الموضوع الأوّل — مقال فلسفيّ في صيغة قولة (على شاكلة اختبار شعبة الآداب)
يختار المترشّح موضوعا واحدا من المواضيع الثلاثة المقترحة؛ والموضوع المعروض هنا قولة للتحليل والنقاش.
الموضوع: قيل: «قد تحجب النماذج عن العالِم جانبا من الواقع، ولكنّ العلم لا يتقدّم خطوة من دونها». حلّل هذا القول وناقشه مبرزا قيمة النمذجة في العلم.
المطلوب: حرّر مقالا فلسفيّا متماسكا (مقدّمة، جوهر، خاتمة).
(قولة من إعداد مسار على منوال الموضوع الأوّل للدورة الرئيسيّة 2025، شعبة الآداب: بُنيت مثله على «قد… ولكنّ…»، وبقيت التعليمة كما وردت. لا يُطبع سلّم إسناد على موضوع الآداب.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: القولة لا تنفي خطر النمذجة ولا تجعله قدرا: تسلّم به إمكانا («قد تحجب»)، ثمّ تستدرك بإثبات ضرورة («ولكنّ العلم لا يتقدّم خطوة من دونها»)، وثقلها في الشطر الثاني. والتعليمة تطلب إبراز «قيمة النمذجة في العلم»، أي ما تمنحه النمذجة للعلم معرفيّا وعمليّا؛ وهذه القيمة هي التي تفسّر لماذا يقبل العلم ما قد تحجبه النماذج.
العمل التحضيريّ: تفكيك القولة
- «قد تحجب»: «قد» مع المضارع تفيد الإمكان والتقليل: الحجب احتمال يلازم النمذجة لا نتيجة محتومة لها. ولو قيل «تحجب النماذج…» بلا «قد» لصار الحجب ماهيّة النموذج، ولتغيّر المقال.
- «جانبا من الواقع»: لا الواقع كلّه. فالنموذج ينتقي من الظاهرة متغيّرات ويُهمل أخرى، وما يحجبه هو ما أهمله؛ والخطر أن يُنسى أنّه أُهمل.
- «ولكنّ العلم لا يتقدّم خطوة من دونها»: استدراك يقع عليه ثقل القول، ونفي مؤكّد («لا… خطوة») يجعل النمذجة شرطا ضروريّا لتقدّم العلم، لا أداة من أدوات كثيرة يمكن الاستغناء عنها.
- «مبرزا قيمة النمذجة في العلم»: المطلوب الثالث: ما الذي تمنحه النمذجة للعلم (جعل المعقّد معقولا، الحساب والتوقّع، ربط النظريّة بالتجربة، التجريب حيث تمتنع التجربة)، ولماذا تستحقّ هذه القيمة ما قد تحجبه.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد من راهن العلم يضع التوتّر دون أن يحسمه، ثمّ بسط يعيد صياغة القولة ويحدّد المطلوب، ثمّ إشكاليّة تجمع الحركتين والتعليمة. مقدّمة ممكنة:
«حين يُعلَن أنّ نموذجا رقميّا يتوقّع ارتفاع حرارة الأرض في العقود القادمة، يعترض بعضهم: «ليس هذا إلّا نموذجا»، كأنّ النموذج ستار يقوم بيننا وبين الواقع. غير أنّ العلماء أنفسهم لا يملكون طريقا إلى المناخ غير النماذج. وفي هذا التوتّر تتنزّل القولة التي بين أيدينا: فهي تسلّم بأنّ النماذج قد تحجب عن العالِم جانبا من الواقع، لكنّها تؤكّد أنّ العلم لا يتقدّم خطوة من دونها. والمطلوب أن نحلّل هذا القول ونناقشه مبرزين قيمة النمذجة في العلم. فكيف يحتاج العلم دائما إلى ما قد يحجب عنه بعض ما يريد معرفته؟ هل الحجب ثمن عارض يمكن تداركه، أم أنّه ملازم لكلّ تمثيل؟ وإذا كانت النمذجة شرط تقدّم العلم، فأين تكمن قيمتها: في مطابقة الواقع، أم في ما تتيحه من فهم وتوقّع وفعل؟»
الجوهر — لحظة التحليل — الفكرة: نبني الحركتين بحجج مشغَّلة لا مسرودة، ونُظهر القيمة في كلّ منهما قبل أيّ نقد.
- مسلّمات القولة: أنّ الواقع أعقد من أن يُدرك مباشرة وفي كلّيّته؛ وأنّ النموذج بناء لا نسخة؛ وأنّ تقدّم العلم يُقاس بما يُضاف من فهم، لا بامتلاك صورة نهائيّة للعالم.
- الحركة الأولى — ما قد تحجبه النماذج: النموذج اختزال مقصود: نموذج الغاز المثاليّ يُهمل حجم الجزيئات وتجاذبها، والنقطة المادّيّة تُهمل شكل الجسم ودورانه. والإهمال شرط الحساب، لكنّه قد يُنسى، فيُعامَل ما لم يدخل النموذج كأنّه غير موجود. ويذكّر باشلار بأنّ المعرفة العلميّة لا تنطلق من معطى بل من بناء، والبناء ينتقي دائما.
- الحركة الثانية — ما لا يتقدّم العلم دونه: (أ) النموذج يجعل المعقّد قابلا للتفكير والحساب: بهذا حُسبت حركة الكواكب حين عوملت نقاطا مادّيّة؛ (ب) يربط النظريّة بالتجربة: فالتجربة نفسها تُصمَّم وفق نموذج مسبق يحدّد ما يُقاس وكيف، وهي الفكرة التي بنى عليها نصّ جون لادريار في الدورة الرئيسيّة 2019 علاقة النظريّة بالواقع؛ (ج) يتيح التجريب حيث تمتنع التجربة: المناخ والأوبئة لا تُعاد في مخبر، فتُحاكى.
- القيمة في لحظة التحليل: قيمة النمذجة معرفيّة (الفهم والتفسير)، وتوقّعيّة (الحساب والتنبّؤ)، وعمليّة (القرار والفعل)؛ وهي تفسّر قبول العلم لما قد تحجبه النماذج: فما يُهمَل هو ثمن ما يُفهَم.
فقرة ممكنة من التحليل: «لا تنكر القولة ما في النمذجة من خطر، لكنّها تقدّمه إمكانا: فالنموذج قد يحجب جانبا من الواقع لأنّه لا يحتفظ من الظاهرة إلّا بما يقدر على حسابه. حين يدرس الفيزيائيّ الغاز بنموذج الغاز المثاليّ، يُهمل حجم الجزيئات وتجاذبها، فيربح قانونا بسيطا يربط الضغط بالحجم ودرجة الحرارة، ويخسر ما يحدث حين يُضغط الغاز حتّى يقارب التميّع. غير أنّ هذه الخسارة هي ثمن ما يُكسب: فلولا الإهمال لبقيت الظاهرة كتلة من التفاصيل لا يُقال فيها شيء. ومن هنا تظهر قيمة النمذجة: إنّها تحوّل ما لا يُحاط به إلى ما يُفكَّر فيه ويُختبر، ولذلك لا يتقدّم العلم خطوة من دونها.»
الجوهر — لحظة النقاش — الفكرة: نعترف بمكاسب القولة، ثمّ نمتحن العلاقة بين حركتيها: هل يبقى الحجب إمكانا فعلا؟ ومتى ينقلب إلى ما يُفقد النمذجة قيمتها؟
- المكاسب: تتجاوز القولة موقفين متقابلين: الواقعيّة الساذجة التي ترى في النظريّة مرآة للواقع، والريبيّة التي تستنتج من الاختزال أنّ العلم وهم؛ وتجعل قيمة النموذج في خصوبته وقابليّته للمراجعة، إذ يتقدّم العلم، عند بوبر، بتعريض نظريّاته للتفنيد.
- حدّ أوّل — الحجب ملازم لا عارض: كلّ نموذج ينتقي، فالحجب ليس خللا يتداركه نموذج أكمل، بل شرط كلّ تمثيل؛ و«قد» تخفّف ما هو في الحقيقة دائم. غير أنّ ما يمكن تداركه هو نسيان الحجب لا الحجب نفسه: فتعدّد النماذج للظاهرة الواحدة يكشف ما أهمله كلّ منها.
- حدّ ثانٍ — من الحجب إلى التشويه: حين يُستعمل النموذج خارج مجال صلاحيّته، أو يُقدَّم للجمهور حقيقة لا فرضا، لا يحجب جانبا من الواقع فحسب بل يحلّ محلّه: نموذج اقتصاديّ يفترض إنسانا يحسب كلّ قراراته حسابا منتظما قد يوجّه سياسات تُهمل ما لا يُحسب من حاجات البشر. وهذا ما سمّاه الإصلاح الرسميّ لدورة المراقبة 2016 (شعبة الآداب) نزعة أداتيّة «تضخّم من قيمة النجاعة وتفقر الواقع».
- حدّ ثالث — قيمة لا تكفي نفسها: قيمة النمذجة معرفيّة وتقنيّة، لكنّها لا تقول لنا لأجل ماذا نستعمل ما نعرف؛ فسؤال المعنى والغايات يبقى خارج النموذج، ويحتاج إلى تفكير فلسفيّ ونقاش عموميّ.
فقرة ممكنة من النقاش: «غير أنّ «قد» في القولة تخفّف ما هو أعمق من الاحتمال: فلا نموذج بلا انتقاء، ولا انتقاء بلا حجب. والخطر الحقيقيّ ليس أن يحجب النموذج بعض الواقع، بل أن ننسى ما حجبه فنعامله كأنّه الواقع كلّه. حين يُطبَّق نموذج صالح لغاز مخلخل على غاز مضغوط، أو يُقدَّم نموذج اقتصاديّ مبسّط على أنّه وصف للناس كما هم، ينقلب الحجب تشويها، وتصير قيمة النمذجة قيمة أداتيّة تقيس المعرفة بنجاعتها وحدها. فالعلم يحتاج إلى النماذج دائما، لكنّ قيمتها لا تُضمن إلّا إذا بقيت حدودها معلنة.»
التركيب والموقف — الفكرة: نتجاوز التقابل بموقف يحدّد شرط القيمة، لا بحلّ وسط غامض. مثال: «ليس الحجب عيبا طارئا على النمذجة ولا ثمنا يدفعه العلم مكرها، بل هو الوجه الآخر لما يمنحها قيمتها: فالنموذج يُفهِم لأنّه يُهمل. غير أنّ هذه القيمة مشروطة: تكون للنمذجة قيمة علميّة بقدر ما يبقى الحجب معلنا، أي فرضيّات مصرّحا بها، ومجال صلاحيّة محدّدا، ونماذج بديلة تكشف ما أهمله غيرها؛ وتفقدها حين يُنسى المهمَل فيُقدَّم النموذج على أنّه الواقع نفسه.»
الخاتمة — الفكرة: جواب عن الإشكاليّة بالشرط الذي انتهى إليه الجوهر، ثمّ أفق مفتوح لا يكرّر التمهيد. مثال: «هكذا تبيّن أنّ العلم لا يتقدّم إلّا بنماذج تحجب بعض الواقع لتجعل بعضه الآخر معقولا، وأنّ قيمة النمذجة لا تكمن في مطابقة لا تبلغها، بل في فهم وتوقّع يعرفان حدودهما. ويبقى سؤال: حين تصير النماذج أساس قرارات تمسّ حياة الناس، من يتحمّل مسؤوليّة ما تحجبه؟»
ما يكلّف نقاطا: مقال في مساوئ النمذجة وحدها أو في فوائدها وحدها، فتضيع إحدى الحركتين؛ قراءة «قد» تحقيقا كأنّها مع الماضي، فيصير الحجب ماهيّة النموذج؛ تأجيل التعليمة إلى فقرة أخيرة عن «أهمّيّة النمذجة»؛ سرد أسماء (باشلار، بوبر، لادريار) دون تشغيل مواقفهم في القولة؛ الخلط بين الحجب والكذب؛ خاتمة تكرّر المقدّمة.