الذات لا تكون هي ذاتها إلّا بالغيريّة، فإنّها تصير رهينة ما يصنعه لها الآخرون من أحكام؛ وهذا ما يحذّر منه هايدغر حين يصف ذوبان الفرد في «الناس» الذين يفكّرون عنه ويختارون عنه. ثمّ إنّ من يعترف بي لا يمنحني ذاكرتي ولا جسدي ولا قدرتي على أن أرفض حكمه. فالغيريّة شرط لقيام الإنّيّة، لكنّها لا تقوّمها إلّا بقدر ما تبقى للذات مسافة تحفظ بها اختلافها هي أيضا.»
التركيب والموقف — الفكرة: نتجاوز التقابل بموقف يحدّد المدى بدقّة، لا بحلّ وسط غامض. مثال: «يمكن القول إنّ الإنسان لا يكون هو ذاته إلّا بالغيريّة إلى المدى الذي تُفهم فيه الغيريّة اعترافا متبادلا يحفظ الاختلاف، وتُفهم فيه الإنّيّة علاقة لا جوهرا. أمّا ما وراء هذا المدى، حين تُلغى المسافة بين الذات وغيرها، فتنقلب الغيريّة من شرط للإنّيّة إلى نفي لها.»
الخاتمة — الفكرة: حصيلة تجيب عن السؤال بالمدى الذي انتهى إليه الجوهر، ثمّ أفق مفتوح لا يعيد المقدّمة. مثال: «هكذا تبيّن أنّ الغيريّة شرط لا تقوم الإنّيّة بدونه، لكنّ حصر الإنّيّة فيها يعرّضها للاستلاب ويغفل ما للذات من جسد وذاكرة وحرّيّة. فهل يستطيع شابّ يقيس قيمته بعدد من يتابعونه على الشبكات أن يحفظ هذه المسافة التي بدونها يصير الاعتراف تبعيّة؟»
ما يكلّف نقاطا: تحويل «إلى أيّ مدى» إلى «هل» ثنائيّ؛ الخلط بين الغير والغيريّة؛ سرد المواقف (هيغل، سارتر، ليفيناس…) دون ربطها بلفظ الحصر؛ نقاش يكتفي بإيراد ديكارت أطروحةً مقابلة دون نقده؛ خاتمة تكرّر المقدّمة.