التمرين الثالث: النصّ (6 نقاط) — على شاكلة الورقة المشتركة للشعب العلميّة وشعبة الاقتصاد والتصرّف
النصّ:
لم ينزل أحد إلى مركز الأرض، ولن ينزل إليه أحد في المدى المنظور: فأعمق بئر حفرها الإنسان لم تبلغ اثني عشر كيلومترا ونصفا، أي أقلّ من جزء من خمسمائة من المسافة التي تفصلنا عن المركز. ومع ذلك يتحدّث علماء الأرض عن قشرة ووشاح ونواة، ويقولون إنّ بعض النواة سائل وبعضها صلب. فمن أين لهم هذا؟ إنّهم لا يصفون ما رأوه، بل يبنون نموذجا: تصوّرا لما يُحتمل أن يكون عليه باطن الأرض، يعلمون أنّه من صنعهم، ولكنّهم لا يطلقون له العنان كما يطلق الشاعر خياله.
فالنموذج يُلزم صاحبه: إذا كان باطن الأرض على هذا النحو، فإنّ الموجات التي يطلقها زلزال ينبغي أن تبلغ هذه المحطّة في وقت معلوم، وأن تغيب عن تلك الناحية من سطح الأرض. ثمّ تُسجَّل الأوقات وتُرصد النواحي. فإذا وافقت القياسات ما قيل، ازدادت ثقتنا بأنّ النموذج يمسك بشيء من الواقع، دون أن نزعم أنّه أمسكه كلّه؛ وإذا خالفته، لم نتّهم الواقع بل النموذج، فنصلحه أو نتركه لغيره. هكذا لا يكون النموذج نسخة من عالم لا نراه، ولا حلما عنه، بل رهانا على ما هو عليه نقبل سلفا أن نخسره.
نصّ تدريبيّ من إنشاء مسار، على خطّ حجّة ريتشارد داوكنز في «سحر الواقع» (نصّ الدورة الرئيسيّة 2026): نموذج لما لا يُرى ثمّ امتحانه بتوقّعاته، بمثال آخر هو باطن الأرض. أعمق بئر معروفة هي بئر كولا في روسيا (نحو 12,3 كم)، ونصف قطر الأرض نحو 6371 كم.
أنجز المهامّ التالية انطلاقا من النصّ:
- حدّد إشكاليّة للنصّ. (نقطتان)
- حدّد دلالة من دلالات النموذج في سياق هذا النصّ. (نقطتان)
- اكشف رهانا من رهانات النصّ. (نقطتان)
Voir la correction commentéeAprès avoir posé votre démarche
الفكرة: ثلاث مهامّ مستقلّة من نقطتين، لكلّ منها فقرة قصيرة تستند إلى عبارات النصّ. والنصّ يتقدّم في حركتين: الأولى تبيّن أنّ العلم يتكلّم عمّا لا يراه ببناء نموذج، والثانية تبيّن أنّ هذا النموذج يُمتحن بتوقّعاته. والمهمّة الثانية تُبنى على الحركتين معا.
1. إشكاليّة النصّ (2 ن) — الفكرة: نبحث عن التوتّر الذي يعالجه النصّ: معرفة تتجاوز ما تراه العين، ومع ذلك لا تريد أن تكون تخمينا.
صياغة ممكنة: كيف يمكن للعلم أن يعرف واقعا لا تبلغه الملاحظة المباشرة؟ هل يكون النموذج الذي يبنيه العالِم لهذا الواقع مجرّد تخيّل من صنعه، أم يكتسب قيمة معرفيّة حين يُلزم صاحبه بتوقّعات تمتحنها التجربة؟ وإلى أيّ حدّ يحقّ لنا، إذا نجح، أن نقول إنّه يمثّل الواقع؟
المفاهيم التي تشتغل عليها الصياغة: الملاحظة، النموذج، الخيال، التوقّع، التجربة، الواقع. ولا تُقبل صياغة تحوّل المسألة إلى سؤال في علم الأرض («ممّ يتكوّن باطن الأرض؟»): فهذا سؤال جوابه معلومة، والنصّ يسأل كيف نعرف لا ماذا نعرف.
2. دلالة النموذج في سياق النصّ (2 ن) — الفكرة: «في سياق هذا النصّ» تعني المعنى الذي يعطيه هذا النصّ للنموذج؛ نحدّده بما يستبعده ثمّ بما يثبته، ونستشهد في كلّ مرّة بعبارة من النصّ.
- ما يستبعده النصّ: أن يكون النموذج وصفا لما شوهد («لا يصفون ما رأوه») أو «نسخة من عالم لا نراه»؛ وأن يكون تخيّلا حرّا لا يُحاسَب («لا يطلقون له العنان كما يطلق الشاعر خياله»، «ولا حلما عنه»).
- ما يثبته: النموذج تصوّر «لما يُحتمل أن يكون عليه باطن الأرض»، أي بناء ذهنيّ يعترف العلماء بأنّه «من صنعهم»، لكنّه «يُلزم صاحبه» بتوقّعات محدّدة: موجات تبلغ محطّة «في وقت معلوم» وتغيب عن ناحية أخرى. وقيمته معلّقة على امتحانها: يمسك «بشيء من الواقع» إن وافقته القياسات، ويُصلح أو يُترك إن خالفته.
صياغة تركيبيّة: النموذج في سياق النصّ تصوّر افتراضيّ يبنيه العالِم لواقع لا تبلغه الملاحظة، يُلزمه بتوقّعات تمتحنها التجربة، فيبقى رهانا قابلا للمراجعة لا نسخة من الواقع ولا خيالا حرّا. ولا تكفي إجابة تنقل تعريف الدرس («النموذج تمثيل مبسّط للواقع») دون عبارات النصّ، لأنّ المطلوب دلالة من دلالاته في هذا السياق.
3. رهان من رهانات النصّ (2 ن) — الفكرة: الرهان ما يكسبه الكاتب إذا صحّ موقفه؛ نصوغه بعبارة «يراهن النصّ على…» ثمّ نعلّله بلفظ النصّ، دون إعادة الأطروحة.
رهان معرفيّ: يراهن النصّ على إثبات مشروعيّة معرفة علميّة بما لا يُرى: فإذا كان النموذج يُمتحن بتوقّعاته، لم يعد العجز عن الملاحظة المباشرة حدّا للعلم، وصار الحديث عن نواة الأرض معرفة لا تخمينا. وقد حدث هذا فعلا سنة 1936 حين لاحظت عالمة الزلازل إنغه ليمان موجات تصل إلى ناحية كان النموذج السائد يتوقّع غيابها عنها، فلم تتّهم القياسات بل عدّلت النموذج، واقترحت أنّ في قلب النواة نواة داخليّة تختلف عنها، وسيتبيّن بعدها أنّها صلبة.
رهان نقديّ مقبول أيضا: يراهن النصّ على تحرير العالِم من الوثوقيّة: فحين يصف النموذج بأنّه رهان «نقبل سلفا أن نخسره»، يجعل خطأ التوقّع فرصة لتقدّم المعرفة لا فضيحة لها، ويمنع العالِم من أن يتعلّق بنموذجه تعلّق المعتقد بعقيدته؛ ولذلك لا يقول النصّ إنّ النجاح يُمسك الواقع «كلّه»، بل «بشيء من الواقع».