القسم الثاني: محاولة في حدود ثلاثين سطرا (10 نقاط) — على منوال الورقة المشتركة 2023–2024
القسم الثاني (10 نقاط)
يختار المترشّح أحد السؤالين ليحرّر في شأنه محاولة في حدود ثلاثين سطرا؛ هذا أحدهما:
هل غاية العالِم من بناء النماذج أن يبلغ حقيقة الواقع؟
(سؤال من إعداد مسار على منوال السؤال الأوّل من القسم الثاني في الدورة الرئيسيّة 2023: سؤال عن الغاية التي تُبنى لها النماذج.)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: اللفظ الحامل «غاية… أن يبلغ»: السؤال عن المقصد، لا عن صدق النماذج ولا عن فائدتها. لا نسأل هل النماذج صحيحة، بل هل الحقيقة هي ما يُطلب بها. واللفظ الذي يحمل الصعوبة «حقيقة الواقع»، أي الحقيقة بمعنى المطابقة. فالمقال يبني أوّلا الأطروحة التي يوحي بها السؤال (العلم طلب للحقيقة)، ثمّ يبيّن أنّ النموذج يُبنى لغايات أخرى ويُقوَّم بالملاءمة، ثمّ يسأل: هل يعني ذلك التخلّي عن الحقيقة؟
العمل التحضيريّ: تفكيك السؤال
- «غاية العالِم»: الغاية ما لأجله يُفعل الفعل؛ السؤال عن المقصد لا عن النتيجة، فقد يُفضي نموذج إلى معرفة صحيحة دون أن تكون المطابقة غايته.
- «بناء النماذج»: النموذج تمثيل مبسّط ومنتقى لظاهرة معقّدة، رياضيّ أو مادّيّ أو حاسوبيّ؛ و«بناء» تعني أنّه مصنوع لا مكتشَف.
- «أن يبلغ حقيقة الواقع»: الحقيقة بمعناها الكلاسيكيّ مطابقة الفكر لموضوعه؛ و«يبلغ» تفترض أنّها هدف يمكن الوصول إليه.
المقدّمة — الفكرة: تمهيد من صورة شائعة يصدمها واقع الممارسة، ثمّ السؤال بألفاظه، ثمّ إشكاليّة تقرأ «غاية». مقدّمة ممكنة:
«نتصوّر العالِم عادة باحثا عن الحقيقة: يريد أن يعرف كيف هي الأشياء في ذاتها. غير أنّ العالِم المعاصر لا يعرض علينا الذرّة أو المناخ أو الوباء كما هي، بل نماذج يعترف هو نفسه بأنّها تبسيطات، ويستبدلها كلّما وجد أنسب منها. فهل غاية العالِم من بناء النماذج أن يبلغ حقيقة الواقع؟ أم أنّه يبنيها ليفهم ويتوقّع ويفعل، فيحكم عليها بملاءمتها لا بمطابقتها؟ وإذا لم تكن المطابقة غايتها، فهل يعني ذلك أنّ العلم تخلّى عن الحقيقة؟»
الجوهر — لحظة التحليل: العلم طلب للحقيقة — الفكرة: نبني الأطروحة التي يوحي بها السؤال قبل امتحانها.
- التصوّر الكلاسيكيّ: نشأ العلم الحديث على وعد بكشف قوانين الطبيعة كما هي: كتاب الطبيعة، عند غاليلي، مكتوب بلغة الرياضيّات، والقانون يصف نظام العالم نفسه؛ فالنموذج صورة تقترب من أصلها.
- حجّة النجاح: لو لم تمسك النماذج بشيء من الواقع لما صدقت توقّعاتها: عادت المذنّبات في المواعيد التي حُسبت لها، وتدور الأقمار الصناعيّة في المدارات التي رُسمت لها.
- حجّة المراجعة: يستبدل العلماء نموذجا بآخر لأنّ الثاني يصمد حيث أخفق الأوّل؛ والتصحيح نفسه يفترض أفق حقيقة يُقاس به الخطأ.
فقرة ممكنة من التحليل: «يبدو السؤال، لأوّل وهلة، في غير محلّه: فما غاية العلم إن لم تكن الحقيقة؟ لقد نشأ العلم الحديث على وعد بقراءة كتاب الطبيعة المكتوب بلغة الرياضيّات، والنموذج في هذا التصوّر صورة تقترب من أصلها. ويشهد لذلك نجاح النماذج نفسها: فالمذنّب يعود في الموعد الذي حُسب له، والقمر الصناعيّ يدور حيث رُسم مداره. ولو لم تكن النماذج تمسك بشيء من الواقع لكان نجاحها معجزة. بل إنّ العالِم حين يستبدل نموذجا بآخر يشهد، من حيث لا يقصد، بأنّه يطلب ما هو أقرب إلى الواقع؛ فالخطأ لا يُصحَّح إلّا في أفق حقيقة.»
الجوهر — لحظة النقاش: النموذج يُبنى ليُفهِم ويتوقّع — الفكرة: نعترف بمكاسب الأطروحة، ثمّ نمتحنها بما يفعله العلماء فعلا بنماذجهم.
- المكاسب: تحفظ الأطروحة للعلم جدّيّته: ليس كلّ نموذج ناجع مقبولا، والتجربة تحكم.
- حدّ أوّل — النموذج يُهمل عمدا: يرسم نموذج بور للذرّة مدارات للإلكترون يعرف الفيزيائيّون أنّها لا توجد كما رُسمت، ومع ذلك ما يزال يُدرَّس ويُستعمل لأنّه يفسّر خطوط طيف الهيدروجين بحساب بسيط. فما يُطلب هنا هو الملاءمة لغرض محدّد، لا المطابقة.
- حدّ ثانٍ — نموذجان لظاهرة واحدة: يُعامَل الضوء موجةً في ظواهر التداخل، وحبيبات طاقة في المفعول الكهروضوئيّ؛ ولو كانت غاية النموذج مطابقة الواقع لوجب أن يكون أحدهما خطأ.
- حدّ ثالث — غاية الفعل والقرار: نماذج المناخ والأوبئة تُبنى لتوجيه قرارات قبل أن تقع الوقائع. ويجعل جان لوي لوموانيو من النمذجة بناء يختار فيه المتمذج أكسيوماته بحرّيّة، على أن يصرّح بها.
فقرة ممكنة من النقاش: «غير أنّ ما يفعله العلماء بنماذجهم لا يطابق هذه الصورة. فنموذج بور يرسم للإلكترون مدارات يعرف الفيزيائيّون أنّها لا توجد كما رُسمت، ومع ذلك يُستعمل لأنّه يفسّر طيف الهيدروجين بحساب بسيط. والضوء يُعامَل موجةً هنا وحبيبات طاقة هناك، ولو كانت المطابقة هي الغاية لوجب أن يسقط أحد النموذجين. فالعالِم لا يسأل: هل يشبه نموذجي الواقع؟ بل: هل يلائم الغرض الذي بنيته له؟ ويزداد ذلك وضوحا في نماذج المناخ والأوبئة، التي تُبنى لتوجيه قرار قبل أن تقع الوقائع التي تتوقّعها.»
التركيب والموقف — الفكرة: الموقف يعيد تعريف الحقيقة بدل أن يختار بين «نعم» و«لا»، ثمّ يستخلص منه بعدا معياريّا. مثال: «لا تُبنى النماذج لبلوغ حقيقة الواقع بمعنى المطابقة، لكنّها لا تُبنى ضدّ الحقيقة ولا بمعزل عنها: فهي تطلب حقيقة من نوع آخر، مؤقّتة ومشروطة، تُقاس بقدرة النموذج على الصمود أمام الاختبار كما يرى بوبر، وتُصحَّح باستمرار كما يرى باشلار حين يجعل الحقيقة العلميّة خطأ مصحَّحا. ومن هنا تنشأ مسؤوليّة العالِم: فإذا كان النموذج أداة لا مرآة، صار سؤال «لأجل ماذا نبنيه؟» جزءا من علميّته، ولم تعد مهمّته تقتصر على إنشاء النموذج بل تمتدّ إلى التفكير في تبعاته.»
الخاتمة — الفكرة: جواب بالغاية التي انتهى إليها الجوهر، ثمّ أفق مفتوح. مثال: «غاية العالِم إذن ليست أن يملك حقيقة الواقع، بل أن يبني ما يجعله معقولا وقابلا للتوقّع تحت رقابة التجربة؛ والحقيقة أفق يوجّه هذا البناء لا غنيمة ينتهي إليها. غير أنّ النموذج الذي يوجّه قرارات تمسّ الناس يطرح سؤالا آخر: من يحدّد الغايات التي تُبنى لها النماذج؟»
توزيع إرشاديّ على 10 (غير رسميّ): مقدّمة تُشكِل السؤال (2)، تحليل (3)، نقاش (3)، خاتمة (1)، لغة وتوظيف للمرجعيّات (1).
ما يكلّف نقاطا: قراءة السؤال كأنّه «هل النماذج صحيحة؟» فيُكتب مقال في صدقها لا في غايتها؛ جواب بنعم أو لا؛ نقاش يستنتج أنّ العلم وهم، أو أنّ كلّ نموذج ناجع مقبول؛ الخلط بين الحقيقة والنجاعة دون تمييز؛ مسؤوليّة العالِم ملصقة في آخر المقال دون أن تنتج عن التحليل؛ سرد أسماء لا يُشغَّل أيّ منها.